كنتُ أهدهدُ ألمي واليقينُ يلازمني بأنَّ الفرحَ والسعادة أمران نسبيان ..
كانت أقدامهم تأتي وتذهب وأنا أراها من تحت باب غرفتي المُنتَظُرُ ..تطاوَلَت أطيافُهم على انعكاسِ "اللد" في غياب الكهرباء الكامل ..
كثيرة هي مشاغلهم بحجم ذكرياتي عنهم ولهم ..كنتُ أفرحُ للباقتهم وهم يشاركون الناسَ أفراحهم ومناسباتهم على الصفحات
وتبسمتُ يومَ مسح واحداً منهم تعليقي على صفحته وأنا اعتز به كردَّةِ فعلٍ نزقةٍ فرسَمَت فعلته ورقةَ خريفٍ مازالت تلوح على بوابة الروح ..!
كبروا جميعاً ..كما كبرنا ولم يبقََ لديهم وقتاً ليفتحوا الباب ..علي وقفوا خارجاً وهم يتنصتوا بخجل :
..( إنه نائم) ..
كانوا يتبادلون النكات والضحكات ويتوددون إليها
وهي تبادلهم الملاحظات والأخبار وتشاركهم أخبار الآخرين ..في الغرفة الملاصقه تماماً..لغرفتي .
يصمتُ صَمتي قليلاً ولايصمتُ هاتفهم ..تُتابعُ ويُتابعون أخبارَ الآخرين ونشاطاتهم ..همومهم وقضاياهم ..وأبقى وحدي قضيتهم الخاسرة ..تتوالى الأقدام والخيالات ..يضيق نفسي ..أترنحُ ..أرجعُ إلى سريري وأسندُ ظهري ..التقطُ نَفَسي ..حتى هذه الكُحةُ الملعونةُ تأبى الانصراف وكأنها أدمنت معي تداخل الليل في النهار ..يدخل الفجر ..الكُل نائمٌ إلاّ قلبي وروحي وكُحتي ورجائي بأن تكون السعادة في مكان آخر ..
يتهيأون لأمورهم اليوميه يذهبون ويأتون و ضَوءُ غرفتي يُوحي بأن النوم لم يزرها البته
يتبادلون التنبيهات :
لاتنسي الصمونه ، الكمامه ، المقلمه ، وأنت تحب اللبنه صمونتك على الطاولة والمفاتيح فوق كتابك ..لاتنسى المفاتيح ..
يتذكرون ويذكرون كل الأشياء التي قد تنسى ، وأبقى في غرفتي وأصواتهم تخبو شيئا فشيئاً ، أستند على طرف فراشي ..تداهمني موجة السعال المسعورة ، ماعاد في الممر أرجل ولاخيالات ..أُحضر زجاجةَ الماء البائسة إلى جانبي وأرجعُ لمَ كنتُ عليه ..
أسمعُ تمتماتها :
بعد أن ذهبوا ..سأُخرج من الثلاجه مايكفي لوجبة الغداء ..قبل أن أذهب للاطمئان على والدتي المريضه ..وأطمئن على صديقتي في العمل سمعت أنها تعاني من كحة شديده ..تصفق الباب وتمضي ..
تؤلمني مفاصلي وتنتابني قشعريرة ..اغمض عيناي لوهلة فأجدني مُسجى على طاولتي ..ولاأعرف لمَ الجميع في هرج ومرج وازدحام ..
ذات الغرفه الفارغة إلا مني ليلة أمس هاهيَ تزدحم وهم يتسابقون لنظرة الوداع علي ..ستكون جنازتي مهيبه بهذا الكم الكبير من السيارات والأصدقاء والأحبة ..
اتذكر الخيالات والأقدام فأعرف الشامت برحيلي والمتربص والمغتبط والحسود والحاقد ..وهم يتبادلون أطراف الأحاديث ويكيلون اللوم لي وعلى اسلوبي وجديتي المفرطه!!
يكثرون ويكثرون ، يستغرب قلبي وعمري هذا الحضور المهيب ، تتقاطر الوفود ويبكيني ماهب ودَب وهُم يتناول الوجبة الدسمه عن روحي
يتسابق البعض لاختيار أجمل صوري ويوشحوها بخيط أسود ، وتشارك الناس منشوراتها المصدومه عن رحيلي ..
جميل مشهد الموت ومؤثر ..
ويرجعوا إلى حياتهم ومشاغلهم وأقدامهم المرئيةتروح وتجيء من تحت شق بابي
تعاودني الكحة في منامي وهل الأموات يسعلون أيضاً ..!
لاأستطيع رفع يدي لأتلمس جبيني ..فالقماش الأبيض الذي يلفني يمنعني ..يرتفع العويل لحجم الفاجعة فتصبح الغرفة فارغه كما كانت بالأمس حتى مني وسيذكروا صمونات الزعتر
وهم يمضون ..
ويقفوا خلف بابي وهم يتنصتوا :
بالأمس كان نائماً هنا ..!
قاسية نوبةُ السعال المسعورة ، سيعيدون ترتيب الأماكن ويتناقشون مع القاصي والداني ..وصورتي المعلقه بوشاحها الأسود لاتكف عن السعال ..
قلب ٌواحدٌ سيقف على شاهدتي ويشاركني ضمة النرجس على قبري ..وسيبكيني بصمت ويبوح بحزنه العميق ويمضي ..جميل منظرُ قبري
وعليه أكداس الأطواق من الياسمين والورد وآيات من القرآن و عبارة ترتسم على أحد أطرافه ( هنا يرقد شاعر أحب الحياة ومايزال في انتظار السعادة المفقودة )..وعلى الطرف الآخر ربطه حمراء كثيراً ماأحببتها
نعم،
ماعادت مناظر الأقدام والأصوات تمر أو تجول ..إلاّ من تغريد أطيار جعلت من قبري دياراً وفناراً ..
و ماعادت تزورني كُحتي" الملعونه"!!
رماح هرموش
من مجموعتي القصصيه قيد الطباعة :
(لحظة صعود)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق