الاثنين، 12 أغسطس 2024

قراءة الأستاذة (زينب علي الحسيني) في رواية (دولة شين)***

 




زينب الحسيني -لبنان.

قراءتي لرواية"دولة شين"

للروائية الشاعرة: د.وفاء عبد الرزاق.

مقدمة:

رواية شين هي توليفة

أحداث تراجيدية مرعبةلعالم ديستوبي، ترتع فيه شياطين بشرية مرضى نفسيا وأشد مكرا من الشيطان نفسه.

العنوان دولة "شين" هو العتبة الأولى والنافذة  التي منها نستوحي ونكتنه

المخابىء والزوايا.

  وحرف الشين

هو بداية لكلمات: شر ، شيطنة، شعوذة،شذوذ، كما أن رقمه في الأبجدية هو الثالث عشر، وكلنا يعرف ما لهذا الرقم من إيحاء بالنحس والخوف وما يرافقه من تهيؤات وتخاريف في أذهان الناس.

الرواية مقسمة إلى ثلاث عشرة بابا ، تبدأ بحرف "أ"

وتنتهي بحرف "ش" رقم ١٣.

نبذة موجزة عن الرواية:

تبدأ الرواية بتعريفنا إلى جبروت "كريم "في مملكته وعظمة أسرته  الأصيلة عالية المقام التي تطيعه طاعة عمياء والكل يعيش في رغد وأمان وبحبوحة، في إشارة  من الكاتبة إلى حكاية الخلق الأول، على قمة جبل أشم.

ويحدث أن يختار "كريم" رجلا غريبا اسمه "نديم" يعطيه منصبا سياديا ويأمر الرعية كلها بإطاعته طاعة عمياء.

لكن "شين" يحس بالغبن والغيرة من نديم، ويعصي أمر ملكه"كريم" فيطرده من المملكة إلى قعر الوادي

ويكون بذلك حسب تعبير صديقه رضوان"أول ثائر كوني" يعلن العصيان في وجه ملكه، ويقول:

"آما أن نكون كما يراد منا، أو لا نكون"ويقرر أن يجمع الحجج الدامغة والبراهين

عن زيف نديم يفضحه أمام الملأ .

بعدما نفي "شين" خارج المملكه، تاه في الفيافي والوديان إلى أن وصل إلى صحراء فرأى" اشكالا شيطانية دميمة  وكل

" في وجهه  شيء من إبليس" استفزته تلك الأبواب الثلاثة عشر المصفوفة بلا حوائط ولا جدران، فقرر التلصص من 

 ثقوبها فتعرف إلى الباب الأول الذي يبدأ بحرف "أ" وصولا إلى الباب الأخير المعنون بحرف الشين" ذي 

رقم ١٣،ولا يخفى ما لهذا

الحرف من إيحاء بالنحس والخرافات في أذهان الناس عامة،

تنقلت الكاتبة منذ بدء الخليقة حتى زمننا الراهن،

ونسجت حبكة ذكية بدت

 كبناء معماري  شاهق،

فوظفت الزمكانية والشخصيات الرئيسية والأحداث، بشكل يتناسب

مع خبرتها بالأنساق السردية،  وسردت لنا بتشويق لذيذ وعلى ألسنة الشخصيات، تفاصيل متخيلة غرائبية صادفها شين، فبدت كأنها نتاج الواقع برمته...

  بعد هذا العرض قررت أن

 أتطرق إلى جرأة الروائية د.وفاء عبد الرزاق في التوغل بجرأة نادرة إلى  التابوهات الثلاث:

الدين، الجنس السياسة.،

وفضحت حالات التحرش الجنسي والمثلية وزنا المحارم، حيث يمارس الرذيلة رجال الدين  والشياطين وأقرناؤهم ، وهم مقنعون بلباس التقوى، وترتع في دواخلهم ذئاب كاسرة لا تعرف غير

"الشيطنة" دينا ومذهبا لها...

واخترت عنوان:

- التصدي للثالوث المحرم

في رواية"دولة شين.

في الباب الأول قرود تعاشر الحمير ؛ والحصيلة ذرية مشوهة،  وأمير الذي كان زاهدا لو شم رائحة

طفيفة للخمر يقول "لا أله إلا الله" يتحول الدين عنده إلى عائق سرعان ما يتناساه أمام وحش بداخله، ومع هذا يعاشر المومس "إسراء"

ويتسلل إليه جسدها واصلا إلى كل أعضائه.  فيصبح عاجزا عن التخلي عن عاداته السيئة  ويقول

" أذا كانت تصرفاتي ضد ذاتي، فما هي ذاتي ياربي ؟ أنقذني منها

(ص ٣٥)

كان يدور في نفسه صراع داخلي بين متناقضات كالعيب والأخلاق والخير  والشر والدين والإيمان فهو يقول" الدين ليس سكينا ، إنه قناعة ورضا"

الشيوخ مثله محكومون بصراع داخلي عنيف بين التلاشي  أمام  الشهوات والتظاهر بين الناس بالزهد والتقوى ، فهم يتلون آية الفلق كلما مرت أمام أعينهم أي أنثى، ويقاضون الآخرين بقسوة، فيما  يرتكبون الموبقات والرذائل في الخفاء.

أنور وأمير دائما يلعنان الشيطان بعد أن يستفيقا من خطيئة اللذة:

"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم "(ص.٤١)

أمير يظن كغيره أنه محاط بقيود فرضتها القيم الاجتماعية والدينية، و "الكل يكبت مشاعره الدفينة تحسبا لرضى الآخرين وخوفا من سخطهم عليه."

أنور يتطلع إلى النساء في الخفاء لكنه ينتظر عودة المومس"إسراء" ويصحو على صوتها وينام...ويصبح فأرا أمام رغباته ولذائذه،

أخيرا يصبح أمير قوادا، يرمي بلحيته ويخلع جبته ويقول:

"للشيوخ ظلال قوادة،

وتحذيرات يرهبوننا فيها، ويهيئون لنا عقاب القبر ، فيما يمنحون أنفسهم هبات خاصة"

(ص ٤٦)

وهذه قصة "بشرى" التي سماها الجيران

"المرأة الشيطان" ولديها أيضا شيطانتها التي تقتفي إثرها وتقلدها، بشرى التي تبناها بعمر الخامسة رجل غريب من قرى نائية، جاء ملتحيا وادعى أنه إمام مسجد وعرف لاحقا أنه سجين هارب، لكن الأب هذا تحرش بالصغيرة واغتصبها فهربت منه في سن العاشرة،  ثم تحولت إلى مجرمة شريرة، تمقت

كل رجل ملتح، وتحاول إغواءه والإيقاع به في بيت لها، ثم تشج رأسه بالساطور....بعدها تحس بالارتياح إلى الشر الذي يحولها إلى شيطانة ترافقها

قرينتها الشيطانة الاخرى.

وتتجمع الشياطين وتنصت بشغف لحديث شيطانة بشرى ويفكرون بإنشاء عصابة شيطانية جديدة معها.

وهكذا تكبر العصابة وتزداد

مكرا وشرا مع قرنائها من الشياطين الذين يقلدونها ويحذون حذوها.

من الشياطين التي توالت

في باقي الأبواب، "برهان" راسم الأوشام و"بشيرالذي بدأ يرسم بعد تردد صورا للشياطين،  يجتمع شياطين أمير وأنور وإسراء وبشرى الأربعة،

ويدربون شيطاني برهان وبشير ليجلبوا لهم شياطين آخرين.

بعدها تتوالى وتتكاثر الشياطين وتتعدد... فنرى القتل والتمثيل بالجثث والخيانات الزوجية المتبادلة وممارسة السحاق

واللواط، وايضا السحر في قصة"جاسم" الذي يعالج طفلا أصابه الصرع،  كي يصل إلى أخته الحسناء فيتزوجها ويختفيان..

بعدها يحدث أن ينتخب أنور رئيسا ل"منظمة الغواية"

ويصبح أمير نائبا له، وتكثر

حوادث الاغتصاب والإغواء، وتموت امرأة نتيجة عملية إجهاض، كما تغوي "دينا" شقيقها الأصغر ويزيد عدد الشياطين في منظمة الغواية.

ثم تتوالى الفظائع والمحظورات وأكثرها فظاعة يحدث في البابين العاشر والحادي عشر، إذ يستدرج "رسول"

احد المجانين إلى مقبرة، ويمارس معه الجنس، ثم يغوي طفلة صغيرة فيقضي فعلته معها ثم يقتلها ويعيد تكرار الجريمة الشنعاء...

ام تغوي ابنها في زنا المحارم، فيقع في الشرك ثم يذبحها...

في الباب الثاني عشر، يقرر "شين" أن يستغني عن البشر ويبقي أسماء الشياطين الذين بلغ عددهم اثنين وثلاثين شيطانا ،تتقدمهم اسماء:

أمير ، أنور وإسراء،  مرورا

بخولة وخليل ودلال، وآخرون من الشياطين.

بعدها يؤسس "شين" دولة "شين"  برئاسة أنور وينتخب أمير نائبا له،

 ويتولى آخرون مناصب

 الداخلية  والخارجية والدفاع الخ

ويؤول كل شيء إلى  الخراب... ثم يعلقون على

جدران مدينتهم شعار" اليد الحمراء" تيمنا بالدم المراق

والمجازر .

في الخاتمة يعود شين إلى

المملكة مع صديقين قديمين له،

فيستقبله الملك الساكن في الأعالي بالترحاب قائلا

له" إن أردت أن تحيا بهدوء فلا تكترث لأيامك

السابقة"

وأيقن كل من في المملكة

أن "مؤسسة الشر هي التي تحكم العالم"

في الختام لا بد من القول إن الرواية غرائبية مذهلة وهي نتاج روائية متمرسة ملتزمة بهم المجتمع، لم تكتب الرواية لمجرد الإمتاع والترفيه، لكنها تبغي من خلالها  طرح مسائل إشكالية وأسئلة لامتناهية تعاني من تداعياتها مجتمعاتنا العربية

الآخذة في التراجع، على شتى الصعد والمستويات

الفكرية والعلمية والاجتماعيةوالسياسية  ...

كل ذلك بقصد مناقشة الأسباب التي تؤدي مثلا

إلى الشذوذ والشرور  بكل أشكالها  حد ارتكاب جرائم وحشية بمهارة وشيطنة وطمس معالم الجريمة  كليا.

على المستوى السياسي هناك أسئلة عن تلك الدولة

"الشينية" التي اسسها شياطين ملفقة وشكلوا لها حكومات فاسدة وجعلوا لها دساتير وقوانين فصلوها لتخدم مصالحهم

الشخصية بكل الزيف والفساد والعهر وإراقة الدماء...

تحياتي وخالص تقديري واعتزازي بالروائية المبدعة الغالية د.وفاء عبد الرزاق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق