الأربعاء، 26 مايو 2021

بلبل يغرّدُ على الأطلال/ الأديب: عبد الرحمن بن الياس - العراق***



 بلبل يغرّد على الأطلال

على مدى سنواتٍ اعتدتُ سماع الصراخ والصياح، بل وربما الشتائم دون مبالاةٍ؛ فمهمتي هي التنظيف فقط، والمكان مليء بالمجانين وأشباههم، فصارتْ الصرخات كصوت حفيف الريح لا تعني لي شيئًا.
دخل مستشفى الأمراض العقلية في بغداد كثيرون جدًا وبعضهم خرج منه وبعضهم حُول إلى ردهاتٍ خاصةٍ لسوء حالته.. لم يؤثر أحدٌ فيَّ أو يجعلني في حالة اندهاشٍ وتساؤلٍ إلا مريضًا واحدًا.
كان شابًا وسيمًا عليه هيبة ملكٍ ورقة وردةٍ، ابتسامته بريئةٌ كقلب طفلٍ و عيناه غريبتان لا تكاد تميز لونهما لكنَّهما جميلتان بشكلٍ رائعٍ، كان مختلفًا عمن في الردهة بل عن كلٍ من رأيتهم في المستشفى فكلهم حين ينتهي مفعول العلاجات المهدئة، أو حين تتأزم حالتهم يصرخون بكلماتٍ غير مفهومةٍ، أو يشتمون من حولهم، أما هو فكان يردد أبيات شعرٍ محددةٍ، أو خطاباتٍ لم أسمع ببلاغتِها من قبل أبدًا، خطاباتٍ عن تأسيس وطن حرٍّ لا يخضع لأحدٍ ولا يظلم أحدًا، أو عن تحرير أناسٍ يطالبون بحياةٍ كريمةٍ كان يسميهم بأسمائهم، وكثير من الأمور التي لا يقولها إلا الأحرار الذين لا يخشون في قول الحقّ لومة لائم.
أحببته رغم أنّه لا يكلم أحدًا، ولكن ما يقوله عقله الباطن حين يغيب عن الوعي أعجبني، وأحسست أنْ وراء جنونه أمرٌ ما.
أصبحت أكثر التنظيف في الممر المجاور لردهته، وأصيخ السمع لما يقول.. مرةً سمعته يردد شطر بيتٍ لعبدالرزاق عبد الواحد يقول: "يا سيدي يا كبير الجرح يا وطني" ردده كثيرًا ثمّ قال أخر مرة بعد الشطر: ليتني أخيّط جرحك بشراييني، ليني أنحر لتعيش أنت.. ولكن الإبرة المهدئة جعلتْ صوته يتلاشى بين صرخات المجانين إلى مقبرة الكلمات.
ذات ليلةٍ انتهى عملي بعد منتصف الليل وكان المكان غارقًا في هدوء لا يقطع رتابته سوى بعض الصرخات المتقطعة لمرضى سرعان ما يسكتها المهدئ.. تذكرته فجأةً فذهبتُ إليه.. وصلته وكان يتكلم بهدوءٍ كأنّه يحلم، نظرتُ إلى أضبارته وتأكدتُ أنّه في حلمٍ فقبل نصف ساعةٍ أُعطي إبرةً لا يزول مفعولها قبل ستِّ ساعاتٍ، جلستُ بجانبه كان يتكلم كأنّه يحدث أحدًا قال: في مكتبتي في صفحاتِ كتابٍ ما ستجد السرّ مكتوبًا بخطّي..
بقيتُ لأيامٍ في تساؤلٍ وحيرةٍ من أمري، ما السرّ ياترى؟ أدركتْ أنّه متعلقٌ بشيء يخصّ الوطن ففررتُ أنْ أبحث عنه.
بعد أسبوعٍ من الجهد والبحث خلسةً في كلّ ورقةٍ تخصّه في المستشفى عثرتُ على عنوان منزله وطلبتُ إجازة من العمل وتوجهت..
كان منزله في حيٍّ متواضعٍ من أحياء الكرخ أرشدني طفلٌ إليه فطرقت الباب، بعد دقائق خرجتْ امرأة في يبدو أنّها ولدت في ستينيات القرن الماضي هي أمّه لاشك..
ـ مرحبًا ياخالة.
ـ أهلا يا بني، تفضل.
ـ أهذا بيت السيد عمر الموسويّ؟
ـ نعم.
ـ أنا الممرض الذي أتابع حالته في المستشفى، وأريد الدخول إلى غرفته علّي أهتدي لشيء فيها يرشدني لعلاجٍ لحالته، اضطررت للكذب، لكي أدخل الغرفة دون شكٍ من العجوز..
أدخلتني الغرفة، وذهبتْ تعدّ لي الشاي، أمعنتُ النظر في مكتبته كانت كبيرةً نوعًا ما، ومليئة بشتى أنواع الكتب، عربية وأجنبية، وفي مواضيع شتى.. بدأتُ أقلب كتابًا تلو الآخر دون أنْ أجد أيّ شيء، أمضيتُ ثلاث ساعاتٍ في التقليب والبحث بلا جدوى فقررتُ حين ارتمتْ الشمس في حضن الليل أنْ أغادر وأعود في يومٍ آخر، قبل أنْ أخرج رأيتُ على الطاولة كتابًا ففتحته وبدأتُ اتصفحهُ، في منتصفه وجدتُ كتابةً على الهامش بتأريخ 2008/3/18 أي قبل أيام من دخوله المستشفى.
أدركتُ مما كُتب أمره وأنّ جنونه لم يكُ عارضًا، فقد كتب: أعلم أنْ مصيري بعد هذه اللحظة مجهول وأظن أنّه الموت، لكنّ الوطن يستحق..
عبدالرحمن بن الياس /العراق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق