الانزياح مصطلح متأصل في اللسان العربي
الناقدة سامية البحري
تعد ظاهرة الانزياح من المباحث الهامة في الدراسات العربية باعتبارها المقوم الأساسي في تشكيل جماليات النصوص الأدبية
والانزياح هو حدث لغوي يظهر في انحراف اللفظ عن نسقه المعجمي والدلالي الذي وضع له
ويعد الانزياح الأيقونة الأساسية التي يقوم عليها الأسلوب الأدبي الذي يعطي للنص بعدا جماليا
وهو ما يجعل من الشعر لغة داخل اللغة وبناء يقوم على الأنقاض. .
فلا يمكن إذن أن نتحدث عن غياب هذه التقنية في الخطاب الشعري العربي أو في الخطابات المتشكلة عبر اللغة عموما ..
وفي ظل تعدد المواقف حول هذا الاصطلاح الدقيق
نعرض مثلا ما جاء في محاولة الاستاذ العبيدي الذي يقر بأن الانزياح دخيل وهو ما يطرح الكثير من الأسئلة العلمية
أولها إلى أي مدى يجوز هذا الحكم ؟
انطلق الاستاذ بعرض معجمي للمصطلح في لسان العرب لابن منظور ثم في القاموس المحيط للفيروزابادي ثم ذيلها ببيت شعري
وهي حجة عليه بأن المصطلح عربي ..
فوجوده في المعجم يؤكده ولا ينفيه في بقية العلوم
باعتبار أن اللغة عند العرب منظومة متكاملة متآلفة تحدث فيها جهابذة العرب في هذا المجال نذكر مثلا عبد القاهر الجرجاني في كتابه دلائل الإعجاز. .
كما أن غياب المصطلح في بعض المعاجم الحديثة وتنصل بعض النقاد لا ينفيه في اللسان العربي القديم ...
أرى أن الناقد الاستاذ العبيدي تعامل مع المصطلح الدقيق (الانزياح) تعاملا فيه الكثير من الاجحاف..
وقد أنكر وجود هذا المصطلح في النقد القديم واعتبر أن المدرسة الفرنسية هي التي جاءت بهذا الاصطلاح
وهذا يجانب الصواب كليا ..
فالمصطلح عربي في الصميم
والبلاغة العربية في علم البيان قد قامت على الانزياح وتأسست عليه
فالمجاز والاستعارة هي الانزياح الأكبر باللفظ من معناه الحقيقي إلى معناه البلاغي
كما أن أغلب المصطلحات التي تم ضبطها كمصطلحات نقدية في المدارس الغربية خاصة قد أخذت من رحم النقد العربي القديم
وأشير هنا كمثال مصطلح التناص الذي يقابل مصطلح التضمين أو وقع الحافر على الحافر في النقد العربي القديم ..
كذلك هو الانزياح وهو حدث لغوي يظهر في انحراف اللفظ عن نسقه المعجمي والدلالي الذي وضع له. .
والانزياح هو المصطلح الذي كان له الفضل في تطوير الخطاب الشعري العربي منذ القرن الثاني للهجرة فبرزت جملة من الأغراض المستحدثة وتجلت الكثير من الانزياحات العظيمة التي أعطت الخطاب الشعري بعدا جماليا صورة ومعجما ومقصدا ودلالة كذلك ..
ومن أبرز الأعلام في هذا المجال الذي يعد أشعر شعراء تلك المرحلة نذكر الشاعر المجدد أبا نواس
في مجال الخمرية...الخ
والنقد العربي القديم مع رواده الكبار مثل الجاحظ والجرجاني وابن طباطبا وقدامة..
قد قدم جهازا نقديا ثريا استطاع المستشرقون الاستفادة منه كثيرا
في حين مازال الباحث العربي يتعامل بسطحية مع هذا الإرث العظيم ..
وهذا يحتاج إلى مقاربات علمية دقيقة تخضع للدرس والتنقيب قبل إلقاء الأحكام أو محاكمة الموروث
ويحتاج كذلك إلى الكف عن الانبهار في التعامل مع الموروث أو مع الوافد ..
حتى نصل إلى الموضوعية المطلوبة ..
أما الانزياح في الخطاب الديني فهذا باب كبير ينفرد بخصائصه
ومقاصده ويرتبط بطابعه القداسي..
لكن لا يخلو من الانزياحات باعتباره يقوم اصلا على البلاغة وهو ما فتح أبواب التأويل على مصراعيها ..
ولا يمكن فهم المقاصد الدلالية في الخطاب الشعري أو في الخطاب الديني خارج هذه الانزياحات
وهو ما يتطلب الادراك العقلي الثاقب لأن البلاغة تحتاج إلى التفكيك والفهم والبلاغة منطق بالحروف والكلمات كما هو علم الحساب منطق بالأرقام والرموز..
وكل منطق هو عملية رياضية دقيقة لا تخلو من بحث وتأمل وربط المقدمات بالنتائج ..
وكلها مواضيع دقيقة تحتاج إلى ندوات فكرية وعلمية كبيرة
نحن نكبر حق الاختلاف ونؤمن بالعقل الذي يفضي إلى الحقيقة أو اليقين ..
وهنا أتحدث عن اليقين المعرفي ..
وفي الختام أقول موروثنا الأدبي واللغوي والبلاغي زاخر وثري
ومهما نقبنا فيه لم نصل بعد إلى الدرر الكامنة في عمق محيطاته
تحية تقدير للأستاذ العبيدي على كل ما تفضل به
تحية تقدير للدكتور الوليد الزبيدي على كل الجهود التي يبذلها في سبيل خدمة الأدب العربي الهادف
حقيقة ترفع له القبعات
وفقنا الله جميعا إلى ما فيه خير هذه الأمة والى الخير والسلام والعلم والثقافة
شكرا جزيلا

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق