الأحد، 9 أكتوبر 2022

قراءة نقدية اسلوبية دلالية في قصيدة وليد جاسم الزبيدي( العنوان: من للغراق؟!)/ الأديبة : حبيبة المحرزي- تونس*

 قراءة نقدية اسلوبية دلالية في قصيدة وليد جاسم الزبيدي

العنوان: من للعراق؟!
قصيدة على بحر البسيط مزدوج التفعيلة .المطلع مصرع في انتماء واضح للقصيدة العمودية التقليدية في إشارة إلى اعتزاز الشاعر بالموروث الادبي الثقافي العربي. الرويّ حرف شفويً مشدًد ثابت مشبع " با"
"من للعراق؟! استفهام عن عنصر أساسي من الجملة الاسمية يحيل على العاقل .هي صرخة البداية التي تصل للمتلقي صرخة تدوي بحناجر تستغيث طلبا لسد نقص احدث خللا في منظومة "العراق"
الشاعر ومنذ العنوان يعلن عن موقف بعضه ثابت معلوم معروف"العراق" وهو بسيميائية جغرافية معروفة يتفق فيها الشاعر والمتلقي كمساحة من الارض لها تاريخ عريق وحضارات تعاقبت عليها منذ الأزل . لكن المستقهم عنه لا نعرف عنه سوى أنه عاقل .إضافة إلى التنغيم التصاعدي التفجعي الذي تنطق به نقطة الاستفهام مردفة بنقطة تعجب والتي اضفت على المعنى تعجبا سيجد له المتلقي تبريرا بين كلمات القصيدة .
الدلالات الاسلوبية:
تبدأ القصيدة بالتلازم "ما أن تغرّب حتى صبحه غربا" تزامن الحدث الرئيسي والحدث الثانوي. تزامن قرن بين حدثين أحدهما سبب في الآخر لكنّ "تغرّب" اكتساب صفة جديدة أو انتساب لملة أخرى دخيلة .لتكون النتيجة تهديمية مصيرية " صبحه غربا" هذا الطباق بين الصبح والغروب يهوي بالقصيدة إلى تعديد مساوئ"غرّب" المتحدث عنه يظل مضمرا لكنه ينحو به إلى عتبة العنوان التي حددت المستغاث له "العراق" لتنحصر الذكرى في الاغتراب لتمحو كل ماسبق من ذكريات متواترة متلاحقة في الماضي .ليخلص إلى الاخبار المؤكد بالتحولات الموجعة " قد راعه الجزر ...أو ..أو ..تعديد مظاهر الخراب "زور ق ثقب...أعشاش يقلبها.."عنف مستشر يتيمة الخراب والدمار في رموز الحرية "الطير"والحياة "الأمواه" الجمع يحيل على كثرة المياه بسيميائية الواقع المعلوم من الشاعر والمتلقي"دجلة والفرات"
النفي المؤكد "لا...ما..." مع تأكيد الرغبة البديلة "بلى"
انتهاء الغاية الزمانية الكارثية المقترنة بالمصيبة "حتى " ليكون التزامن بين المصيبة و"أناخت "فعل السكون والجمود والإذاعان والالتحاق بالأرض في تقابل مع الطير والحركة والعلو. في تدرج من الجزء إلى الكل من المفرد إلى الجمع "الكون" تعميم وتهويل وتضخيم للمصيبة إذ "صار الكون محتربا" تحول كارثي عنفي بجذر "ح ر ب"أفادت فيه الزيادة التشارك والعنف المتبادل "تحارب"
وإذا كان الزمان الحاضر طاغيا بكل مآسيه فالشاعر لم يغفل عن الماضي الذي ضرج الزمان "في كل عصر لنا أمثولة" والمكان " في كل درب لنا احدوثة" والقاسم المشترك "عجبا" مع اسم المرة "أمثولة ...احدوثة" ليست مرة بل مرات حددها المضاف "كل" إفادة التعميم والتعديد.
ليكون الاستغراب "من للعراق ...مع الحال "وعقل راح مغتربا "تنكير "عقل" للاطلاق وعدم التصنيف..مهما كانت درجة تعقله مع الناسخ الدال على التحول إلى الاغتراب الكلي "وكانً انعدام العقل ببرهان ودليل "يبني لغيري ويهدي..." صيغ تفيد عدم الانقضاء والاستمرار..هي الغربة والبعد الحسي والاغتراب والبعد المعنوي مشهدية بدلالة واقعية بحجج وأدلة . ليكون التفجع والمأساة الأهم "أشباه " تنكير متعمد وحذف المشبه به للتحقير والتفريغ "تسيّره" استمرار .لكن التفصيل والتوضيح بصور من الماضي المختلف عن حاضرهم بناسخ انقضاء الكينونة الثابتة"كانوا .."جرادا.. نعيقا ..حصادا" رموز الخراب والبؤس بسيميائية واضحة يتبناها المتلقي والشاعر لأنها من سجل متفق عليه واضح في المخيال الإنساني عامة.
ليعود الشاعر في فجئية مربكة إلى الحاضر في استسلام يؤكده النفي "ماعاد فينا..."استحالة الاستمرار مع التناص مع النص القرأني وسورة والعاديات" القسم بالخيل لتأخر عودتها من حي كنانة وكان الامل فقد كما فقد الامل في عودة مثبتتة في التاريخ الاسلامي .تناص يرقى بالنص إلى مقام القداسة لأن "حب الوطن من الايمان" لكن الاستغراب من الخبرية الواردة في "فيم النصبّر.." مصدر دال على مطلق الحدث والزيادة افادت بذل الجهد في القيام بالفعل ليكون التأكيد والتهويل على حجم المعاناة والاذى المستشري ليكون اللجوء الى الله "يفرجها" مستقبلا .هو المنشود الذي يخالف الموجود .منشود لن يكون إلا بقدرة الاهية.
العودة إلى الانشاء والنداء نقل صراعا مربعا يعاينه ويعايشه الشاعر وفي علمه ان المتلقي أيضا على بينة من هذا الواقع المريع، لكن المنادى المضمن المشخص غيب الأهل وصار واقعا ثابتا يتحاور مع شاعر يرثي خيرات أهله "جوع أهلي" هي النتيجة الحتمية لكل ما سبق.ليكون الاستفهام "أيّ" اين؟ خرائط وحدود صارت "مقابر"..هو الوطن المسلوب المحتل الذي استبدلت فيه الحياة بالموت والشبع بالجوع والصباح بالغروب.
ماعاد ...ماظلً..نفي يؤكد التحول والخراب والدمار الذي بلغ فيه السيل الربى اذ طال المدارس لتكون التهجئة بغصة النهب لثروات الوطن صورة شعري بدلالة تغوص في الوجع الإنساني . صورة كاريكاتورية محزنة مخزية لمن نهبوا الوطن وجوعوا العباد. لتكون الضربة القاضية "حتى الله دعوناه فأبى.." هو اليأس والتحذير والتفريغ من غضب الخالق على من لم يصونوا الأمانة المقدسة ليكون النداء الاخير والقياس بالحاضر المسلوب من كل بارقة خير .
_ المعجم :لقد اعتمد الشاعر على حفلين ممعجميّين
:معجم الطبيعة الكونيّة في السكون والحركة . الصباح ، الدروب ، الموج .الطير، الامواه، ،زرع، ...العنب..
معجم الدمار والأسى :اغتربا، نهب، الحروب ، التعليق الجراد الصخب..."
هو معجم ضاج باسى الماضي والحاضر والمستقبل الذي يبدو امتدادا لسايقه ..هو الوجع الدفين الذي تخير ما يحيل على مأساة وطن معلومة من المتلقي والشاعر الملتاع لوطن لم يحصّل منه أهله لا على السّلال ولا على العنب..
_ بنية القصيدة:قصيدة بمقاطع البسيط الطويلة تحاكي وجع شاعر يصرخ مستغيثا بمنقذ للعراق .قصيدة بفصول فرقت بينها "من للعراق؟ كركيزة فاصلة تسبق كل معنى جديد أو هي لغاية التّذكر باللوعة والصراخ .ليتدرج بعد كل فصل لتحديد مظاهر الخراب والدمار والأسباب والنتائج المادية والنفسية والاجتماعية .
قصيدة قامت على الإخبار ونبش النقائص بافتراض الممكن والذي صار ممتنعا لاختلال الحاضر بمخلفات الماضي الموبوء
قصيدة سارت سيرا لولبيا بدايتها كنهايتها .
الخاتمة تبرر البداية وتؤكد على التقابل بين موجود مرعب ومنشود يأمل في مستقبل يعيد للوطن عزّة وللاهل هناء وسعادة.
اعتمد الشاعر الجناس التام وغير التام والطباق والاستعارة وكل مؤثثات البديع لتصوير التقابل والتنافر والاثاره التي يعيشها الوطن. والتدرّج التصعيدي المبرر ليمضي من العام من كالجوع والغربة والاغتراب إلى فئة هشة"تغص" وهي تهجي "العراق"أنها الطفولة عماد المستقبل الذي لن يحمل مشعل الاصلاح والتغيير بسبب ما جناه الأسلاف.في إدانة واضحة لأعداء الوطن .
تدرج درامي موجع ما أضفى على القصيدة ايقاعا داخليا مربكا مستفزا للمتلقي الذي يتفق مع الشاعر في سيميائية الصورة المرعبة التي تضرج الوطن الحبيب في الزمن المطلق..والأخطر من كل هذا أن القصيدة ظلت مفتوحة لأن الشاعر ومن منطلق الواقع والحقيقة لم يجد المسند إليه المبتدا . ف"من"ظل مفقودا وظل الاستفهام معلقا دون إجابة شافية كافية.
حبيبة محرزي
تونس
القصيدة
مَـنْ للعراقِ..؟!
د. وليد جاسم الزبيدي/ العراق.
ما إن تغرّبَ حتى صبحهُ غرُبا..
ما عادَ يذكرُ إلاّ أنّهُ اغتربا..
قدْ راعَهُ الجّزْرُ في الأمواهِ يقذفُهُ
أو قارباً كانَ بينَ الموجِ قدْ ثُقِبا..
أوْ أجمَعَ الطّيرَ أعشاشاً يقلّبُها
لا ما أرادَ لهُ عشاً بلى رغبا..
حتى طوى بين جُنحيهِ مصيبتَهُ
لمّا أناختْ وصارَ الكونُ محتربا..
في كلّ عصرٍ لنا أمثولةٌ عجباً
في كلّ دربٍ لنا أقصوصةٌ عجبا..
منْ للعراقِ وعقلٌ راحَ مغترباً
يبني لغيري ويهدي الأرضَ والشُّهبا..
منْ للعراقِ وأجيالٌ مَلكْنَ هوىً
عيشٌ ببُعدٍ وأصداءٌ عزفْنَ صَبا..
منْ للعراقِ وأشباهٌ تُسيّرُهُ
كانوا نعيقاً وما زالوا بنا صَخَبا..
كانوا جراداً يحشُّ الزّرعَ في خبثٍ
كانوا حصاداً لمنْ ضحّى ومنْ وهبا..
ما عادَ فينا اصطبارٌ والجروحُ فمٌ
والعادياتُ أقلّتْ شوطَها حُقُبا..
فيمَ التّصبرُ إنّ اللهَ يُفرجُها
بعدَ انكسارٍ ويُخزي الدّاءَ والسّبَبا..
يا جوعَ أهلي وأركانٌ مبعثرةٌ
أيّ الخرائطِ كانتْ تدّعي النّسبا..
أينَ الحدودُ بنيناها مقابرَنا
كلُّ الحروبِ لأجلِ الحَدِّ إنْ سُلِبا..
ما ظلّ رسمٌ كما كانتْ مدارسُنا
باللّونِ ترسمُ قلباً نابضاً خصِبا..
ما عادَ يُفلحُ تلميذٌ بتهجئةٍ
إسمَ العراقِ فقد غَصّوا بما نُهِبا..
منْ للعراقِ تقولُ: اللهُ يحرسُهُ؟
حتى الإلهُ دعوناهُ ضُحىً فأبى..
يا مُفلقَ الحبَّ والياقوتَ يا وطني
فلا السلالَ جنيناها ولا العِنَبا..
وليد جاسم الزبيدي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق