الثلاثاء، 19 أبريل 2022

قصة قصيرة *رحلة في الزّمن الضّائع* / الكاتبة : حبيبة المحرزي -تونس *****



 قصة قصيرة

*رحلة في الزّمن الضّائع*
لم تنم. بقيت تنتظر انطلاق صلاة الفجر كي لا تًضبط متلبّسة. سيّارات التاكسي لا تمرّ في المسالك الفرعيّة في هذه السّاعة. جرّت سنواتها المحتضرة حتّى وصلت الشّارع الكبير. السّائق يضع الحقيبة الثقيلة في الصندوق الخلفيّ متمتما . عقارب السّاعة تهرول. تركت الباب مشرعا. لوّحت له بيدها معتذرة. جرت بعد أن رمت له بما تبقّى عندها من دنانير قد تكون أكثر مما دوّنه العداد. أو أقل. لاحقها صوته.
تسرّبت بين الصفوف متوسّلة و كلمات كالبكاء:
_ الطائرة ستقلع ...أرجوكم.. من فضلكم.
جارها في الكرسيّ الضّيّق جدّا يحيّي على الصلاح وعلى الفلاح ويصلّي. سبّابته تتحرّك على ركبته الّتي تلتصق بركبتها. تنكمش اكثر لكنّ ركبته وعليها سبّابته المتحرّكة تضغط أكثر.
من النّافذة الصّغيرة ألقت نظرة على المدينة التي تركتها نائمة على أوجاع دفينة. بعض الأضواء الرّافّة تتضاءل وتتباعد لتغشاها االسّحب المعلقة التي تتهاوى تحت الطائرة لتفصل بين ماكان وما سيكون تحت ضوء بدأ ينتشر متمهّلا.
اليوم ترحل الى بلاد لا تعرف فيها أحدا، إلى غربة أشدّ من غربتها تلك. لمّت كلّ مخطوطاتها الّتي ظلّت سنوات تدبّجها في ركن شبه معتّم في الهزيع الاخير من الليل كي لا تتّهم بالتّقصير ويثبت عليها الجرم.
لم تكن تتمدّد في فراشها الاّإذا ارتفع آذان الفجر. تطفئ الضّوء بعد أن تدسّ كل مؤثّثات الجريمة الموصوفة في الرّفوف وتخبئ المفاتيح جيّدا في صدرها الآمن مثلما كانت تفعل جدتها.
ثمن الذّهب مرتفع جدّا هذه الأيام ستبيع ما تبقّى ممّا ورثته عن أمّها وجدّتها. دسّته بين الكتب في حقيبتها السّوداء كي لا يتفطن له أعوان الجمارڨ . ستطبع رواية " عتق رقبة" و"الحرب الباردة "و "انتهت المسرحية"و "كش مات" كلها جاهزة للطّبع مع دواوين شعريّة عميقة مشحونة وجعا متمكّنا. ستسكن غرفة فوق السّطوح حتّى تنهي نشرها وترجمتها كلّها.
لم تستفق الاّ والمضيّفة الجميلة تربّت على كتفها وتعلمها بأن لم يبق غيرها في الطائرة.
جرت متعثّرة في الرّواق الطّويل .تتبع المسافرين المسرعين نحو الحزام الدّوّار بالامتعة. وقفت تتأمّل الحقائب تتبختر. ومضة أعادت صوت السائق يدعوها.
دوّت صرخة ارجفت القلوب . حملها رجال الإسعاف إلى المستشفى وهي تهذي .
لم يتبق إلا صوت سائق التاكسي ينتحب في أذنها بوحشية السّنين ....
_انتظري يا....انتظري ...انتظري.....
حبيبة المحرزي
تونس
قد تكون صورة ‏‏‏شخص واحد‏، ‏طائرة‏‏ و‏سماء‏‏

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق