قراءة في الرواية: "دولة
شين" للروائية وفاء عبد الرزاق
عنوان القراءة : "بناء الذاكرة الإنسانية من خلال مأساة
الصراع"
تقديم: د.عتيقة هاشمي
المغرب
_______________________________
• توطئة:
تسعى هذه القراءة في رواية (دولة شين)
إلى فك شفرات ودلالات الخطاب الروائي عند وفاء عبد الرزاق، للتعرف على ما تخفيه
الرواية من جمالية وانزياحية على اعتبار أن هذا العمل الأدبي يشكل التفرد من حيث
البناء المورفولوجي التصاعدي، والذي يميل إلى الحفاظ على البنية الكرونولوجية في
عرض الأحداث، حيث تختصر الرواية سيرة الإنسانية منذ بداية الخلق إلى التطور
الحضاري، وما اكتنفه من صراع بين الشر والخير. هي ثنائيةضدية وَسَمَتْ تاريخ
البشرية و بسببها ستراق سيول من الدماء.
إن (دولة شين) بما حملته بين دفتيها،
تنبثق من الانفتاح اللامشروع على الأزمنة، إذ تجمع بين الرؤية والرؤيا، حيث الزمن
الحاضر يطمس هوية الزمن الماضي ليطفح هذا الواقع بالموت الرهيب لكل القيم، وهو ما
جعل الرواية تتسم بدراما تشخصن ديستوبيا مجتمع بشري غير مرغوب فيه ضمنيا بالنظر
إلى نوازع الشر التي تسكن النفوس البشرية، والتي تذكيها حمية الشياطين (الظل/
القرين/الزابع) إذ نلفي لكل شخصية من شخصيات الرواية زابعها على حد تعبير ابن شهيد
الاندلسي في رسالته التوابع والزوابع يدفعها إلى إثبات ذاتها وهي في ذلك تصنع
عالما بل تاريخا من المآسي. فماهي ملامح هذا العمل الروائي؟ وما هو وجه المغايرة
فيه على مستوى الكتابة ؟
• أسطرت الحدث، ورش معقد التركيب
تنطلق الرواية في عمقها من ذاك التناص
البديع مع النص القرآني،قال تعالى: ﴿ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي
خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي
فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ
(73) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (74) قَالَ يَا
إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ۖ أَسْتَكْبَرْتَ
أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ (75) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ ۖ خَلَقْتَنِي مِن
نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (76) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ
(77) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ (78) قَالَ رَبِّ
فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ
(80) إِلَىٰ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (81) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ
لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
(83)﴾[سورة الحجر]، لتجعل من هذا التناص محور الحدث السردي التي راكمته، حيث يشع من
بين ثناياه سنا الانتظارات الحالمة بالنقاء، لتتضح الرؤيا فيما بعد، وتنفتح على
الكم المهول من القبح، والاستلاب، والخديعة، والاستغلال...
يبدو
من خلال قراءة النص الروائي (دولة شين) أن الروائية وفاء عبد الرزاق تستدرج
القارئ إلى متعة القراءة، والحبكات المحكمة السبك عبر التفصيل الدقيق للوقائع
المصحوب بالتشخيص البارع، والحوار الديناميكي المساهم في تأسيس دلالة الأحداث،
ومسيراته التأويلية.
تتألف الرواية من شخصيات المملكة التي
يتربّع على عرشها "كريم" الملك، والقادم الجديد "نديم" الذي
سيتزوج من "حسنى". كريم سينصب نديما رئيسًا لوزراء المملكة، وهو الأمر
الذي سيغضب "شين" فيدفعه إلى التمرد عليه، وبالتالي يكون قد عصى أوامره
لأنه لا يريد الخضوع إلى شخص يراه أقل منه مرتبة وشرفًا. تقول الروائية في ص.
9و10(وقف مخاطبا كريما بصوت مرتفع :(لن أخضع لمن هو أدنى مني مرتبة وشرفا/ سآتيك
بذرية هذا المتسيد الجديد، وأخبرك عن عبثهم وسلوكهم الخاطئ المشين، وأثبت لك
وللجميع أنك لم تحسن الاختيار/ لأنه مخلوق هش من الداخل مثل صلصال غير مفخور..)
وعندما سيعلم كريم سيقرر نفي "شين"، وطرده من أعالي الجبل إلى أعمق وادٍ
فيه، إذ اعتبره أول عاصٍ لأوامره، يقول في ص. 10:( وجه كلامه إلى الجميع وعينه على
رضوان: بل قل هو كافر بنعمتي عليه، أكرمْتُه وعظَّمْتُه، والآن أسْتَبْعِده لأنه
أول عاص في مملكتي. ثم ترك الجلسة آمرا شين بالرحيل/ أخرج أيها القبيح العاصي
المخطئ في حق سيده..).في الوقت نفسه يكون رضوان صديق "شين" مساندا له
وجدانيا، إذ رأى فيه (أول ثائر كوني وأزليّ) ترك المملكة وراء ظهره، وتوعّد
"نديمًا" وذريته الفاسدة حتى يثبت صحة موقفه، ورؤياه.في طريقه هبوطا من
أعلى الجبل إلى السفح سيلتقى "شين" الراهب الذاهب إلى زيارة المملكة،
وسيطلب منه أن يأتيه بأخبار "نديم" وما يدور داخل المملكة. وحينما عاد
الراهب أخبره بأنَّ "نديمًا" قد خرق الوعد، وأنَّ كريما الملك قد غضب
منه، فنفاه خارج أسوار المملك، تقول الكاتبة في ص. 11: (جاء صوت الراهب بعيدا:
سمعتُ أن نديما طُرد من المملكة مثلك. ألم تره في ترحالك؟). من هنا تبدأ أحداث
الرواية التي كان يفترض أن تدور في الوادي، تقول الروائية:(قضى في سيره أسابيع
هابطا من أعلى الجبل نحو الوادي)، غير أن الكاتبة وبِحِرَفِية عالية، نجدها تنقل
الأحدات بطريقة عجائبية إلى صحراء سيجد "شين" نفسه فيها أمام ثلاثة عشر باب صُفَّت إلى جوار بعضها، وكوّنت سورًا
من دون حوائط أو جدران، تقول الكاتبة في ص.14:(وقف شين وقفة الحائر في صحراء مترامية الأطراف،
استفزه شكل غريب ألا وهو وجود أبواب صُفَّت إلى بعضها وكونت سورا في صحراءدون
حوائط وجدرا وأسوار)، وقد أخذ يتلصص من الثقوب، (ويصرخ عاليًا: "أما من
مُعلمٍ خلف هذه الأبواب؟"). تنكّر "شين" بملابس فقير ليلج الأبواب
الثلاثة عشر، ويدوِّن كل ما يراه ويسمعه في دفتره ليُثبت فساد الإنسان ودناءته
وخسة أعماله.
• الرؤيا وأبعادها الدلالية
يبدو من الصفحة الأولى للرواية، أن
الروائية تتعاقد مع القارئ عبر الكلمة التي صدرت بها النص، تقول:(كن نفسك.. وأزح
عن عينيك غشاوة الفراغ. كن ينبوعا وأبعد عني العدم كي أرتاح) على أنها ستقدم متنا
حكائيا مختلفا، ذو طابع فلسفي، ينفتح على تأويلات متعددة، ويطرح أسئلة وجودية غنية
بالدلالات حول ماهية الذات، وما تحيل عليه، على اعتبار أن الذاتية حسب تعريف إميل
بنفنيست في كتابه اللغة، سلسلة دفاتر فلسفية، ص.74/75، هي (الوحدة النفسية التي
تتعالى على كلية التجارب المعيشية، التي تجمعها هذه الوحدة النفسيةوتضمن دوام
الوعي). إن ارتباط الذات بالوعي/ الذاكرة هو ما يفسح المجال أمام الكائن للرؤية
التي يرى بها نفسه والمجتمع والكون.
لقد شكل هذا التعاقد بين الروائية
والقارئ ميثاقا للقراءة، بموجبه نلفي الروائية توجه عملية القراءة لتصير لعبة
وظيفية في عملية الكتابة. والكلمة التي افتتحت بها الرواية تبرز ذلك بجلاء، وتبرز
دور الأنا/القارئ في ضرورة تأكيد حضورها، وتلقي راهنيتها حول القضايا التي يطرحها
النص السردي (دولة شين) في عموميته، كما تحيل على ذات الساردة نفسها والكامنة في
فعل الخطاب، والتي على القارئ أن يستنبطها من خلال عملية التأثير المُقَنَّعة التي
تعكسها أساليب التعليل والبرهنة التي عجَّ بها الخطاب الروائي في الرواية..
يبدو أن الروائية رغبت في الاستعانة
بقدرات القارئ على تحويل المتن، وإعادة صوغ الفعل الخطابي، حيث قدمت له مادة مشوشة
مع سبق الإصرار روالترصد، وكأنها تبغي اختبار قدراته، ومدى تمكنه من آلياته
القرائية، ذلك أن أكثر ما يثير هذا القارئ وهو يطالع الرواية، هو أن الكاتبة آثرت
أن تُصَدِّر كل باب من هذه الأبواب بحروف من الأبجدية العربية (
أ/ب/ت/ث/ج/ح/خ/د/ذ/ر...) ولعل في ذلك إشارة ضمنية إلى أن الآية الكريمة موضوع
التناص مركبة من هذه الحروف التي هي مادة الكلام. هذا من جهة، ومن جهة ثانية فهي
تشكل رموزا تحمل دلالات أعمق تحيل مبدئيا على فاتحة أسماء أعلام لشخصيات أثثت
أحداث الرواية. كما يلحظ القارئ أن الكاتبة قداستعانت بعناوين جاءت بمثابة عتبات
يقف عليها القارئ، تساعده على اقتحام العوالم السردية لأبواب الرواية. ولعلها رامت
بذلك استفزاز أفق انتظاره، وحثِّه على
الغوص في بنية هاته الحروف وكذا العناوين، لاستنباط صلتها الدلالية بالمتن السردي،
وما تَوَدُّ الإفصاح عنه، مثل:(الاكتشاف/ حيرة/ ليل حالك السواد/ لم يتحمل شين/
حديث النفس/الأشياء تثير القرف/ محاولة للتذكر/ تضخم الخطيئة/ شين والصبار/ البقاء
على الشيطة/ حصيلة الوهم/ سلطة الحق/ الرجوع). وهو ما يجعل القارئ للرواية تتملكه
نزوة عارمة في تشخيص خروقات أفق انتظاره القرائية. ثم إن كل باب تضمن خطابا وقصصا
مثيرة تفتح أمامه ورشا معقد التركيبة، يتطلب منه جهدا على مستوى التلقي، وهو ما
يستدعي منه وعيا كبيرا بالبناء الخطابي، وتشكل بنيات السرد داخل الرواية، زيادة
على القراءة التأملية المتكرر للمتن السردي، خاصة وأن وفاء عبد الرزاق اشتغلت على
تسريد النص القرآني، وتعميق مستوى بنائه بهدف الزج بالقارئ في متاهة البحث عن فنية
الترصيص التي راهنت عليها باعتبار الرواية نوعا من التجريب.
• الصراع على السلطة لتأسيس دولة شين
تتأسس السلطة في رواية "دولة
شين" على مفهوم علائقي منبعه الصراع
الخفي بين النار والطين، بين ذات حمئة (القرين/ الظل/ الزابع) و الذات البشرية
(الإنسان)، حيث يرتكز الاهتمام على تحقيق المصلحة الشخصية، من هنا تنتج الرغبة في
السيطرة على الآخر وإخضاعه. ولأن السلطة شكلت دوما مصدرا للحس بالزمن، فإنها كثيرا
ما تمت عبر السيطرة على الفكر الذي يجبر صاحبه على الخضوع، فتغدو الفضاءات عبارة
عن حلقات تاريخية تتمحور حول صراع السلطة وامتلاكها. والمتمعن في ثنايا الرواية
سيلحظ أن هذا التملك يتم بتوافر عاملي الفعل والانفعال وتبادلهما، فتصير السلطة
وجودا حيا في سيرورة البشرية روحيا وماديا. من ثمة أرى أن "دولة شين" هي
تجسيد صارخ لمفهوم الصراع حول السلطة، والذي يتمظهر في ممارسة الشخوص
الظِّل/القرين/الزابع لفعل الغواية على الشخوص الرئيسية الحقيقية حيث حولها إلى
دُمىً تعبث بها. إن هذا التحول هو ما يمكن أن نعتبره مُحَصِّلة للصراع على السلطة،
حين يشتري شيخ عجوز فتاة لينفث في جسدها الغضِّ سمومه، وحين يخدع خليل خولة
فيتزوجها، ويَعِدُها بأن يكتب العمارة باسمها، ثم تكتشف أنه متزوج من ثلاث نساء،
وكلّما تزوج الرابعة طلّق إحداهن ليظل مسلسل الزواج مستمرا، وحين تحتال دلال ابن
أخت زوجها وتغويه لتمارس معه الخطيئة، وحين يمارس دريد زنا المحارم مع بناته غصبا،
فتموت إحداهن نتيجة لعملية الإجهاض، وحين لا تتورع دينا عن إغواء شقيقها الأصغر،
وحين يعتدي ذو النون الخمّار، والمرتشي، وبائع الحشيش على ابنه ذياب ويعاشره
يوميًا، بل يبيع جسده لِذَاكِر شريطة مضاعفة الثمن، وحين يستدرج رسول مجنونًا إلى
المقبرة ليمارس معه تجربته الأولى، وحين يغوي طفلة يقضي وطره منها وهي حيّة،
ويمارس ساديته عليها وهي جثة هامدة، وحين يقدّم أحدهم تقريرًا مزورًا لمصلحة ثري كي
يذهب للحج بالمال الحرام، وحين تغوي أم ابنها فتدفعه إلى زنا المحارم فيذبحها...
الكل يمارس السلطة على الكل، لتتحول الرواية إلى مقصلة لمجتمع موبوء، تحكمه ثقافة،
وقيم، ومعرفة تغدو معها السلطة موضوعة للصراع.
ويظل الحوار الذي جمع الشخوص ببعضها البعض، دالا قويا على المناخ الذي يصنع
فردية السلطة ويشيد هرمها. بالتدرج عبر أبواب الرواية يصل القارئ إلى المدى حيث
التأكيد على مجد السلطة، وصناعة الوعي النرجسي المؤسس لها لتصبح مطلقة حيث تجهز
على العنصر البشري فاسحة المجال لدولة شين بالخلود. وهو ما يكسر أفق انتظار القارئ
في إرجاع الأمور إلى نصابها، واستعادة العرق البشري لنقائه وصفائه قبل أن يطرد من
الجنة.
• خاتمة
تظهر رواية "دولة شين" ذلك
التداخل العجيب القائم بين السرد الروائي، والسرد التاريخي، والتخييل السردي، وكيف
نجحت وفاء عبد الرزاق في نسج خيوط الحكي الذي يجعل السرد ينساق خلف وهج الذات
وصورته، ويتقصى ما ترسخ في الذاكرة، وما علق بالمخيلة حيث تتحول الكتابة إلى بحث
مستميت عن التفاصيل، بغية تقديم نص يهجس بالبحث عن الكينونة. لأجل ذلك نجد الساردة
امتاحت من معين عالم معرفي موسوعي، جمع بين الديني، والواقعي، والأسطوري، والغرائبي
والعجائبي والتاريخي... عبر توظيف تقنية
التناص مع الكثير من النصوص، حيث يجد القارئ نفسه وهو يقلب صفحات الرواية متأرجحا
بين النص القرآني والكوميدية الإلاهية، و رسالة الغفران، والعرائس...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق