* رب موعد *
قصة قصيرة.
دخلت المطار وجلة... قلبها يتخبط في صدرها... هوة سحيقة فصلتها عن الحاضر المرتبك...
كيف ستكونان؟
هل تغيرت ملامحهما؟ هل ستتعرف عليهما؟ هل تذكرانها؟
الرواق هو نفسه.... يومها جرت خلفه تستعطفه أن يؤجل السفر ريثما تجد جواز سفرها الذي اختفى من محفظتها اليدوية... بعثرت مافيها على الأرض... جرت إلى الشرطي تطلب منه أن يساعدها... بحثت عن مكان صاحبة الصوت الذي يلغو بكل اللغات كي تساعدها... اندفعت نحو الرواق، لكنه كان قد اختفى ومعه البنتان... إحداهما رضيعة لم تر منها إلا ظهر فستانها الوردي وضفيرتها المبعثرة، والأخرى لم تتجاوز الرابعة من العمر... آخر ما دونه ذهنها حذاءها الرياضي، وضوءه الرفاف.
ارتمت على الباب الأزرق... صدها الشرطي... جرت متتبعة خط سيرها وهي تغمغم والدموع تتقاطر: (يا الله ماذا أفعل؟)... بعض الشبان تكفلوا بالبحث معها بين الأرجل وحول الحقائب... لكن سرعان ما تفرقوا بعد أن أرجعوا الأشياء إلى المحفظة... كادت تجن... الصوت الرنان يستحث الركاب القاصدين باريس... الطائرة ستقلع بعد لحظات.
لم ترهما منذ ذلك اليوم... هاتفت بعض الأقارب. لكنهم أكدوا لها أنه رحل إلى مدينة أخرى ولا يعلمون عنهم شيئاً... تعطلت كل السبل... ظلت تكابد الغياب ووجع الغدر والنكران.
البارحة تواصل مع أخته: (قولي لها "تعالي إلى المطار غداً الرابعة").
لم تنم... بكرت إلى المطار... وفي محفظتها حلوى وشكولاطة وفطائر مغمسة في العسل... كانت ستأتيهما بملابس العيد التي دأبت على شرائها كل عيد وتعليقها نصب عينيها مدة لترتبها بعد ذلك في الدولاب الذي تترك دفته مشرعة وكأنها تراهما فيه... أما زالتا تحبان الشكولاتة؟
مرت عشر سنوات بثقل عشرة دهور... ترى خطواتها ماتزال محفورة هناك في الرواق الطويل... رفعت بصرها... رأتهما،إحداهما تدفع به كرسياً متحركاً، وهو ذابل نحيل مصفر الوجه منكس الرأس... اقتربت منهم... عانقتهما بلهفة والدموع تنهمر... لكن الصغرى أشاحت عنها وسألته مستغربة:
— من هذه؟
تمتم بفم يابس:
— أمكما.
صرخت الكبرى:
— أليست ميتة؟
لم يجبها... التفت إليها قائلاً:
— خذي بنتيك، فأيامي معدودة، وهذا جواز سفرك.
تركته بين يديه، وسارت ممسكة بالبنتين والدموع ترسم طريقاً جديداً لهن... سمعته يصيح بصوت مبحوح مرتجف وأخته تدفع به كرسيه المتحرك خلفهن:
— سامحيني... أرجوك...
حبيبة المحرزي.
تونس.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق