الخميس، 12 نوفمبر 2020

رواية الربيع يأتي متأخراً/ الأديب: منذر فالح الغزالي- سوريا/ ألمانيا*****


 

مقطع من روايتي الربيع يأتي متأخراً:

منشورات
دار المختار للنشر والتوزيع
، القاهرة 2018.
"الليل، والقمر، وموسيقاكِ التي تسيل مع نسغ الخلايا.
تخترق ذكراك رأسي مثلما الموسيقى، عذبةٌ، عذبة... مفرحةٌ إلى حدِّ البكاء.
أيُّ حزنٍ ينتابني هذه الليلة! أيُّ خوفٍ، مبهمٍ عميق، يسيطرُ على كياني!
جنان!
أيتها الغافية بعيداً عند حدود البال والذكرى! أيَّةُ أقانيمَ من حبٍّ وشوقٍ وفرحٍ تدفعني إليكِ!... وحدَكِ الباقيةُ مثل النَّحتِ على هامش أسطورةٍ لم تكنْ، شاهدةً على عصورٍ سلفَتْ لم يعشْها البشر يوماً، آيةُ تكوينٍ جديدة أُفلِتتْ من يدِ الإله.
جنان!
كلَّ عمري الذي مضى، كان مهرجاناً من حزنٍ، وخيباتٍ، وضياعٍ في انتظارك، وها أنتِ أتيتِ: خريفُ العمر تفتَّحَ ربيعاً أخضرَ، تفتَّح زهوراً وطيوراً، وحبَّاً جديداً، فهل أدعكِ تذهبين؟
هل ترانا سنعود من جديد؟ أم ترانا نعيش - كلانا - خارج حدود إرادتنا؟ خارج حدود الوعي؟ حدود الحياة؟
جنان!
تمجّد اسمكِ في ملكوت القلب، تربّع على عرش كلِّ نساء الكون. عشرون سنةً مضتْ، عشرون حزناً، وعشرون خيبة... عشرين عمراً عشت بعدك، وحين رأيتك اليوم، أحسستُ أني لم أفارقك لحظة.
تعالي نمضي ما تبقَّى من العمر جرياً خلف سراب السعادة؛ فالسعادة الحقيقيّة تكمن في مسيرة البحث عنها.
جنان!
لا مفرَّ منكِ، في البعد أو حين تكونين معي، لا مفرَّ منكِ... لا مفرّ من حبّك أيتها المستحيلةُ كالأمنيات البسيطة، أيتها البعيدةُ القريبةُ أبداً.
في قربِك تبتعدين، وفي بُعدك لم تفارقيني... كأنّكِ أميرةُ حلمي، لا أراك إلا حين أنظر داخلي!
لأنكِ وُلِدتِ من أعماقي، ستظلين في الأعماق... وأيّ شيءٍ يمكن أن يفصل بيننا؟!... لا الزمنُ، لا الطريقُ، لا الموتُ، ولا نفخةُ إسرافيلَ الأخيرة.
أيُّ شوقٍ هذا! إنَّه الموت... لا، إنَّه الحياة... جذوةُ الروحِ بعد أن خشيتُ من الانطفاء.
جنان!
يرتسم العمرُ في دفتري شلّالاً أسودَ من خرابٍ وغبارٍ وهواءٍ فاسد... ترتسمين داخلي بسمةً، وطفولةً، وياسميناً معرّشاً، ضحكةً ترنُّ في صيفٍ بلا مواسم... عشرين سنةً، وشمسك تأبى أن تغيب.
السعادة والحزن، الأمل واليأس، الأمان والخوف... كلّ المشاعر تنهمر على قلبي، قلبي لا يكاد يحتمل، ينتفض مثل عصفورٍ صغير، أكاد أن أبكي... زمنٌ طويلٌ مضى، لم ينهمرْ فيه مطرُ العينين.
أنوارُ القرية تضيءُ خلف الستارة الرجراجة، والموسيقى القديمةُ تنسكبُ حولي؛ كلّ كلمةٍ قلتِها ذات مساء، كلّ ضحكةٍ ضحكتِها ذات طفولة، كلُّ شيءٍ ما زال معي، كلُّ شيء... عشرون سنةً أيّها الزمن الذي لا يرحم! عشرون سنةً، والريح تملأ قبضتي؟!
جنان!
مدينة طمأنينةٍ وسلام.
جنـاان!
أيّةُ عوالمَ أنجبتك؟! أيّةُ آلهةٍ خلقتْكِ؟! أيّةُ أساطيرَ جعلتني ألتقي بك؟!
جنــاااان!
ليتني لم أعرفكِ يوماً، ولم ألتقِ بكِ اليوم".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق