الثلاثاء، 24 نوفمبر 2020

تلاشي الملامح/ الأديبة : أ. آية هاني بهية- العراق***


 

تلاشي الملامح

بقلم آيه هاني بهيه.. من العراق
سأله رفيقُهُ، كان أحد الجالسين في مقهى الطيِّبين، وهو يقبضُ على السيجارة بإصبعين متفحِّمين
من دقّ الحديد، بصوتٍ أتلفَ الدخانُ جميع أوتارهِ، ملابسُهُ مُجعَّدة، عيناه محمرَّتان:
- لقد غارت ملامحُكَ يا صديقي، ماذا بك؟ لماذا ذبلت تلك الملامحُ البريئة، ففقدت نضارتها؟
أجابهُ والعبرةُ قد هدَّت أظلعَ صدرهِ:
- عشرون عاماً، يا رفيقي، ذهبتْ في صِبا مجنون، ومراهقةٍ هوجاءَ، وعشرٌ بعدها كنتُ أحارب من أجلِ عشقٍ مهووس ما كان سهل المنال، فقدتُ الكثير للحصول عليهِ.
- وماذا بعد، يا رفيقي، أطربني، أنا أسمعُك.
- وخمسةَ عشرَ عاماً فرحٌ بالأطفال، وتعبٌ وسهر، بذلتُ قصارى جهدي لأجل أن تكون حبيبتي
الأسعد، والأجمل بين كلّ النساء، وأطفالي الأهنأ بين الأطفال، صراع مع جوعٍ، وحروبٍ
تعدَّدت، التهمت مني الكثير والكثير من الملامح، أولادي- بتنهّدٍ وأنين- أولادي، يارفيقي،
فقدتهم أمام ناظري، في سبيل وطنٍ جميل، عُدَوانٌ آثم أفرزه تفكيرٌ مُتخلف، جاهلٌ بتعاليم الإسلام، وما قصمَ ظهري، يا رفيقي، سوى رحيلِ رفيقة الدرب، لم يبقَ شيء سوى ذكرياتٍ أُلملمُ بها أشلائي الممزقة، وآخرها وباءٌ، يا صديقي؛ ليُنهي رحلة الحب والعذاب، بحلوها ومرِّها.
فجأةً لامست السيجارة طرفي إصبعيه وأحرقتهما، في الوقت الذي وقعت وتلاشت فيهِ الأشياء الأخيرة، ومع ألحان طالب القره غولي:
(عُمر ووتعدَّهَ الثلاثين... لا يفلان)
روحي ولا تگللها شبيج... وأنتَ الماي)
(مگطوعه مثل خيط السمج... روحي)
(حلاوة ليل محروگه حرك... روحي)...
لوحتي التعبيرية
أكرليك على الحصى
بعنوان (تلاشي الملامح)



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق