زلزال
لم تكن في بيتها في تلك الليلة القاسية ، وإنما كانت عند ابنتها التي تأنس برفقتها دائماً وتتمسك بذيل ثوبها باستمرار خوفاً من أن تضيعها في زحمة الدنيا .
هرعت إلى بيتها ضحوة لتتفقده بعد رأت هول ماحدث من دمار بالتلفاز ، وبعد أن سمعت عن انهيارات كبيرة في الأبنية وفي الوجدان .
عندما وصلت إليه سادتها سكينة لامنتهى لها بعد أن رأته شامخاً ومازال قائماً يواجه عثرات الزمان .
صعدت الدرج بسرعة مصحوبة بتهيب متوتر ، فتحت الباب بحذر يشوبه بعض الخوف .
وأثناء بحثها عن مفتاح بيتها المزروع بحقيبة يدها السوداء ماجت الأرض تحت قدميها يميناً ويساراً ، وسمعت صوت صرير الحجر المتآكل ، تناثر فوق رأسها ذرات من الدهان المقشور المتدلي من سقف الدرج ،فعاشت هذه اللحظات بمفردها .
ماذا تفعل ؟
لحظات عصيبة مرت عليها، هي بضع ثواني ، لكن زمنها النسبي كان دهراً بحاله .
ترامى الجيران على الدرج حفاة مصحوبين بالهلع ومعممين بالفزع تاركين منازلهم وحيدة تواجه قدرها .
لم تسعفها البديهة بالنزول إلى الشارع ، ولم تستمع إلى إلحاح الجيران بالنزول بسرعة وإنما ناداها صوت ملح للاحتماء بوطنها الذي ألفته .
دخلت بسرعة بعد أن عثرت على المفتاح وأغلقت الباب عليها ، بحثت عن حبيبها في غرفة الجلوس وفي مكانه المعتاد فلم تجده ، أسرعت إلى غرفة النوم لعلّه نائم في سريره بهدوء ولم يشعر بالزلزال فلم تعثر عليه أيضاً ، هرعت إلى المطبخ ، لابد أن يكون هناك ولابد أن يكون جالساً بصحبة المذياع وبرفقة فنجان قهوته المظبوظ مع السكر وسط ، رغم أنه يحوي الكثير من السكر في دمه وفي محياه فلم تجده أيضاً .
أعادت البحث من جديد وبالاستعانة بصوتها المبحوح من السعال الذي استوطن حنجرتها منذ ثلاثة أسابيع ودون علمها بتوقف الهزات فهي مازالت مخضوضة وليست بوعيها تماماً ، والزلزال الذي اجتاحها كان أكبر من الهزات التي داهمت المكان .
فتحت كل الأبواب وكل الخزائن وكل الشبابيك بحثاً عنه علّه مختبئ فوق كومة قش صغيرة بحرف نافذة نائية تطل على شرفة متعبة من الخوف والوحدة فلم تجده أيضاً .
فتحت كل العلب الجميلة التي تركنها في ثنايا روحها لتعثر عليه فتذكرت في خضم هذا البحث المسعور أنه قد غادر منذ ثلاثة أعوام تقريباً .
انهمرت من عينيها دمعتين فقط واحدة عليه والأخرى عليها ، هاتين الدمعتين أيقظتاها من غيبوبتها التي تعيشها ، لكنها أدركت أنه لم يغادرها مطلقاً ولم يغادر بيته نهائياً ، فروحه تملأ البيت وصوته موسيقاه وكلماته دعائمه .
فعادت إلى واقعها لتعيش الحقيقة بكل أبعادها متحدية الهزات الارتدادية والنفسية .
كفكفت بحثها عنه وأزالت بعض الركام والعوالق عن نفسها المتعبة بمجرد سماع رنين الهاتف الصادر عن ابنها المسافر مع ارتسام هالات كبيرة من الهدوء والسكينة على وجهها .
ردت عليه بسعادة مفرطة ، كان يريد الإطمئنان على بيتهم وعليها أولا ، عادت إلى توازنها لأنها تعرف وتعلم أن الحب أقوى من الزلزال وأن المحبة تعمر القلوب قبل البيوت .
نزلت إلى الشارع مسرعة لتسارع إلى التبرع بالدم لتقديم أقل مايمكن تقديمه إلى بعض المتضررين .
رولا المحيو

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق