الأحد، 4 أكتوبر 2020

القاص/ محمد المسلاتي- ليبيا***



 • قراءة القاص محمد المسلاتي- ليبيا - للنصّ القصصي [ الجذع المبتور ] للقاص/ محمد عبد الحميد العرضي .

النصّ ينتمي لجنس القصّة القصيرة من حيث تكامل عناصره ، وحبكته الفنية ، ورصده لحالة إنسانية عبر زمن ومكان مرتبطين بمسار الحدث
وفق اشتراطات العمل القصصي .
ولقد نجح القاص في اختيار عنوان القصّة [ الجذع المبتور ] منذ البداية . . حيث يفضي العنوان إلى رؤيا فلسفية شاملة نحو المجتمع ، والحياة تتماهى مع المثل الشائع [ فلان مسكين مقطوع من شجرة ] حين نتعاطف مع إنسان لا عائلة له يرتبط بها ، ولا سند ، ولا جذور أسرية تشدّه ، من هنا تكون حياته مرهونة بالظروف ، ويتعرض لانكسارات ، مادية ، نفسية ،، اجتماعية ،خاصة في المجتمعات ذات السلطة الذكورية شبه المطلقة ، والعشائرية ، والقبلية ، من هنا جاء العنوان يتضمن فلسفة تمهد للدخول في فضاءات النصّ كمدلول فلسفي عام من دون أن يصرح بمضمون القصّة ، ومسار حدثها الرئيس .
بعد ذلك ينقلنا القاص بأسلوب سردي مكثف يقترب من الشاعرية إلى مفتتح القصّة عن طريق الشخصية الرئيسة / المرأة التي تلتقط لقمتها عن طريق بيع الفواكه ، استخدم القاص ضمير المتكلم ما أتاح للمتلقي الاقتراب من الشخصية، و التفاعل مع مشاعرها، وأحاسيسها، وردة أفعالها. صحيح استخدام ضمير المتكلم يجعل معرفتنا تقتصر على أفكار ، وجوانيات الشخصية المحورية فقط ، لكن القاص تمكن في براعة أن يصف لنا ، ويعرفنا إلى الشخصيات الأخرى من خلال تفاعل مشاعر المرأة ، فلم نشعر بأي تصدع في السرد ، أو أي ارتباك بين الشخصيات .
الحدث يبدأ بامرأة تلج سوق الخضار مع أخريات ، يحملن أقفاصهن الفارغة ،لتعبئتها بالفواكه من البائع عن طريق البيع بالآجل، وهي عادة يومية لكسب الرزق . ونقف هنا عند السوق المزدحم بالمرتادين من كل صنف ونوع ، ومن الباعة، ومن السماسرة ، والفواكه المتنوعة ، والخضروات، السوق حسب فهمي عبارة عن معادل موضوعي للحياة بكل مافيها من خير وشر، ومعاناة ، وقهر ، المرأة تواجه معاناة حصولها على اللقمة من السوق ، بالمشقة نفسها التي تواجهها في الحياة .و يبدأ تأزم الحدث عندما يكون للفاكهة أكثر من ثمن بالنسبة للبائع، ثمن بالآجل ، وثمن يستلمه مقدمًا بتحسس جسد المرأة، وإشباع رغباته المكبوتة، و توهج شبقه.. ليفضح لنا النص المجتمعات الذكورية، تنظر للمرأة كسلعة جنسية ، لا تختلف عن الفاكهة التي يتاجر بها.
ويقودنا سياق القصّة لنتعرف إلى ظروف المرأة / الجذع المبتور.. كانت مجرد أرملة، ولا ابن لها.. إذن لا سند رجولي يحميها في مجتمع ذكوري ..والجذع المبتور قابل لكل أنواع الاستخدامات يداس ، يحرق ، يرمى ، يقطع ، إلخ ،، امرأة أرملة وحيدة في مجتمع متخلف ، ذكوري تكون مجرد جسد مستباح .
أورد القاص تضمينًا لجزء من الآية 23 من سورة النمل .في إسقاط بين الملكة بلقيس التى أوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم ، ولكن الفرق مابين ماتملكه بلقيس والمرأة الأرملة إن الأولى تملك مملكة بعرشها وجنودها وشعبها وأموالها ،أما ما تملكه الأرملة من وجهة نظر البائع هو جسدها ، وهو عرشها الذي يصبو إليه ليصبح تحت سلطته الذكورية . وسيطرته الكاملة لإشباع غرائزه، الربط هنا كان في غاية الذكاء من القاص ، حيث أن الجملة كانت تتردد دائمًا في السوق، تسمعها بتكرار ، من البائع أو من الذكور الآخرين، إشارة إلى توظيف المسحة الدينية وفقًا لما يراه مجتمع الذكور .
النصّ بشكل عام محبوك بدرجة عالية من الإتقان، سرد سلس متتابع ، الجمل قصيرة مكثفة شاعرية ، عناصر النصّ متوازنة في تفاعلها ، المضمون إنساني يفضح المجتمعات الذكورية ،وكيف يستغل الرجل المرأة ، وينظر إليها كجسد يجوسه متى شاء . يختتم النّص بأن المرأة تستمر في كدّها من أجل اللقمة .تنادي [التين السكر ]، لكن في أعماقها العلقم ، كثيرون هم الذين يمنحوننا السعادة بالرغم من مرارة أوجاعهم .
هذه القراءة مجرد انطباعات قاريء تذوق النصّ وتفاعل معه كحالة قصصية . أخلص التهاني للقاص المبدع محمد عبد الحميد العرضي .• الجذع المبتور / قصّة قصيرة للقاص / محمد عبد الحميد العرضي .
ركضنا جميعا حاملات أقفاصنا الفارغة، فقد حان الموعد...
تتدافع أجسادنا؛ ثمة مرفق غاص بصدري، وحذاء يدهس قدمي. وقفت غير عابئة لا أتزحزح كجذع نخلة، رافعة قفصي الفارغ بطول ذراعي، مُنادية ذاك الفتى الواقف أعلى سيارة الفاكهة.
لمحني وسط النساء، ميزني من طولي الفارع وجسدي الضخم، كلمات اعتدت سماعها ( أوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم ).
من بين الجميع اخترقت نظراته ثوبي الواسع، غير مراع لجداول الزمان بوجهي، ولا قبضات العمر بأسناني...
مد يده ليأخذ قفصي الفارغ، وضع به رزقي لذاك اليوم. دفعت إحداهن بكتفي محاولة الاقتراب ليضع القفص الممتلىء على رأسي...
وسط الزحام مد يده!... تحسسني؛ ركضت وسط الجموع واضعة كل شيء تحت قدمي...أجسادا وأقفاصا.
وقفت غير بعيد أنظر إلى الزحام؛ أقفاص ترفع، ويده تتحسس! والكل يعلم تلك اللحظة التي تلي رفع القفص!...
لم تفلح الأربع تمائم في حمايتي .
لو بقي زوجي حيّا!
لو رزقت ابنا!
مشيت وحيدة حاملة قفصي فوق رأسي.
لا زلت أشعر بتلك اليد الجائعة. سأفضحه بين الخلائق حتى لو رفض أن يعطيني بضاعة بالأجل...
فتحت فمي صارخة في الناس ( التين السكر)... دفء الدموع لم يغيرالنداء:
_التين السكر...التين السكر...
محمد عبدالحميد العرضي
***************

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق