السبت، 27 فبراير 2021

قراءة معرفية لقصيدة الألم / الكــــاتب : عبد الحسين أبو وهيب - العراق***

 


قراءة معرفية لقصيدة ( الألم ) للشاعر العراقي (حميد الساعدي) تولد 1965 بغداد .

الكاتب // عبد الحسين أبو وهيب
تعتبر القصيدة من الشعر النثري المقطع ويمكن ان نقول ان هذه القصيدة تنتمي الى المدرسة الادبية الواقعية والتي تُنسَبُ للواقعِ المتواجد في الحقيقة والطبيعة، والإنسان، ويتفرّع إلى نوعين: أولّهما الواقع الحقيقي، وهو الواقع الذي إذا أردت وصفَه فسيخرج كصورة فوتوغرافية لما هو عليه، فيكون الوصفُ صادقاً، وموافقاً لما هو موجود، وثانيهما الواقع الفنيّ، ويُقصَد به الأدب وهو لا يخرج بشكل كامل عن الواقع الحقيقي، ولا يأخذه بكامله، بل يصفه بأسلوبٍ إبداعيٍ، من خلال الزيادة، والإنقاص، وإعادة التشكيل، بحيث يخرج كعمل يُحاكي الواقعَ الحقيقي، وضمن إطاره، أوانه مفهوم يقول إن اكثر الاشياء التي نلتمسها بحواسنا تمثل بدقة حقيقة الاشياء التي نحسها بينما بعضها الأخر لا يمثل بدقة اي من الاشياء في الحقيقة. بمعنى اخر، تدعوا النظرية أن واقعنا هو تصور عقلي بحت يحاول ان يفسر الحقيقة بناء على ما يدركه العقل ليحرك المشاعر نحو ايجاد حالة من التوازن من خلال الاستفراغ الحسي بفعل الواقع المأساوي التراكمي الضاغط .
لهذا نجد قصيدة ( الالم ) في المقطع الأول ومن خلال تكرار تلك الكلمة في المقاطع الأخرى تعطي انطباعا واضحا للواقع المرير الذي يتعايش معه الشاعر وهو وقع حقيقي تراكمي لم تفرضه الطبيعة بل فرضته طبيعة السياسة وحركة الحكام السلبية لكنه لا يصرح بذلك علانية بل كل الاشارات في قصيدته دالة على هذا الالم الذي صوره كبوابة كبيرة ثم يضيف لها وصفا اشد عنفا ( بحافة حادة ) ان وصفه للالم المقطع الاول يوحي بجلاء على محاولة من الشاعر للوصول الى اقصى وصف للحالة او ( الحياة ) التي شبهها بزقاق مظلم وكانما كل امل قد تهاوى في ذلك الزقاق والكل يتبعه بلا ارادة لانه لابد منه فهو المنفذ الوحيد للموت المتحقق او هو الموت الذي يرافقه الالم
الألم
-----------
****
الألمُ
بوّابةٌ كبيرة
بحافّةٍ حادّة
كجدارٍ يشيرُ
إلى زقاقٍ مظلم
فنتْبعهُ
هكذا هي الحياة
تغرز أنيابها فينا
بافتراسٍ مهادن.
هنا في هذا المقطع انهيار في الإرادة وتظليل للحقيقة رغم ان الحقيقة ساطعة كالشمس , لذا فان كلمة الالم هو إشارة إلى أشخاص لهم الدور الكبير في تغيير وتشويه الحقيقة وتجبرنا على رؤية الاشياء التي حددتها مصالحهم الانوية كما يريدون رغم إن هؤلاء لم تكن حقيقتهم ظاهرة علنا لكنهم بعد أن ظهرت حقيقتهم السلبية بكل تفاصيلها يحاولون بشتى الوسائل القمعية للذات الإنسانية ان يظهروا خلاف حقيقتهم الدنيئة فصار كالمرض المزمن (حين تجبرنا أن نرتدي نظاراتٍ طبية )
الألم
مسطرةٌ
بخطوطٍ خفيفة
توهمنا بالصّغر
لكنها تكبر كثيراً
تبدأ المساومة
حين تجبرنا
أن نرتدي نظاراتٍ طبية .
في المقطع التالي من القصيدة يحاول الشاعر ان يصف الالم بعمق المشاعر المكبوتة والتي تريد الخلاص من هذا الالم من خلال عبور تلك المعاناة لكنه عبور باتجاه الوحدة والضياع في دوائرها المفرغة من كل اشكال الاستمرارية بالعيش الرغيد والغارقة بكل مسميات الفراغ الوجداني الذي يمنح النفس حياة مطمئنة مشبعة بالحركة والانسانية لتختصر كل تلك المسميات الوجدانية والتي تنبعث من الحياة الكريمة بتعقيدات متداخلة في بعضها فتتلاشى الاحلام الجميلة في تلك التعقيدات فلا وجدان ولا جنائن بل هي مجرد اوهام مؤلمة مخيبة لكل نسمة امل لتعود ألما !
الألمُ
عبور الضّفاف
إلى الوحدة الغارقة
بمُسميّات الفراغ
توجز الأسماء
بتداخل البصيرة
وجنائن الفقدان.
هنا في هذا المقطع يكثف الشاعر المعنى اللغوي للألم من خلال الرؤيا الذهنية والتضاد بين النور والعتمة والارتقاء او العلو وتارة الانخفاض في فهم التنافر المجتمع في ان واحد اللذان يسببان الالم ليشكلان حيرة في تمييز الظلال من العتمة التي تختبئ خلف الحجب تترقب ما يسفر عن هذا الاختلاط في الرؤى الذهنية من خلال فعل وتأثير هذا التداخل خلف الأبواب وما خلف الأبواب من عتمة وهذا بدوره يستنفر الحواس ليأخذنا الى عنوان القصيدة .
الألمُ
بعض ما يَسكنُ الرؤيا
بانزلاق الوديان
وحيرة السّهول
لكناية الظلال
والعتمة التي تختبئ
ببابٍ موارب.
***
هنا في المقطع الأخير يصل الألم إلى حد فقدان الإحساس بكل شيء فتصير الخيبة ملازمة له حتى صارت متلازمة او ضرورة تعود عليها بسبب القسرية في إلزامه بها رغما عنه , كذلك تضوع ندم التمنع على البقاء في تلك الطرق والأمكنة التي كانت له غاية وطموح فيها في ان ينطلق لحن جديد من وتر هو في ذهنه الذي سينهي معاناته من الألم فيعود من جديد متالقا وقد حقق طموحه وكانها مغامرة الولوج من ذلك الباب الكبير ذو الحافة الحادة ليمسك بهذا الوتر ويطلق منه لحن التطهر والانفلات من تلك الفوضى العبثية في عالم الجمال والألحان ويطفئ بهذا الوتر ولحنه كل الادعاءات والأصوات النشاز التي تشبه الغليان من افواه المتنمرين الفوضويين حيث وصفها الشاعر ب ( فورات الادعاء ) .
الألمُ
يعاقر أقراص الخيبة
وندم العصيان
في الطرق المحبوسة الأنفاس
غايته الوتر الذي ينطلق
بلحن التَّطهر
من فوضى التنمّر
وفورات الادعاء

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق