مقطع من الرواية التي بدأت كتابتها قبل عام، ثم تركتها، للآن لم أضع لها عنوانًا
كعادتها، تجهّز أم حكيم طعام الإفطار حالما تتسلّل الحزمة الضوئية الخجولة من خلال الكوّة الصغيرة القريبة من سقف القاعة المرتفع، وجدت نفسي منفتحة لأشاركها الطعام هذا الصباح، إنه السبت، زغاريد تكاد تنطلق من صدري، وعلى غير ما اعتادت أم حكيم، رأتني مبتسمة ومقبلة بشهيّة لم تلمسها مني سابقًا على تناول قطعة الخبز والجبن، ارتشفت الشاي بتلذّذ وأنا أنظر إليها شاكرة.
ما شاء الله، وجهك متورّد اليوم… قالت مبتسمة -
وشرقتُ بجرعة الشاي، حاولت دون جدوى أن أقاوم نوبة السعال التي اجتاحتني، ناولتني أم حكيم قدح الماء…
تسلمين أيتها الطيّبة… قلت بعد أن ارتحت واسترجعت أنفاسي -
أدعو الله أن تعودي إلى بلدك وعائلتك بأسرع وقت يا أم حكيم.-
لاحظت غمامة حزن تكتسي وجهها الذي بدأت أألفه، بل وأحبه، ولكنني لم أشأ أن أستفسر منها عن سبب احتجازها هنا في هذه القاعة الرهيبة، لم أكن أريد أن يعكّر فرحتي أيّ شيء، هل كنت أنانيّة؟… ربما…
أخذ الوقت يمرّ بطيئًا، ثقيلًا، وكأنه عربة قديمة يجرّها حمار أعرج، تحرّكت نحو الباب علّني أسمع أحدهم يفتحه ويناديني، جلست بجوار أم حسن التي ما زالت متشرنقةً بعباءتها، فهي أقرب واحدةً منّا إلى الباب، حاولت ان أجد كلمات تخفّف عنها حزنها، كلمات جوفاء قلتها، ووجدتني أنا من أحتاج إلى كلمة تطمئنني، دعوتها أن تتناول الفطور معنا، مجرّد كلمات قلتها كي أحفّزها ان تقول شيئًا، ولكنها همهمت بصوت لا يكاد يسمع
لا يا ابنتي، أكلت ما قسمه الله…-
وضعت رأسي على كتفها وبكيت، بكلّ حرقةٍ بكيت… هل بكيت حزنها وضعفها، أم بكيت نفسي وخيبتي وأنا ما زلت أنتظر الباب يُفتح وأحدهم يناديني كي أخرج من هذا الجحيم. احتضنتني أم حسن بذراعيها الواهنتين ، أحسست دموعها تنهمر على صدري.
مرّ السبت مثقلًا بدموع خيبتي التي ازدادت قتامةً، تبعه الأحد، صباح الإثنين دوّى صرير الباب الثقيل، سمعت، وكأنني في حلم، من ينادي بإسمي، هرعت حافية…
تعالي هنا…-
جافّا، غليظًا كان صوت الحارسة…خرجت، كاد قلبي يخرج من بين أضلعي، إبنتي تقف في الطرف الآخر، تحمل صرّة فيها بعض الملابس، ومعها شاب من أقاربنا يحمل علبةً كارتونية
جئنا لك بالكباب الذي تحبّينه…-
قال ضاحكًا بارتباك.
لم تمهلني الحارسة كي أستفسر من ابنتي عن وضعهم، كل ما استطعت قوله
هات لي حذاء، فقد سُرق حذائي.-
انتهت المقابلة القصيرة، وعدت إلى زاويتي، انهارت مقاومتي وأخذت أنشج بصوت مرتفع، أم حكيم تحتضنني وتحاول تهدئتي
الآن فهمت يا أم حكيم نظرتك التائهة وابتسامتك الباكية حين قلت لك سأخرج يوم السبت وأعود إلى بيتي -.
واللهِ أقسم، لم أكن أريد أن أصدمك بالحقيقة.-
فهمت الحقيقة الآن… من يدخل هذا العالم المظلم؛ فلن يخرج منه، يصبح نسيًا منسيّا…-

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق