الاثنين، 29 يوليو 2024

ملامح باهتة/ الأديبة المبدعة: سعاد الورفلي*****


 

ملامح باهتة

لم أعد اتذكر شيئا، رغم أن ذاكرتي تعادل أضعاف المساحات، البلد تآكلت جوانبه من الحروب، كنت أتناسى، لا أحب ذكريات ما قبل الحرب وما بعدها، أختي الصغيرة تحاول جاهدة النهوض في كل مرة، فقدت الكثير من العناصر الغذائية في جسدها، فهي بالكاد تستطيع مجاراة أقرانها في الكلام والقيام، في كل مرة كنت أشاهد الناس وهم يحاولون مقاومة شظف العيش، وفي الوقت ذاته وأنا هنا في برج عال من حوله كل وسائل الراحة والاستجمام، أريد أن أقول لهم ولأختي التي تركتها بين أحضان البيئة التي أرادها والديّ؛ أختي سأفعل أي شيء حتى تعودين أقوى، لقد منعني أهلي من أن أقدم أي شيء مادمت هنا، الأفكار السياسية لا تغير خرائط الدول فحسب، بل إنها تعمل الأفاعيل في قلوب البشر وأقرب الناس إليك، كنت من أشد الناس كراهة للفقر، وما إن اندلعت الحرب حتى صرت أغنى الأغنياء، ثم صرت أراقب حركة الناس من فوق هذا البرج ، أرى الحمّال، و الباعة المتجولين، ونساء كثيرات يلفهن الضباب، بعضهن يسألن الناس أشياء كثيرة وفي أيديهن أوراق العوز؛ تثبت صدق أوضاعهن بين مرض، وحاجة مدقعة. وترمل، ورجال (بعضهن) مبتوري الأيدي والأرجل ! استوقفتني قصة إحداهن؛ تمسك بصورة رجل وسيم وتبحث عنه بين الطرقات، تنامى إلى ذهني أنها تبحث عن زوجها الذي اختفى ليلة زواجهما الأولى !! كان يشبهني، هي ذات الملامح التي تجسد وجهي ونظرات العينين ، لقد مررت من أمامها مرتين، لكنها لم تعرفني، ولم تأبه حتى لوقوفي طويلا أمام الصورة، كانت ليلتها من أجمل الليالي التي حلمت بها، لكنني لا أدري .. لماذا حصل هذا وكيف حصل ؟! كانت امرأة جميلة ، وكانت تنتظرني بلهفة، مرت من أمامي وهي تتحدى الحرب، والضياع واللجوء .. اختفت بين المتاهات، عدت لأبحث عنها، وأنا أحمل وسمها ... بين الصحف، والمجلات ، وقاعات الإعلام، اختفت ملامح مدينتي، وأهلي وأختي ..، وهي .. لم أجد أيا منهم، بعدما كانوا أمامي ليل نهار ... صرت أبحث بين كل الوجوه والمنافذ والـ...... ما ثمة من حقيقة واحدة .. وأنا وحدي هنا أمثل وطني في أحد المحافل، وهم هناك ... بين ماتبقى من وطن وقصص، إلا أنني هراء يشتعل على كل الموائد دون جدوى!!
الكاتبة سعاد الورفلي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق