على بركة الله أبدأ بنشر سلسلة المشاركات السردية من الكتاب الجماعي " شموع تونسية" مقتدية بقوله تعالى " لا نريد منكم جزاء ولا شكورا" صدق الله العظيم"
المشاركة الأولى قراءة في قصة الأديبة أحلام الأخضر " تهمة"
. النص الأول / تهمة.
الناقدة: فاطمة محمود سعدالله.
راجت أخبار عن إصدار قانون يُلزم الكلّ بالتّصريح بمكتسباته.أجمع زملاؤه في العمل على الامتثال لهذا القانون خوفا من العقوبة لا إيمانا بضرورة الشيء، وأبدَوْا حرصهم الشّديد على التّكتم والسّرية.اتجه إلى المكتب المعني قبل أن يُقفل باب التّصريح بساعات قليلة. أخذ الاستمارة، اطلع عليها، شرد برهة.."أي ممتلكات يمكن أن أصّرح بها؟ منزل يقف أمامي مالكه كلّ شهر يطالبني بدفع الإيجار.. نقل عمومي أركبه صباحا مساء.. راتب تقتص منه الضرائب دون إذن مني."تأمل الورقة.. قلّبها، لا يجد ما يصّرح به. ماذا يكتب؟ يُعيدها ببياضها أم يُدنّسها بما لا يملك؟تذكر كلمات كانت لوالده.."بنيّ، لا أملك ما أورثك إيّاه غير ضمير حيّ تحاسَب به وعليه". تناول الورقة من جديد، كتب في الخانة الأولى، والثانية، والثالثة:" ضمير حيّ".وضع الورقة في مكانها، وانصرف.داهمت قوات الأمن منزله ليلا، واعتقلته بتهمة امتلاك ثلاث ضمائر حية...! المجهــــول كانت رزم الأوراق تزاحم معه الحشود، تطرق كلّ شباك لتسمع الكلمات نفسها:- الشّبّاك المجاور. كانت كلّ الشّبابيك متجاورة، وكلّ الصّفوف متشابهة، وجوه تعلوها سحابة من اليأس ويكسوها حزن عميق. وقف في آخر أطول صف ينتظر دوره، أجال بصره في المكان، استوقفته ساعة حائطيّة، أخذه دوران عقاربها بعيدا.." بدت ملامحي غريبة عنّي.. لا أدري لِمَ ؟ وجه لم آلفه، وصور لا أذكرها.."" كان بالأمس يقطن بيتا آمنا، يخرج آمنا للتنزّه، أصبح اليوم آملا أن يكون آمنا حيث كان.. "- أهذه كلّ الأوراق ؟ فاجأه الصّوت. - نعم.- أين إثبات الهويّة ؟كلمة كان لها وقعها.. " إثبات الهويّة، من أين له بهذه الوثيقة ؟ "ترك المكان يبحث عن مركز لإثبات هويّته.. " أين يمكن أن يثبت هويّته ؟ من أين له ما يثبت هذه الهويّة ؟.. المكان لا يرمز لشيء والزّمان لا يعترف بثبات الشّيء ". وسط غليان أفكاره تصاعدت أصوات وهتافات: " لا تنازل عن الهوية لا تنازل عن الحريّة "دّبت في عروقه نغمة فرح." من هناك، من هناك يمكن أن يثبت هويّته.." كان النّاس يتوافدون من كلّ مكان وينسابون كسيل ماء جارف. أدركه الجمع قبل أن يدرك هو معنى الهتافات.. تدافعت الأيدي، وتضاربت الأرجل، واشتدّ الزّحام.. امتزجت أصواتهم بهواجسه، وتداخلت وسط سحابة من دخان كثيف وشظايا نار. تطايرت بقايا الجثث بين ثنايا أوراقه.. طُمست ملامح وجهه، وطُبع هيكله على الإسفلت ليصبح خبرا عاجلا:رجل مجهول الهويّة ينفّذ هجوما انتحاريّا في ساحة عامّة..!المراياأسكت صوت المنبه، انتفض من الفراش، اتّجه نحو الحمام، وقف أمام ذاته وكأنّه يراها لأوّل مرّة.هو.. في الصّباح.. يبدو كمن كان يخوض معركة مصيرية.. ترتسم على وجهه تضاريس يومه.. ونومه.استطاع محو هذه الملامح بصب الكثير من الماء عليها.. أغرقها في لحظات وتخلص من توابعها..غادر الحمام عائدا إلى الغرفة، رتّب نفسه للخروج، وقف أمامها.. رأى فيها أملا جديدا، بادلها ابتسامة خفيفة ثم غادر..استقبلته "السلالم" كعادتها، عدّها ككلّ مرّة، وشكك في عددها.. "العدد نفسه ...طبعا نفسه ! "دلف إلى الشّارع، ألقى تحية الصّباح على بائع الجرائد.- ما الجديد ؟- النّزيف متواصل.تناول الجريدة، غاص وسط تفاصيلها، وتتبع أحداثها، رأى جراحا تشبه الّتي على جسده، ولون دم يعرفه، كدمات قديمة جديدة بحث لها عن ضمادة قد نسيها في مكان ما. تصفّح أوراقها.. قرأ ما كتب بلون الدم وترك ما عمّه السواد.دّس رأسه وسط أوراقها.. أحداثها في السيرة الذاتية توضح عجزه، تظهر ضعفه، تكشف أدّق تفاصيل ذاته.. تعكس وجهه الآخر.. ارتجفت أوراق الجريدة بين يديه، طواها تحت إبطه.. ستر بها ملامحه.. ركب حافلة خاصة، قَلّب وجهه خلال وجوه ركّابها، بدت له ملامح عديدة، تُشعر بالرّضا أحيانا وبالسّخط أخرى.هو.. منذ زمن يرى خيالا.. يقل بريقه وتفتر ألوانه. تراكمت الصّور في مخيلته.. لم يعد يدرك أيٌّها تخصّه. جمعها كلّها، دقق في تفاصيلها، رصّها وغادر دونها..عاد بعد عمر طويل، تعرّى من مخلفات زمن أليم، نزع عن ذاته لباسها الضيق، ارتدى واقعه.. نظر إليها..هي.. جميلة جدّا من الدّاخل.. !أحلام الأخضر
قراءة النص ...." تهمة " للقاصة أحلام الأخضر
التمهيد
يختلف تفاعلُ الذاتِ المبدعة مع المحيط الطبيعي والاجتماعي خارجها ومع ما يعتمل داخلها من حركة نفسية وفكرية ووجدانية لكن المبدعين اتفقوا في كونهم " يعبرون" كل بأسلوبه. وما الكتابة ـ تحديدا ـ على اختلاف أجناسها إلا فعْلُ الكاتب وتفاعله مع أي حركة تنشأ داخل ذاته أو خارجها. فيولد الشعر بكل أنواعه ويولد النثر بكل أصنافه السردية فيأتي قصة وحكاية ورواية وخبرا وأقصوصة وقصة قصيرة جدا أو ومضة. وأديبتنا أحلام الأخضر في نصّها " تُهْمةٌ" اختارت القصة القصيرة جدا وهي من الأدب الوجيز. ولعل كثيرا من الملامح هي التي جعلتني أصنفها هذا التصنيف أنّ ألفاظها وسطورها تضعها في خانة الإيجاز( ربما لا تصل إلى الألف ) وهي الحد الأدنى للقصة القصيرة. هذا على مستوى الشكل أما على مستوى البناء فهو ما سنتتبعه أثناء قراءتها
.العتبة الأولى / العنوان..........تُهْمةٌلفْظُة مفردة. وردت نكرة. ولعلها في وضوحها تدين إلى معناها المعجمي. (حسب العجم الجامع "هي نسبة جريمة أو ذنب" لشخص ما) ويظل المتهم بريئا حتى تثبت إدانته.ومن خصائص العنوان في القصة القصيرة جدا ألا يكون كاشفا لخفايا النص كما أنه يجب ألا يشكل أحد ملفوظاته. يرد مستقلا مع كونه إحدى لبنات النص. وذلك كيْ يسْمح الكاتب للقارئ بمتعة الاكتشاف.والكاتبة احترمت هذا الشرط ونجحت في تحريك التساؤل: ما التهمة؟ ومن المتهم؟ وهل ستثبتُ عليه فيُدان أم يبرّأُ منها؟ ولعلّ التنكير الذي اختارته الكاتبة عمق هذا التعميم والإبهام ربما الإحالة على الكثرة، فقَوِيَت روح التشوُّقِ...
المتْنُ....افتتحت الكاتبة نصها بإدراج "خبر " راج بين الناس وهو مطالبة السلطات منظوريهم بالـ"تصريح بالمكاسب". فالانطلاقة إذاً كانت بأسلوب خبري تقريري تضمّن حقيقة لا يختلف فيها إثنان فأكسبت قصّتها الطابع الوثائقي فهي كمؤشر واقعي لمرجعية تاريخية معلومة مكانا وزمانا / تونس 2019.ورغم هذا الاتكاء على "خبر معلوم" فإنّ الكاتبة تخلّصت من هذه المباشرة إلى "السرد بضمير الغائب" عن شخصية لا اسم لها ولا ملامح سوى كونها (رجلا.. موظفا.. ومن الطبقة الاجتماعية الكادحة). وهوما سيلف الأحداث بالغموض والتشويق منذ البداية.لعلّ الكاتبة اختارت الشخصية الرئيسية دون اسم لتعطيها مساحة أوسع فلا تقيدها بشخص معيّن كما أنها ستحمله رسالة ومسؤوليّة ثقيلة وهي "صرخة" أولئك المغيّبين اجتماعيا وهكذا تشمل كل ذات تجد نفسها في مثل هذا الوضع ولقد ساعد هذا التعتيم والتكتم على مسار التشويق والحبكة والمباغتة. وذلك بالمزج المحكم بين الواقع والخيال فجاءت القصة ممتعة تحرك الوجدان والفكر والوعي.لقد نحتت شخصية خيالية بملامح مستمدة من الواقع. بطلها شخصية نامية إذ ظلت الكاتبة تضخّ تعطش المتلقي لكشف هويتها برذاذ ينعش ولكنه لا يروي ولا تكتمل ملامحها إلا في النهاية وهذا ذكاء منها لشد القارئ حتى النفَس الأخير للأقصوصة وهو الانفراج بعد التأزم.ولعل هذا يعود إلى أن الكاتبة عليمة بكل شاردة وواردة تخص شخصيتها الرئيسيّة فقدمتها في بادئ الأمر شخصية عادية (واحد من المجموعة) انصاع للأوامر سواء خوفا أو تبعيّة إلى مكتب التصريح وهناك تتوقف الكاتبة عن السرد بضمير الغائب فتنسحب وتترك المجال إلى " الأنا" الحائرة.. الأنا الممزقة بين الصدق والكذب فتورد حوارا باطنيا وجدانيا فيه صراع طرحت من خلاله وعلى لسان المتكلم عدة قضايا / رسائل رمزية مشفرة وجهتها إلى جهات متعدّدة أولها الشخصية نفسها والمتلقي والمجتمع والمسؤولين عموما. فهذا الرجل يسكن بالإيجار ويعاني من المؤجّروهويستقل وسائل النقل العمومية ولا يخفى على أحد ما يعيشه مستعملوها من معاناة ولا سلطة له حتى على راتبه فماذا ننتظر؟ ماذا سيمتلك للتصريح به. هنا تقفز إحدى خصائص القصة القصيرة جدا إذ تبنى على المفارقة وذلك بإحداث عالميْن أو حالتيْن متقابلتيْن.. صورة حقيقية والأخرى عكسها. الشخصية الرئيسيّة مطالبة بالتصريح بالمكاسب وهو لا يكسب شيئا وهنا نلمس نقدا صريحا للمجتمع متمثلا في الطبقة التي تملك كل شيء إذ لا ترحم المحتاج إليها " منزل يقف أمامي مالكه كل شهر يطالبني بدفع الإيجار.. نقل عمومي أركبه صباحا مساء.. راتب تقتص منه الضرائب دون إذن مني" ولم تنسَ الكاتبة وضع النقطتين المسترسلتيْن تحفيزا للقارئ على تصور المعاناة.. كما أن هذا المفصل من القصّة سلمنا إلى مفصل آخر ليس أقل من السابق استفزازًا. يتساءل البطل بم سيصرّح ويفصح عن حيرته وخوفه في كلا الحالتيْن إما لا يصرح ويعاقبه القانون أو يصرح بما لا يملك ويحاسبه ضميره. وفي أوج الحيرة التي انتقلت إلى المتلقي فيشاركه في البحث عن الحل تلتمع في ذهنه فكرة تمهد للقفلة والانفراج لماذا لا يهرب من المواجهة.؟. تقفز به الحاجة إلى الماضي.. قسوة الواقع استحالت معها المواجهة فالخلاص في ارتداء عباءة الأسلوب الغنائي بعد الحوار الباطني الذي أسفر على الحيرة والتمزق.. اللجوء إلى الأب.. رمز الحكمة. فوصاياه اختبارات ودروس فتتغنى الشخصية الرئيسية بما للأب من حنكة وقدرة على حل الإشكالات والخروج من المآزق. وصيّته تقول : " بُنيَّ ليس لديَّ ما أورّثك إيّاه إلا ضميرٌ تحاسَبُ به وعليه" وهنا نصغي إليه يصرخ مهللا "وجدتها.. وجدتها". وكم نحن في حاجة في هذا الزمن إلى الضمير.. الضمير الذي يحاسبنا ونحاسب عليه عند الإخلال بخُلُق ما.. وصرّح البطلُ دون أن يصرّح.. اتبع وصية والده فليس له سوى ضمير حيّ ورثه عن أبيه ،ليس مضاعفا بل هو معتق ومكرّرٌ. تطرح الكاتبة الحل لتلك الحيرة في "الأخلاق" وهو وإن كان حلا مثاليا قد عبرت به على تلك الغنائية التي نفتقدها عبرت به على صرخة استنجاد بالمثل التي طغت عليها المادة. وانجرفت بمقتضاها النفوس تركض خلف المال دون أي اعتبار لكيفية الحصول عليه باللهاث وراء المكسب لا غير." فالغاية تبرر الوسيلة كما دعا إلى ذلك "ماكيافلّي".ويبدو للقارئ أنه تنفس الصعداء وبلغ مع القصة إلى مرحلة الانفراج لكنّ أحلام الأخضر لم تنسَ أن الخاتمة في القصّة القصيرة جدا يجب أن تكون " قفلة مباغتة"، خاتمة غير متوقعة وهنا تربط جسد النص ومتنه بالعتبة وتجيبنا على تلك الأسئلة التي خامرتنا.. وتأتي " التهمة" كالصاعقة تدين الرجل بامتلاكه ثلاثة ضمائر حية. وهي وإن كانت تهمة شبه خيالية ولكن فيها رسائل كثيرة منها ماهو موجه إلى السلطات بل تتهمهم بالغباء والطغيان وبلهجة حادة رغم خفائها فهم يعتمدون على التهم الجاهزة . ومنها ماهو موجه إلى الإنسان تدعوه إلى استعمال العقل وربما الاحتجاج.. إذا كان صاحب الضمير الحي واليد النظيفة يلقى عليه القبض ويحاكم على ذلك الأساس فماذا سيكون الموقف من المرتشي والمتحيل واللص وأصحاب الممتلكات التي لا يعرف لها أصل ولا فصل ؟؟
على سبيل الخاتمة....
.قصة "تهمة" للكاتبة أحلام الأخضر قصة قصيرة جدا بامتياز جمعت بين السرد المشوق واللغة الفصيحة المتينة والواضحةِ المقصد ِالنقدي "الاجتماعي والسياسي بالاعتماد على التلميح دون التصريح التقرير.....

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق