دراسة مقدمة من الكاتبة : صفا شريف
دراسة أسلوبية
الأسلوب هو هوية الكاتب؟ طريقه ونهجه في الكتابة، لكل شاعر وكاتب أسلوب معين يميزه.
تتميز الأسلوبية بأنها تقرأ الطريقة التي تأسس عليها النص أو القصيدة، هذه الأسلوبية لها بعدين:
بعد بلاغي وبعد ألسني ، وهذان البعدان لايمكن فصلهما، وضع لهما العلماء القدامى أسسا تدرجت وتطورت من إلى ، بدأت قديما مع المسدي، العياش.. وصولا إلى جاكبسون ..ومازالت في تطور مستمر، وتنقسم إلى عدة مستويات :
المستوى اللغوي الدلالي
المستوى التركيبي
المستوى التصويري
المستوى الإيقاعي.
بداية أبدا بالمستوى اللغوي الدلالي، ومن الطبيعي أن نبدأ بالعنوان الذي هو أولى الكلمات التي تقع عليها أعيننا، هو ملخصٌ للنص، هو الصورة الأولية التي تُرسم في مخيلتنا..
العنوان: عمرٌ ينوء، هذا العنوان الذي شكل صدمة ..كيف لعمر أن ينوء؟ كيف يستطيع؟ ولماذا هذا البعد؟ وعن ماذا؟
يحمل هذا العنوان دلالة نفسية عميقة، تنبىء عن حزن وألم، دلالته ظاهرة وواضحة .
عنيد أنت يا ليلي، لماذا هذا العند؟ ليل الكاتبة عنيد!! هل عناده يدل على عدم انقضائه بسرعة، ومكوثه طويلا، أم لأنه حزين وكئيب؟ وسبب لها الأرق.
فرياحه الليلية الشمالية حزينة، الكاتبة تسكن جنوبا فتتعرض لهذه الرياح التي تذكرها بالشمال الحزين، الذي امتد حزنه ليصبح أكثر سوادا، وعتمة، فاختفت النجوم وضاعت بين الغيوم التي تنبىء بالمطر، صحيح أن الليل غطاء ساتر، إلا أن ستره هنا دليل حزن، أخفى فيه النجمات التي تهدي الإنسان إلى الطريق الصحيح، فيهطل المطر الذي يغسل خطايا الحب، والأرض والبشر، هطول المطر دليل بداية ثورة على ذاتها لتتخطى آلامها .
هذه الأفكار السوداوية عجيبة، هل للأرض خطايا؟ إن كان البشر أول من أحدث خطيئة عليها عندما قتل قابيل أخاه هابيل، ماذنب الأرض؟ الأرض التي كانت الشاهد الأخرس الذي احتوى جثته، أما خطايا الحب ..فهي كثيرة، ومن الحب ماقتل، إن كان القتل أحيانا للبغض، يكون أحيانا آخرى بدافع الحب، ليس البغض المحرك الأساسي للقتل فقط!
الليل ليس دائم الدلالة على الظلمة والحزن، هو مبشر بنهار جديد، هذا النهار الذي لا يقبل أن يأتي، فليل الكاتبة لا يريد الانسحاب، يكايدها يعاندها..فتستسلم، هنا استسلامها ليس نومها، استسلمت للذكريات التي حملت معولا لتحفر في رأسها، رقصت سعيدة في بداية ذكرياتها إلى وقت السحر، هذا الوقت الجميل الذي يلتئم فيه الإنسان مع نفسه بهدوء صاف، فيبوح بكل مكنوناته ..وهنا الكاتبة باحت واعترفت بعد استسلامها للليل، باحت عن قصة عشقها، من هو هذا العشيق؟ أهو طيف؟ أم حقيقة؟
أهو وطن؟ أم إنسان؟
أول ماباحت بعمرها الضائع، تتحسر على عمرها الذي ينساب بسرعة وهي مازالت على الدروب والطرقات، لم تصل إلى بر الأمان بعد، ذكريات أليمة فعلت الأفاعيل بها، ندبت ندوبا من الصعب تجاهلها، أو شفاؤها.
اللقاء حلم صعب المنال، حلم ضعيف، لكنه مازال يأتي إليها كي ترتوي بذكرياته فيعود النبض إليها من جديد، لكن هذا الالتقاء لا يكفي، لا يروي أرضها العطشى، تحاول الطير والبحث عنه، وتستعين بكل طيورها، كل آلامها وذكرياتها، تحاول سقيه من كلامها العذب، تحاول أن ترتمي بين يديه، فتقبل ترابه علها تستعيد شبابها الذي قضته فيه، تشعر بالحسرة والكِبر..
سارت الكاتبة خلال قصيدتها مسار رجعي، رجعت فيها إلى الذكريات..حاولت الارتواء من هذه الذكريات ..فربما يعود شبابها ..فتلاقي عمرها الضائع على الدروب، فترشده إلى الطريق الصحيح، فيشعر بالطمأنينة والسلام ، بدأت بالحزن الذي ضاق وضاق حتى انفرج اخيرا باعثة الأمل فيها من جديد.
_الحقل المعجمي الخاص بالطبيعة: ( ليلي، القمر، النجوم، المطر، الضبابات، الغمام، الأرض، التراب، رياحك، نسمة، صيف، السحر، طيوري،..)
_ الحقل المعجمي الخاص بالإنسان ( الحب، الشباب، العمر، النبض، العشق، حلم، الرقص، المداعبة، ..)
كل من هذه المفردات التي تنتمي إلى حقل معين التحمت في قصيدة واحدة لتعبر عن حالة معينة تمر بها الكاتبة، عادت الكاتبة إلى الطبيعة الأم ، بستها أحزانها، اختارت مفرداتها بعناية بعد ما اختارتها من الطبيعة، وحملتها دلالات أحزانها، أصبغت على الليل هالة القداسة، هو الشاهد الأزلي هنا، هو الآمر الناهي، لم يتركها حتى اعترفت ورقصت فباحت عما في نفسها، فارتاحت واستعادت الأمل من جديد .
اختارت بعناية عناصر الطبيعة القوية والمتجددة، تحدث تغييرا ملحوظ: المطر ..هو أساس الوجود ومجدد للدورة المائية على الأرض، هنا هو غاسل لخطايا الحب، الحب الذي من المفترض أن يكون المحرك الداخلي لكل ماهو جميل.
الرياح الشمالية التي هي مصدر قوة وتغيير، تحولت بعد الرقص نسمة صيف عند السحر.
المستوى التركيبي
العنوان مكون من مبتدأ وخبر، المبتدأ معرفة والخبر جملة فعلية.تركيب ثابت.
ننتقل إلى القصيدة: جاء مطلعها مركبا تركيبا إسناديا، فيه تقديم وتأخير، تقدم الخبر على المبتدأ،( عنيد أنت يا ليلي)،وهنا يوجد تحويل وتغيير في الهيئة.
( يا ليلي)نداء: جملة فعلية: حذف واجب، حذف المسند والمسند إليه، إخبار وبداية انفعال، انزياح في التركيب، تكرر في القصيدة أكثر من مرة، كما تنوعت التراكيب: تراكيب إضافية( انضبابات المطر، بعض الرواية..وسط الدروب.خطايا الحب) ، وبعض التراكيب النعتية والظرفية، لكن التراكيب الغالبة هي التراكيب الاسنادية، كما استمرت الجمل الاسمية( رياحك شمالية حزينة)، إلى أن تصل إلى فعل (لبست ) ، و( سرقت!)، هذا التحول من الجمل الأسمية التي تدل على الثبات إلى الجمل الفعلية دليل على الحركة،.القصيدة قائمة على بنية حركية متنامية تؤكد غلبة الجمل الفعلية على الاسمية، نمت القصيدة داخليا بناء على الحالة النفسية للكاتبة، كافة الجمل خبرية، دون وجود للجمل الطلبية، جدير بالذكر أن الضمائر الخاصة بالكاتبة ( أنا) / سأروي..أقبل..أرسل أستعيد ..عساني...،، و الضمائر العائدة إلى ( أنت ) الليل ..المذكر / تكايدني، تراقصني، ..لبست ..سرقت: قد تقاربتا، ويمكننا القول أن الليل( أنت) المخاطب هو الغالب وذلك نظرا لقوته أمامها، تبادلت معه المواقع: عنيد أنت ، تكايدني وتراقصتي وتداعبني أنت= سأروي، اجتزيء، أرسل ..أسقيه وأستعيد أنا/ تبادل المواقع بين أنت وأنا ..تصل في النهاية لفعل أستعيد ، هذا الفعل جعلها تنتصر على حزنها .
هناك نوع من التوازن من حيث التراكيب:
_سأروي لك كل الحكاية
_اجتزيء لك بعض الرواية
#
_ عمري يضيع وسط الدروب
_ذكريات حفرت أخاديدا وبعض الندوب ....
بدأت القصيدة بتركيب متغير فيه تقديم وتأخير، استمر هذا الواقع السوداوي المأساوي بين أخذ ورد، بين تحول وثبات ليصل في النهاية إلى الثبات : (أستعيد يوما، فيه، كنا شبابا.)
جملة تامة الأركان فعل وفاعل ومفعول فيه، وهذا يدل على عودة الثقة للكاتبة، وشعورها بارتياح نفسي نوعا ما .
المستوى التصويري والإيقاعي
العنوان بحد ذاته تشبيه، شبهت الكاتبة العمر الذي هو شيء حسي بالانسان، الأنسان يبتعد، أو نستطيع القول أنها شبهته بشيء نراه أمامنا ويبتعد، تخيلت العمر أمامها كشخص يبتعد ويبتعد، بينما نحن في الحقيقة لا نرى العمر، نرى أثاره فقط.
الليل عنيد! ، شبهت الليل بالإنسان، وحذفت الإنسان واستعملت صفة تابعة للانسان ( عنيد)، استعارة مكنية .
رياحك حزينة! استعارت الكاتبة فعل الحزن من الانسان واعطته للرياح .
لبست/ سرقت / خبأت ..جميعها أفعال خاصة بالإنسان، استعارتها الكاتبة منه وأعطتها للريح.
الليل ( يعاند، يكايد، يراقص، يداعب) جميعا استعارات مكنية خاصة بالبشر، حذفت الكاتبة الإنسان وكنيت عنه بأفعال خاصة به.
ذكريات حفرت / كذلك استعارة .
عساني أطير: شبهت نفسها بالطائر الذي يطير.
القصيدة مليئة بالاستعارات والتشابيه، أخذتها الكاتبة من الإنسان وأصبغتها على الطبيعة، أعطت هالة القداس لليل، الذي يعاندها ويراقصها كنسمة صيف عند السحر، فتستسلم له وتعترف، فتنقلب الموازين وتشبه نفسها بالطبيعة، فتصبح طيرا يطير، بل أميرة سرب ترسل كل طيورها إليه، وتصبح ملكة النحل فتسقيه شهدا مذابا، فترتاح باستعادتها يوما كانت فيه شابة.
احتوت القصيدة على موسيقى داخلية وخارجية : استخدمت الكاتبة كلمات ذات مدلول شاعري وحزين( ذكريات ..حزينة..العتمة..القمر..) هناك بعض الحروف تبث نغما حزينا عند استخدامها : ( النون في كلمة (عنيد، تواعبني، الندوب، ..) .(وللسين في لبست،سرقت،مسحورة،يغسل..) واللام (الليل، ليلي، حلم.)
التوازن في بعض الكلمات يحدث جرسا موسيقيا ( الدروب، الندوب) ( بعيد، يزيد)( إليه. يديه) ( مذابا، الترابا شبابا) ( الحكاية ، الرواية...)
القصيدة مترابطة فكريا، متسلسلة منطقيا، بدأت بالثبات ثم انتقلت للفاعلية، النداء الذي ولد عندها الانفعال، ايقظ مشاعرها ..وبعد ما تكلمت وباحت، ارتاحت وذلك بعد ما استعادت ذكريات شبابها .
قصيدة جميلة وغنية، تحياتي للكاتبة ولكل من قرأ قراءتي .