الأحد، 16 يوليو 2023

الكتابة فوق جلد يحترق / الناقدة :سامية البحري***

 الكتابة فوق جلد يحترق

الناقدة :سامية البحري

رسائل إلى الأجيال القادمة
شتان بين روح جبران وقوة إدراكه الجمالي ونبله وكبريائه وهو الذي ترعرع هناك في بيئة أخرى غير بيئته وكرع منهم
وخبر رؤاهم وغاص في جذوره وعرف أصله وجوهر وجوده وبين فضاضة الماغوط وانسلاخه وتقزيمه لنفسه واقتلاعه من جذوره وقصر رؤيته وماديته المقيتة واحتقاره لنفسه وهويته ..
كم أنت عظيم يا جبران !!
بكل حرف تركته إرثا نقيا لهذه البشرية
وكم أنت مسكين أيها الماغوط !!
أسأت التقدير واعطيت رسائل سلبية لشباب ضائع
كتبت ما كتبت لأنك جائع ..والجوع كافر
اي ..نعم ..
لكن_ أيها المنبت _ تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها
الوطن أيها الماغوط
لا يباع برغيف خبز تحت رحمة سيدك
فرق كبير كبير بين الوطن وبين القائمين على الوطن
لذلك أنت لم ترتق في خطابك إلى الكبرياء والشموخ
ينقصك الكثير من الوعي والدرس والبحث والتنقيب
راجع دروسك حول أمتك قبل أن تنشر تلك الكلمات السكيرة في الجماجم الفارغة
لقد كتبت ما كتبت لأن هذا الخطاب التقزيمي الذي سعى إلى بثه الماغوط بنقمة وغل لا يوصف أصبح هو القدوة لكثير من المنسلخين والخونة والعملاء
كم من ماغوط اليوم يصول ويجول في هذا الفضاء الخبيث ينادي بهدم الهوية والحضارة والانتماء وبيع الوطن !!
هل الفقر والخصاصة دافع لكل هذا الكفر بجذورك؟
هل يمكن أن تبيع والديك لأنك جئت في بيئة فقيرة ؟
هل يمكن أن تغير دماءك وتسلخ جلدك وتقتلع وجهك ؟
مهما انسلخت فستنبت أنت من جديد ..
أيها المثقف العربي
إن الكتابة مسؤولية كبرى
وكل ما تكتبه سيحدث عنك يوما
أنت راحل ..بلا عودة ..وكلماتك ستشهد عليك
فكر ألف مرة قبل أن تفتح فمك
ففي اللحظة التي تفتح فيها فمك ستخبر كل العالم من أنت. ..
1_رسالة جبران خليل جبران : الكبرياء والبيان
في رسالة مفقودة عثر عليها وانفردت بنشرها مجلة عربية قديمة ، كانت جوابا عن سؤال وجه إليه ملخصه :
" من أنتم ..؟ "
فكتب جبران خليل جبران يقول :
" نحن أمة تحتضر ولا تموت ، قد أحتضرت الف مرة ومرة ولم تمت ، وستحتضر الف مرة ومرة وتظل حية ،
نحن شعوب تغلب وتخضع في ظاهرها ، ولكنها تبقى ظافرة في طويتها ، نحن الأقوياء بضعفنا ، المنتصرون بإنكسارنا ، نحن الذين نأكل قلوبنا طعاما ونشرب دموعنا خمرا غير أننا لا نلوي أعناقنا ولا نحول وجوهنا عن الكواكب ..
نحن عقدة لم تحلها الأيام وستبقى غير محلولة ،
نحن باب ضاعت مفاتيحه وسنظل بابا موصدا يحجب وراء مصراعيه أسرار الأزمنة الغابرة واسرار الأزمنة الآتية ، نحن نندب وفي ندبنا همس الحياة ، وغيرنا يهلل وفي تهاليله تأوه الموت ..
نحن صرخة تخترق غلاف الأثير ، أما سوانا فضوضاء تزعج الهواء ، تقلق الأزقة والشوارع ..
نحن أغنية قديمة ترددها الذكرى كل صباح وكل مساء ، أما غيرنا فلغط في لجة ولفظ في هاوية ..
نحن جبل راسخ مقيم ، أما سوانا فاشباح تأتي مع الظلام وتضمحل بإضمحلال الظلام ..
نحن أمة قوية بضعفها ، جليلة بأضمارها ، تتكلم وهي صامتة وتعطي وهي تتسول ، نحن حمل اجمة ، أما عدونا فينظر إلينا من شاهق ثم يهبط ويقبض علينا بمخالبه وينهش أجسادنا بمنقاره مستطيبا طعمنا ، ولكنه لا يستطيع ابتلاعنا ولن يستطيع ابتلاعنا ..
نحن نسكن على ملتقى الطرق ، فما مر بنا فاتح إلا وغرس السيوف في حدائقنا والرماح في حقولنا متوهما أنها ستنبت غارا يكلل بها رأسه ، ولكنها لا تنبت سوى الشوك والحسك ..
تقولون أننا فقراء محتاجون . نعم ، نحن فقراء لأننا لم نتعلم السرقة وفنون الإحتيال والغزو والنهب ، فلم نحصد قط سوى ما زرعنا ولم نلبس سوى ما غزلنا ..
نحن قوم نبتسم لمن يضحك لنا ولكننا لا نضحك معه ،
نحن قوم نتقلد ضيوفنا والوفود المبعوثة إلينا ، ولكننا لا نلبث أن نعود إلى ما بنا عندما يرحلون عنا ، ونحن قوم في جلودنا لين ونعومة ، أما عظامنا فكثيفة كعروق السنديان ، ونحن قوم نلبس لكل حالة لبوسها أما قلوبنا فتظل في مأمن من الأطوار والتطور ، وأما ارواحنا فتظل في جوار الله " .
2_رسالة محمد الماغوط الانسلاخ والانبهار:
أنقذ ما تبقى من سنين عمركَ المهدور.
سافر و سترى شعوباً غيرنا و تفهم معنى الإنسانية و الحياة
ستعرف أننا لسنا أحسن شعوب العالم و لا أعرقهم.
لا أحد هناك يعرف شيئاً عن عنترة و شيبوب و الزير سالم و تأبط شراً و القعقاع و الصعصاع و بطولاتهم البلهاء الوهمية.
ستكتشف كذبة ال 6000 آلاف سنة حضارة ، و ستكتشف أن بلادك صفراء و ليست خضراء كما كنتَ تحسبها.
ستعلم أننا لسنا خير أمة أُخرِجت للناس ، نحنُ فقط عبء على البشرية و على الحضارة الإنسانية و حتى على أنفسنا.
ستتأكد أن لا وقت و لا طاقة و لا رغبة للغرب في التأمر علينا لأننا نتقن التآمر على بعضنا ، و لأنه مشغول بما هو أهم منا بكثير.
ستستغرب لطف سائق التاكسي و الشرطي و عامل المطار وموظفة ختم الجوازات أو حتى نادل كشكِ القهوة .
ستستغرب أن فرقة مطافئ كاملة تأتي لإنقاذ قطة عالقة على حافة أحد الطوابق العالية من بناء مرتفع ، و أن شرطي المرور يوقف مسير السيارات لتعبر أوزَّة مع صغارها.
ستستغرب أن الناس تبتسم لك و لبعضها بود ، و ستتبادل الأقداح مع رجل غريب في مطعم أو مقهى و تتبادل الإبتسامات مع امرأة حسناء في الشارع دون أن ينظروا إليك على أي شكل من الأشكال غير إنك إنسان فقط و لا يهمهم غير ذلك منك.
نعم ستتعلم إحترام غيرك لتنال إحترامهم ، و ستخجل من تصرفات سيئة كنت تقترفها كبديهيات في وطنك كتجاوز الطابور ، و دفع الرشوة و قبولها ، و تخريب مقاعد الحدائق العامة و وسائل النقل ، و إلقاء القمامة في الشارع ، و التفاخر بقرابتك لمسؤول من الدرجة العاشرة أو صداقتك لأحد أقرباء من الدرجة الخمسين ، و سرقة الكهرباء من كبل البلدية ، أو سرقة بطة من بركة المنتزه..
نعم سوف تشتاق للأهل و الأصدقاء و الكثير من الأشياء لكن لن تتمنى أن تعود يوماً لحياتك الموحلة السابقة بعد أن اختبرتَ بنفسك معيشة البشر كما ينبغي لها أن تكون و كما لم تتوقعها أن تكون.
و إن عُدت ، فستكون عائداً إما زائر أو ميت لا محالة.
فلا تَلُم من هجرَ وطنه فلو كان وطناً ما تركه ..
إن المتأمل في الخطابين يلاحظ البون الشاسع في المعرفة والوعي واختلاف درجات الامتلاء
الامتلاء بالكينونة والإيمان بالوجود الفعلي لكل كيان على هذه الأرض
فشتان بين الموضوعية التي تكلم بها جبران والإعلاء من ضمير النحن الذي يعلو صهيله منذ المرحلة التأسيسية في صياغة الخطاب الأدبي المعبر عن الوجود والانتماء والمكرس للقيم الجوهرية الإنسانية في مجتمع قبلي جاهلي لكنه مرصع بالأخلاق والقيم والمعارف
وبين الذاتية المقيتة في خطاب الماغوط التي تنبع من مادية قبيحة تجعل من الإنسان ذاك الحيوان الذي يقاد بالغريزة يقطع مع كل جذوره في سبيل البحث عن أسباب الحياة كيفما كانت المهم أن تكون قائمة على الأشباع
وقد خلا خطابه من كل موضوعية وأصدر أحكاما انطباعية ذاتية حاكم فيها كل المنظومة الأخلاقية زورا وبهتانا
وهو يتكلم عن نقمة ولا يتكلم عن خبرة وموضوعية
ووجب التنبيه إلى أننا لا نكره هذا ولا نحب ذاك
بل ندعو إلى إعادة استقراء مثل هذه الأحكام التي أصبحت قدوة لأجيال مفرغة فارغة
والمسؤولية المناطة بعهدتنا هي الدفاع عن القيم وتعليم الأجيال معنى الاعتزاز والعزة والشرف والكرامة والكبرياء
وهذه الأمة ليست لحظة غابرة في التاريخ
وهذا الغرب الذي انبهر به الماغوط ليس قدوة أبدا
ويكفي أن أقول للماغوط الناقم ..الحاقد على جذوره
يكفيك أن تعرف أن حضارتك تفوق حضارة الغرب بثمانية قرون من المعرفة والأخلاق والقيم
وإن افتقار بيئتك لهذه القيم ليس مقياسا لهذه المحاكمة الظالمة ولهذه الدعوة للانسلاخ..
انقذ روحك من هذا الضلال والتيه ..
أنقذوا هذه الأجيال المظلمة من هذا الضياع وهذا الوهم وهذا السراب ..
والاوطان أيها السادة الكرام
أكبر منا جميعا
مهما جار الزمان
وشتان بين التراب المقدس وبين الشياطين التي تسوس هذا التراب
والشاذ يحفظ ولا يقاس عليه
هذا في القاعدة العلمية الموضوعية
أما في هذا العصر الهجين فقد أصبحت التفاهة هي المقياس
وهي القاعدة
لذلك وجب التنبيه ووضع القلم على مواطن الداء
في سبيل إعادة تشكيل هذه الأمة المكلومة التي كانت وستظل خير أمة أخرجت للناس
أجل ..نحن أمة تحتضر ولا تموت كما جاء على لسان جبران شكرا جزيلا لكل شرفاء هذه الأمة في كل رقعة من هذا العالم
رحم الله جبران
رحم الله الماغوط
ووفقنا جميعا إلى ما فيه خير هذه الأمة المكلومة
وإننا غدا سنمضي جميعا ..
لكن ستبقى الكلمات ...كلمات ليست كالكلمات
قد تكون صورة ‏‏شخص واحد‏ و‏تحتوي على النص '‏الأستاذة الناقدة التونسية العربية سامية البحري NeferTiti TheQueen‏'‏‏

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق