الأربعاء، 9 يونيو 2021

قراءة نقدية: الصّداقة قيمة إنسانية في القصيد / الناقدة : سهيلة بن حسين حرم حمّاد - تونس ***


 قراءة بعنوان: الصّداقة قيمة إنسانيّة في القصيد

في قصيدة :صــديقي ..!؟؟؟ للدكتور وليد جاسم الزبيدي Waleed Jassim Alzubaidy
==========
============
صــديقي ..!؟؟؟
شعر / د. وليد جاسم الزبيدي- العراق.
لماذا الصّدُّ؟ ما بعدَ التنائي؟..
وهلْ يحلو الصّباحُ بلا غناءِ..
علامَ تلومُني عانيتُ دهراً
وغُصني جَفَّ في بئرِ الرّجاءِ..
تعالَ، الودُّ علّقَني نجوماً
بليلٍ صارَ بيتاَ للصّفاءِ..
أجودُ عليكَ من روحي وقلبي
وإنّي في طريقِكَ خيرُ رائي..
صديقي، والصّديقُ سميرُ وجدٍ
ونحيا في الشدائدِ والرّخاءِ..
ونعبرُها المنايا موجَ بحرٍ
ونطوي الجُرحَ من ذاكَ العناءِ..
وننسى، كَمْ قسا دهرٌ تولّى
فألبسَنا العنادَ على حياءِ..
وشوقٍ كادَ يعتصرُ الحنايا
وأحلامٍ سأتركُها ورائي..
تعالَ، فقدْ تضيقُ بيَ البرايا
وهذا الكونُ سجني أو بلائي..
فلا معنىً لكلّ غدٍ سيأتي
وأنتَ النأيُ، والدنيا التنائي..!!
==========
=============
ما أجمل هاته المشاعر الإنسانيّة الرّاقيّة النّادرة والنّبيلة المتعفّفة في زمن الانتهازيّة والمصلحة والمادّة التي طغت على كلّ الأحاسيس الجميلة كالحبّ والودّ والعشرة الطيّبة. فمن خلال هذا الإلحاح و البوح بمشاعر مضمّخة بالدّلال، في طلب إعادة حبل الوصال، بين الأنا الذّات المتكلّمة، وصديق حاضر في غيابه. لم يطلعنا على سبب الجفاء القائم بينهما احتراما للعشرة و للخصوصيّة. ولكن في نفس الوقت لامسنا بوادر إعادة وصال محتشم لم يحقّق بعد السّعادة المطلوبة للطّرفين والإشباع الرّوحي بالشّكل الذي كانت عليه علاقتهما قبل البين، لذلك نراه يسعى جاهدا، إلى إعادة إقامة جسر التّواصل، مهيّئا البيئة المناسبة، من أجل إحكام الوثاق وإعادة العلاقة إلى سالف عهدها وأكثر. نتبيّن من خلال المحبّر وحتى المضمر، أنّ "الأنا" الصّديق المنزعج -خوفا من أن يخسر صديقه- المبادر الملتزم بميثاق الصّداقة، والإنسانيّة، التزاما تكشف صدق نواياه، والإخلاص، في زمن اتّصف بالغدر والتّملّق وعدم الأمان، مع نرجسيّة مطلقة، وعدم مراجعة الذّات بموضوعيّة وعدم تنازل عن مواقف وإن كان مخطئا، بسبب حبّ الذّات وأنانيّة متعجرفة. نرى المتكلّم يتراجع عن موقف أو مواقف سابقة كالغيرة أو سوء ظنّ كما يحصل عادة في الواقع، متنازلا في المرّة هذه، عن كبريائه لإعلاء قيمة الصّداقة، فيقوم بخطوات إلى الأمام نحو صديقه، مقدّما حبّا، رافعا راية سلام، وحسن نيّة..من أجل إعادة إنجاح صداقة، يظهر من المضمر، أنّ للحسد والوشاة والنّميمة والغيرة دور في توتّرها وإتلافها في السّابق، بشحن الضّغينة بينهما. لذلك نراه فضّل التّرفع عن العتاب، بطلبه نسيان كلّ ما عرقل وحال دون استمرارها. صداقة -على ما يبدو كانت طيّبة وسامية بينهما- لنتكشف بذلك طينة ومعدن المتكلّم الذي تقمّص ذاتا منكوبة، لكنّها سامية مترفّعة، تكنّ لصديقها حبّا كبيرا واحتراما وودّا ما يجعلها تجود عليه من فيض روح قلبها، مؤكّدة له أنّها في طريقه ليست حجر عثرة، بل على العكس تحمل له في جعبتها الخير الكثير (فذات الأنا) المتكلّمة التي جاءت على لسانها الكلمات، لم تفصح عن جنسها ولا عن جنسيّتها، إن كانت صديقة أم صديق، لتنحت القصيدة خلودها، عبر صفة الكونيّة من أجل إعادة قيمة الصّداقة، وترسيخ معنى السّند وتحدّي الصّعاب، فالتّجاوز من شيم العظام الكرام، في مجتمعات أضاعت معنى الصّداقة لتكون (أناة) القصيدة (أناة كونيّة) إنسانيّة :
"أجود عليك من روحي وقلبي
وإنّي في طريقك خير رائي "
يدعوه "صديقي"حاذفا (ياء النّداء) تخفيفا وبلاغة فيقول:
"صديقي والصّديق سمير وجد
ونحيا في الشّدائد والرّخاء...
ونعبرها المنايا موج بحر
ونطوي الجرح من ذاك العناء ...
وننسى كم قسا دهر تولى"
ففي النّداء ذكرى وتذكِرة وتأكيد بأنّه صديق في الماضي وما زال، يدعوه لمواصلة مسيرة العمر، بعد طيّ الجرح الذي سببته له لوعة الفراق، يرى في قربه قوّة وثبات وانسجام، وتحدّ للعالم تنحلّ بها العقد، فقد عانى من جرّاء فراقه، زمن بعاده بعد أن جار عليهما الدّهر قسوة، تماهت مع قسوة عنادهما، يدعوه إلى نسيان سبب الجفاء الذي تسبّب فيه كبرياء كل واحد منهما بسبب عدم التّنازل والتّغاضي، نشتمّ أيضا رائحة عتاب مبطّن بلوم خفيف، تغلب عليه الدّعوة إلى جبّ الماضي، ونسيان كلّ ما يعكّر مزاجهما، وصفاء ما كان يجمعهما من صداقة.
قصيدة إنسانيّة كونيّة موجزة، احتوت على ما قلّ من الكلام، بعناية خبير في نظم وترصيع الحروف والتّطريز مضفيا مسحة من الصّدق، جعلت القارئ يتعاطف معه ويتمنّى أن يلاقي صديقا حريصا مثل ذات أناته، التي بات الشّوق يعتصرها ويعتصر فؤادها وحنايا كل حنين لكلّ ذكرى عاشاها معا. لامسنا احتراما وحبّا سرمديا كبيرا يكنّه لصديق شاقها فراقه، يخشى فقده، زادُه الصّدق. زادَه حسن التّعبير وفيض المعنى ورهافة المشاعر جمالا جعل المتلقّي يصدّقه ويتعاطف معه ... تذكّرني بقصيدة ابن زيدون حين يقول :
"أضحى التنائي بديلا من تدانينا
وَنابَ عَن طيبِ لُقيانا تَجافينا"
"لم نعتقد بعدكم إلا الوفاء لكم
رأيا ولم نتقلد غيره دينا
ما حقنا أن تقروا عينا ذي حسد
بنا ولا أن تسروا كاشحا فينا "
"وَيا نسيم الصبا بلغ تحيتنا
من لو على البُعدِ حيّا كان يحيِينا"
سهيلة بن حسين حرم حمّاد
الزّهراء تونس 09/06/2021

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق