الخميس، 4 فبراير 2021

وديعـــة(قصة فصيرة)/ الأديبة: د. عبير خالد يحيى - سوريا****



 وديعة

قصة قصيرة بقلم د. عبير خالد يحيي
لا أصدّق أن ما تمنيته قبل عشرين عامًا سيتحقق خلال ساعات قليلة قادمة!
أنظر إليها غافية على السرير الأبيض المجاور لسريري, حامل معدني يتدلّى من أعلاه كيس المحلول الملحي الطبي, يقطع خطّ نظري المتجه إلى ملامح وجهها الغائبة وراء صفرة أطفأت خمرة سماره, وقد تبعثرت عليه خصلات من ليل شعرها الطويل, تغفو العيون فتلتقي الجفون ناصبة على حدود اللقاء سيوفًا طويلة مكحّلة منتظمة مرابطة تحمي حصون حورائي ...! ملاكي التي رماها الله في حضني القفر فأزهر فيه ربيع فاحت رياحينه حتى خلتُ أن الجنّة سقطت فيه!.
لا أنسى ذلك اليوم أبدًا, قبل عقدين من الزمن, حملتُها بين يدي قطعة لحم ساخنة خرجت من رحم وسعها مع أخرى, شقيقتها التوأم, زينة الحياة الدنيا اللتان رزقهما الله لأخي وزوجته, وكان لي في هذا الرزق حصة..! جنى, اسميتها ( جنى), وأسموا أختها ( منى), لم تكن الطفلتان متشابهتين, جنى سمراء مثلي, كانوا يتندّرون ويغمزون لي بعيونهم وهم يقولون:" خذوا البنات من صدور العمّات" , بينما منى بيضاء البشرة, شقراء بعيون ملوّنة, تشبه أمها كثيرًا...
لاحظ أخي وزوجته تعلقي ب( جنى) منذ الصرخة الأولى التي استقبلت فيها الحياة, كانت فرحتي أوسع من أن تحضنها الدنيا عندما طلبا مني أن أنتقل للعيش في شقتهما لأبقى بجوار أميرتي الصغيرة, كنت قد تجاوزت سن الأربعين, ولم يقسم لي القدر نصيبًا في زواج, وكان رحمي يتوق لساكن, والأمل قد بدأ يخبو, لكن عطيّة الله كانت جاهزة, وافقت على عرض أخي وزوجته على الفور, أعرف أن زوجة أخي لن تتمكن من العناية بالطفلتين بمفردها, وهناك سحر عجيب عُقد بيني وبين تلك الصغيرة .. جنى, لم أستطع -ولم أرد- أن أقاومه!...
رأيت شبه فتور من زوجة أخي اتجاه جنى, كانت - من غير وعي منها أو بوعي لا أدري- تعتني ب( منى ) أكثر, تلقمها صدرها مرّات عديدة في اليوم, بينما لا تفعل ذات الشيء مع جنى, وعندما لفتُّ نظرها إلى الموضوع برّرت تصرّفها بأن جنى لا تُقبِل على الرضاعة مثل أختها! قالت : "أشعر أن جنى لا تستسيغ حليب صدري, وتقيء كل ما ترضع! ".
عند هذا الحد انتابني خوف أن تكون الحقيقة عكس ما صرّحت به زوجة أخي, وأن تكون هي التي لا تألُ جهدًا أوصبرًا على إرضاعها! . خشيت أن تصاب الطفلة بسوء التغذية, فاقترحت استشارة طبيب الأطفال, أدخل الطبيب وجبات حليب صناعي, وأوصى بالاكتفاء بالرضاعة الطبيعية مرتين في اليوم...
كنت أذوب خلال تلك اللحظات التي أضع فيها (جنى) في حضني, أقرّب زجاجة الحليب من صدري وأضع حلمتها البلاستيكية في فمها الصغير فتتلقّفها بلهفة! كانت حلمة صدري تنعظ وكأنها في فم الرضيعة, إحساس لا يمكن بحال من الأحوال أن أصف قدسيّته! كل ما أستطيع فعله هو وصف نهايته, عرق غزير يُغرق وجهي ووجه الطفلة...! إلى أن حدث مرّة أمرٌ عجبتُ منه! تبلّل ثوبي عند حلمتي! هرولت باتجاه الحمّام, وحالما حسرتُ الثوب عن صدري رأيت سائلًا أبيض يتدفّق منه! يومها تمنّيتُ أن أرضع جنى ذلك السائل, ولكني لم أفعل ...! خفت...! خشيت أن يكون ذلك السائل مؤذيًا لصحّتها...! وتملّكتني رغبة شديدة في أن أضع في جوفها شيئًا منّي...!
ترعرعت الأختان في ذات البيت, لكن لم يكن بينهما ما يُفترض أن يكون بين التوأم, طباع واهتمامات مختلفة تمامًا, ولا أنكر أنني أفرطت في تدليل ( جنى) عندما وجدت أن زوجة أخي تدلّل ( منى) أكثر...!
كان هناك فجوة- وإن كانت صغيرة- بين زوجة أخي و( جنى), حاولت أن أسدّها بالمبالغة بتدليل جنى حتى لا تتساءل عن انحياز أمها إلى منى, وأقنعتها أنها حصّتي, وأني مخزن الدلال الخاص بها...! وكانت تناديني ( ماما).
كانت في العاشرة من عمرها يوم اصطحبتها إلى السوق لشراء ملابس العيد, فجأة شدّتني من ذراعي وصرخت مشيرة إلى فتاة ترافق سيدة تبدو أمها, بهتُّ لحظة رأيتها! تشبه ( منى) حدّ التطابق, حاولنا اللحاق بها, لكنها اختفت وسط أرتال الناس التي كانت تعجّ بها طرقات السوق الضيقة.
بعد سنتين تقريبًا, تكرّر نفس المشهد, لكن مع زوجة أخي ومنى, لكنهما تمكّنتا من تتبّع السيدة والفتاة إلى مسكنهما, لتقوم بعدها قائمة أخي ووزجته ولا تقعد! بهتت السيدة بالشبه الكبير بين ابنتها ومنى, واتضح لاحقًا أنها ولدت في ذات المشفى, وفي ذات اليوم بل وذات اللحظة! وبمراجعة بيانات المشفى وأرشيفها تبيّن صدق ذلك! وكان الاكتشاف الخطير, الممرضة التي خرجت من الباب الرئيسي لجناح الولادة, والذي يحوي العديد من غرف عمليات الولادة, أخطأت وسلّمتني (جنى) بدل ( مريم)- كان اسم الفتاة مريم- حملتُ الطفلة وسارعت مع الممرضة لتنظيفها وإلباسها, بينما انشغل الباقون بانتظار ولادة الطفلة الثانية ( منى) !
السعادة التي غمرت قلب أخي وزوجته ومنى ومريم بانكشاف تلك الحقيقة, قابلها غمّ وهلع كبير احتلّ قلبي وقلب جنى وقلب السيدة- أم جنى الحقيقية- الإصلاح المفترض أو الحتمي لذلك الخطأ كان له وقع كارثي علينا جميعًا! أموت إن انتزعوا جنى من حياتي! وتجنّ جنى إن حدث ذلك, والسيدة-أم مريم- امرأة مريضة, زادها وقع الحقيقة مرضًا, تمسك بمريم وتشدّها إلى صدرها شدًّا, وكأنها تريد إدخالها إلى جوفها, مريم – رغم فرحها بلقيا توأمها وأمها الحقيقية ووالدها- إلا أنها لا تطيق ترك أمها التي ربّتها يتيمة, غيّب الموت والدها وهي في عامها الثاني, أخي وزوجته أيضًا متمسّكان ب (جنى), وبذات الوقت لا يستوعبان فكرة أن تبقى مريم بعيدة عنهما بعد أن أكرمهما القدر بالعثور عليها صدفة! أقسمت زوجة أخي أنها ستعلن إضرابًا عن الطعام إن هي فقدت مريم مجدّدًا....!
تمّ عرض الموضوع كقضية للتداول والحل في إحدى القنوات الفضائية في واحد من البرامج التي تهتم بقضايا لمّ الشمل, وكانت النتيجة أن تبرع فاعل خير باستئجار شقتين متقابلتين بإيجار طويل الأمد تقيم فيهما الأسرتان, بحيث تبقى الفتيات الثلاث على تواصل مع بعضهن ومع أمّاتهن.
لم يتغيّر الوضع على جنى, فقط كانت تنظر بعتب بسيط إلى تشابك الأختين التوأم مع بعضهما, بعيدًا عنها, فكنت أغرقها بالحب والدلال لأعوّضها عن أي نقص, أو لأستدرك تشكّل أي هوّة يمكن أن ترسب في داخلها أو تتشكّل بينها وبين التوأم, ولم أنجح بكسر الحواجز بينها وبين أمها الحقيقية, لكني رسّخت فيها احترامها وحبّها, فباتت تتعامل معها كما تتعامل مع زوجة أخي, احترام ومحبة ومجاملة لا تغوص عميقًا.
طرقٌ خفيفٌ على باب الغرفة - مقرّ إقامتنا أنا وجنى- منذ حوالي أسبوعين, في ذلك المشفى المتخصّص, ودخول للطاقم الطبي, أيقظ سبات مدلّلتي, فصرختْ بهلع:
- الآن ماما ؟
أرسلتُ لها قبلتي عبرَ الأثير لتهدأ, وانطلق صوت ذلك الطبيب يتندّر, محاولًا أن يبثّ السلام في روحها الهلعة:
- تطابق ممتاز بين كليتي الأم والابنة! عليكِ أن تديني لأمكِ بالباقي من حياتك يا جنى.
يغمز لي بعينه, يبتسم.. ينحني على أذني هامسًا بنبرته المازحة:
- لك الفرصة للتكفير عن ذنبك, بعد ساعات قليلة تدفعين ضريبة التشوهات الجنينية التي أورثتها لجنى, واحدة من كليَتَيك ستكون الغرامة والعوض عن ضمور كليتي جنى, أظن أنها تعويض عادل, واحدة مقابل اثنتين.
من وراء حجب المزن التي تجمّعت في عيوني, تنفرج ابتسامتي! وبخبث كبير أقول:
- نعم, هو استحقاق عادل, واجبي كأم أن أكفّر عمّا اقترفه رحمي عندما قصّر في استضافة زينة عمري.
وخاطري يزلزل دواخلي بصيحات الانتصار:
- خدعتكم جميعًا, نجحت في إيهامكم بأن جنى هي ابنة رحمي.
وتحقّقت أمنيتي.. وأودعتُ في جنى شيئًا منّي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق