قراءة نقدية في "مؤتمن الأفكار"
للناقد والمفكر الدكتور صالح الطائي .
ساعة قابلت المؤلف "الدكتور صالح الطائي"والذي سبق أن تعرفت عليه بل على أحد مؤلفاته "نظرية فارسية التشيع" وللعلم فإنً للكاتب أكثر من 76 مؤلفا في البحث وايضاح ما ظلً ضبابيا أو مجهولا في عدة مواضيع تهم الانتماء والأدب والتاريخ والفلسفة . كاتب يقول في الصفحة 10" قررت ان أسعى إليهم بنفسي لأقدم لمن ألاقيه منهم كتابا مجانيا دون ان انتظر منه كلمة ثناء" لانه يؤمن بأن الابداع رسالة يجب أن تبلغ منتهاها كي تعم الفائدة وتسمو الذّائقة الفنية الأدبية وتلك اول إشارات الرقي والتحضر ونبذ العنف واحترام الرأي المخالف
ولحسن حظي أنني كنت منهم لما اهداني هذا الكتاب الذي وما أن تمعّنت في العنوان حتى أصابتني رهبة شفيفة. كتاب صنفه وفق منظومة "نقد وتنوير"
وخفت أن يكون عصيا على فهمي ومداركي المتواضعة في هذا الخضمّ المتلاطم والذي وان تكفل به جهابذة الادب والثقافة ووضعوا له مناهج بعضها واضحة جلية وبعضها عصيّة معقّدة مرهقة فإن الناقد يظل متذبذبا بين هذا وذاك خوف السقوط في سلخ النصوص أو النفخ فيها بما ليس فيها أو غبنها حقها وبخسها بخسا مهينا .
"مؤتمن الأفكار" كتاب في التنوير النقدي يتكون من "المقدمة "التي يوضح فيها الكاتب دواعي النقد وانواعه بطريقة إجمالية .
والكاتب لم يغب عنه أن العنوان يحتاج تبريرا وتفسيرا يجنب المتلقي حيرة هو في غنى عنها فأفرده بجزء عنوانه" سيمياء العنونة " ليطرح اسئلة الأرجح على الظن أنها مرتقبة من المتلقي والذي هو شرط أساس في العملية الإبداعية وهي:"هل صحيح ان الناقد مؤتمن على أفكار غيره ؟
والتفسير منطقي معقول حسب الكاتب ذي المرجعية الأخلاقية السلوكية المبدئية "النقد أمانة" وان الناقد لا يتصادم مع النص وانما "يسير بمحاذاته لكي يردم الهوة..."
ليخلص إلى تعديد انواع النقد الممكنة الجاري اتباعها في الحقل الادبي كله وهي ثمانية، يفصلها المؤلف تفصيلا منطقيا معقولا.
الكتاب مقسم الى ثلاثة محاور :
_المحور الاول :النقد بين الفطرة والعلم .
يستهل الدكتور صالح الطائي مؤلفه بتعديد عناصر العملية الإبداعية " المبدع /المتلقي /النص" والاهم من ذلك أن "النقد مهمة تخصصية بنائية" وبمنحى ابداعي ترغيبي يقول "من يطلب التمر يذهب إلى حيث تشمخ النخلة" إذن فالمطلوب السعي وبذل الجهد لنيل أعلى المراتب وفق النص المختار كموضوع للنقد. وفي ذلك حثّ للمنتج على صقل النص والارتفاع به إلى أعلى درجات الابداع شكلا ومضمونا.
ليؤكد بأن "النقد الحقيقي هو توجيه ضغط فكري على الكلمة والجملة والمضمون والأسلوب لاستجلاء جوهره الحقيقي"
*المحور الاول يتفرع إلى سبعة عشر عنوانا: كلها تبدأ ب ""النقد" مع صفة أو معطوف أو تمييز ، وفيها يبين المؤلف خصوصيات كل تقنية نقديّة ودورها في ايضاح النص واستجلاء ينابيع الابداع فيه وفق المناهج المعتمدة وانتماءات الناقد الأدبية والفكرية والعقائدية والاجتماعية..
هذا المحور وان اعتمد التنظير فإنه يعطي كل ذي حق حقه بتعديد أوجه النقد مع إمكانية الموازاة فيما بينها رغم اختلاف الآليات والمقاصد بل إن من النقاد من صنفه"بالناقد البريء" وهو العنوان الوحيد الذي ذكر فيه اسم الفاعل "الناقد" منعوتا ب"البريء". بقية العناوين "النقد"اعتمدت المصدر كمبتدإ يتبعه خبر أو صفة .... لبين النوع أو الغاية أو الطريقة والسبيل...أو كمعطوف عليه والمعطوف للمقارنة أو التكملة مثل"النقد والنظرية الأدبية" للموازاة والتساوي التفاعلي .
والمؤلف يستحضر في كل مراحل الدرس "المنتج والمنتـٓج والمتلقي "اعتمادا على نظرية التلقي التي تؤكد حق المتلقي في كل عمل ابداعي اعتمادا على رؤية "هانز روبرت جوس وولفنجانج. اي ان المتلقي يفكك النص وفق كلماته ومرجعيته الفكرية والثقافية والاجتماعية .والمقصود هو القارئ النخبوي الذي يسعى لسبر أغوار النص وفق منطلقات قد تتفق مع مخزون الكاتب الفكري والأدبي وقد تختلف معه.
والكاتب لم يغفل عن السيرة التاريخية للنقد منذ أرسطو الذي اهتم بفلسفة التلقي أو مفهوم الجمال في استقبال النص."
لأن النقد مثله مثل الأجناس الإبداعية تطور تطورا يجاري العصر والمؤثرات والمؤثثات الفكرية الثقافية المتغيرة باستمرار .
وان كان الكاتب قد عدد أصناف النقد ومجالاته وشروط ايفائه النص حقه فقد فتح أبوابا منها يمكن للعملية النقدية أن تكون حافزا لفهم خبايا النص وسد الثغرات واثراء للمفاهيم والمعاني التي قد يكون الباثّ قصدها قصدا عينيّا أو أنها من وحي الناقد الذي يجد لكل تأويل ركيزة وتبريرا كي لا يكون مجحفا و لا مسرفا في حق نص يهرش خباياه وفق آليات مضبوطة محددة يستسيغها الكاتب والمتلقي ويغي نظمها وأبعادها الفنية الأدبية والجمالية الذوقية التي تتماشى مع روح العصر . والكاتب لم يتوقف عند النظريات كاسس حتمية لبناء عملية إبداعية متكاملة يشد بعضها بعضا بل سعى الى أن يوضح هذه الحقائق ويعطي أمثلة تثري مؤلفه بنماذج من تجربته النقدية وذلك في المحور الثاني:
_المحور الثاني: ممارسة النّقد نصوص من تجربتي:
لقد بدأ المؤلف هذا المحور بتعليل الاختيار انطلاقا من تجربة اليمة في عهد صبغ بمرارة الظلم والاضطهاد الذي يغبن المبدع ويلاحقه كما يلاحق المجرمين وقد يعاقب ويسجن ويذوًب فقط لأن أفكاره لا تخدم الكرسي المتحكم أو كونها تكشف عن فكر تنويري ينادي بالحرية والمساواة والانعتاق .
النصوص المختارة هي قريبة في الزمن من مخاض الحاضر ويقر المؤلف بأنها تتلاءم مع روح العصر . كل ذلك مع التأكيد والتنويه على ضرورة القراءة والإقبال على الكتاب سموا معرفيا وصقلا لميولات الإنسان الإبداعية لضمان غد اجمل واحسن وأنقى بعيدا عن الظلاميين والمتجبرين .مؤكدا على توخي منهاج المدرسة الانطباعية باعتبارها مدرسة أدبية فنية قديمة من مخلفات القرن التاسع عشر و يرى أن النقد الانطباعي هو "محاولة لترصين المعنى وفق سياقات تتيح للمتلقي أن يأخذ نبذة شاملة عن كتاب ما تشجعه ربما أو تدفعه لأن يبحث عنه ويبدأ بقراءته مستشهدا بما قدمه الاستاذ "باقر جاسم محمد "من خصائص القراءة الانطباعية" هذه المدرسة التي أرسى لها كبار النقاد الغربيين أيضا مثل "جيل لومتر "و"ايميل فتجيه" وغيرهما والذين يؤكدون أن هذا المنهج يعتمد على التأثر الذاتي للناقد بالنص مع الاعتماد على عناصر موضوعية وأصول فنية ..والنصوص المختارة كلها مبررة معللة مثل "وحالما انتهت المعركة"للشاب الاديب الواسطي" عاصم غازي .والشاب كمال الدين وتعديد مبررات النص الموجود غربة واغترابا وبحثا عن موطن ولو في "نقطة"
والمؤلف لم يسه عن المنحى الديني في الابداع "المتصوف شعرا يحيى السماوي ....والقائمة تطول .وكل نص يصدره الكاتب ببسطة تضيء مسيرة الباث كي يجعل المتلقي على بينة من انتماء المنتج الديني والسياسي والفكري والثقافي وكأنه يمد القنطرة بين الباث والمتلقي .تبريرا واقناعا واثراء.
شعراء وكتاب احتفى بهم المؤلف وغاص في نصوصهم بمجهر شفاف منح بعضا من مساحته للمتلقي كي يغوص في نصوص واشعار ذات قيمة إبداعية عالية مؤثرة لكن بكاشف ضوئي منير درب المسيرة الإبداعية الأدبية.
_المحور الثالث:النقد ومشاريع الشعر المشتركة.
لأن اهتم المؤلف في المحورين الأولين بما هو موجود ماضيا وحاضرا من أجناس أدبية شعرا أو نثرا أو نقدا فإنه في هذا الباب يؤسس لمنشود يرقى بالذائقة الأدبية ويوفي الأنماط الابداعية حقها مستغربا من تجاهل النقاد للمشروعين الشرعيين اللذين قوبلا بالبرود والجفاء من قبل الدارسين وهما :
_مشروع قادة وطن
_ومشروع قصيدة جرح وطن.
المؤلف يأمل في تنبيه النقاد وحثهم على الاهتمام بالمشروعين خاصة وأنهما ينحوان إلى تعزيز الانتماء إلى الوطن مع التمدد الى القومية العربية دون تفريق أو تمييز معرفا بالظروف القهرية الحالية التي تستوجب الالتفاف حول هذا النوع من الادب الهادف الذي يعالج التصدعات السياسية والمذهبية والفكرية مع الدعوة إلى غد ثابت قوامه الفكر والثقافة والبناء والتشبث بثوابت الرقي والانفتاح على الآخر.
ليكون ظهر الغلاف خير ختام لمؤلف يتسع لمئات الصفحات دراسة وتحليلا واستنتاجا .لأن الكاتب يعتبر الكتابة "فن وسحر هادف نبيل ....المنتج الكتابي..لا يقل أهمية عن الاولاد في نظر والديهم ...."
كتاب اعتبره مرجعا قيما ومصدرا هاما لكل من برى في النقد عملية إبداعية تقوي الروابط بين الباث والمتلقي بل انها تزيد النص جمالا والحقيقة بروزا والفكر استنارة وتمد الجسور الصلبة بين الاجيال والأمم.
حبيبة محرزي
تونس





