الاثنين، 14 أغسطس 2023

قل للجمال.../ الأديبة: ذة: آمال السقاط الضخامة.***



 قل للجمال..........

قل للجمال :قبح إن بدا بلااخلاق
ما الجمال الا روح ونبعها الرقراق
اذ تروي الخصب من حب مغداق
وماجودة الزرع الا من يد الساقي
امرحساب ومعادلة، عطاء وبواق
كما جدت تجود، مسالةحسم راق
فانتق اسلوبك عند معاملة وارتق
سبحان علام الغيوب مفرق الأرزاق
اذ جعل القلوب ميزانا ،ليوم التلاقي
ذةآمال السقاط الضخامة.
قد تكون صورة ‏‏شخص واحد‏ و‏تحتوي على النص '‏معادلة الخوارزمي الرائعة سُئل الخوارزمي عالم الرياضيات عن الإنسان :فأجاب إذا كان الإنسان ذا اخلاق فهو 1= وإذا كان الإنسان ذا جمال فأضف الى الواحد صفراً 10= وإذ كان ذا مال ايضاً فأضِف صفراً آخر 100= وإذا كان ذا حسب ونسب فأضف صفراً آخر 1000= فإذا ذهب العدد واحد وهو الاخلاق ذهبت قيمة الإنسان وبقيت الأصفار‏'‏‏

الملحمة الأميرية من المقامة الجزائريّة ..للشاعر الجزائري نذير طيّار / قراءة/ بولمدايس عبد المالك...الجزائر***



 الملحمة الأميرية من المقامة الجزائريّة ..للشاعر الجزائري نذير طيّار

قراءة/ بولمدايس عبد المالك...الجزائر
الملحمة جمع ملاحم و تعرّفها "الموسوعة العربية العالمية بأنها :" قصيدة قصصية طويلة، تدور حول بطولات فائقة لأشخاص غير عاديين في الحرب، أو في السفر"، و "الأميرية" نسبة للأمير من الإمارة و السيّادة، و هي إشارة واضحة لشخصية الأمير عبد القادر الجزائريّ الذي كتب ملحمته البطوليّة ضد المستعمر الفرنسيّ الغاشم بمداد الإباء ورفض الظلم، و مقاومته إلى آخر نفس فيه ،و ترجمها الشّاعر الجزائريّ نذير طيّار في مقامة قصصيّة جمعت بين النّثر المرسل ،و نظم شعر التّفعيلة (الرجز/الكامل) فأخرج لنا جنسا أدبيّا لافتا سيكون محلّ قراءات و نقد و أبحاث ، و جريّا مع الشائع فقد سمّاها شعرا موظّفا تشكيلا جديدا ،و بتقنيات إخراجية تمتاز بالطول نسبيّا متجاهلا لصدور و أعجاز الأبيات الشعرية مع التنويع في اختيار الرّوي ليفتح لنفسه مجالات أرحب للتعبير، و إحاطة واسعة بموضوع ملحمته الذي يتطلّب الإطالة من جهة ،و حتى لا يرهق ذائقة القارئ بشكل رتيب واحد من جهة ثانية لأنّ النفس البشرية تنزع إلى التجديد و التنويع ،و التحليق في مقامات جديدة ،و للقارئ والذائقة الجمالية و النّقد البنّاء حريّة الحكم، و ترجيح كفّة الشعر من النثر .
تعمّد الشّاعر استدعاء لفظة "فاتحة" بالتنكير ليصطاد بها عصفورين في آن واحد ؛فكأنّ هذا المقطع بمثابة مقدمة أو تمهيدا لما سيستقبل ،و في نفس الوقت تبركّا بأسماء سورة الفاتحة ..سورة الحمد و الكافية و الشّافية ليشير ضمنيّا إلى هذه المقامات الرّفيعة غير أنّه و تفاديا لوقوع اللبس على القاري أتى بها بصيغة التنكير"فاتحة" مزيحا بذلك أيّ استشكال أو غموض قد يشوّش عن القارئ رؤيته الواضحة للمصطلحين و المفهومين ..و هذا ملمح بيانيّ بديع يندرج ضمن حسن المطالع التّي تحوي جرعات زائدة من التّشويق و الإغراء للقارئ و استمالة عواطفه..
مقام الشّذا...
"فاتحة" ..خطّة الشّاعر اقتضت أن تكون فاتحة الملحمة من الشّعر العمودي و اختار حرف السّين المكسور كرويّ، و هو من الحروف المهموسة التي لها دلالات بعيدة و عديدة ليس هنا مجال توضيحها و شرحها ..
و كذلك تعمّد الشّاعر أن يختتم قصيدته بنفس التّشكيل و الجنس مراعيا البحر و القافية و الرّويّ و ليس هذا من قبيل الصدفة مع تغيير بسيط في العنوان "إخلاص" ليجمع بين الحسنين ..تلميحا لسورة الإخلاص ..سورة التوحيد من جهة و ما تحمله هذه الكلمة من معاني الصدق و الوفاء و الولاء و التّأثر ..فكأنها قصيدة واحة فرّقت بينها نصوصا جمعت بين النثر و النّظم كما سبق ذكره..و هذا من حسن الخاتمة إن صحّ هذا التعبير ،و قد يطلق على هذه الخاتمة بحكم كون الملحمة قصّة "قفلة" و للقارئ في ذلك مندوحة و سعة..
و بلغة الرّياضيات فقد قسّم الشاعر قصيدته السينية إلى قطعتين تحوي كلّ منها على أربعة أبيات ،و عند الجمع بينهما نحصل على ثمانية أبيات شعريّة ،و هو الحدّ الأدنى لتسمية مقطوعة بقصيدة مكتملة الأركان على إحدى الأقوال و ما العنوان إلاّ من باب توجيه القارئ ،و إرشاده إلى مقاصد الشّاعر و توظيفاته ،و بذلك منح القارئ حريّة الاختيار بين قراءة القطعتين منفصلتين أو مجتمعتين و هذا من الإبداع و الدّهشة و الإضافة و الإمتاع..
آنسْتُ بَرْقَكَ في غيومِ نُعَاسي،
والشعرُ يَرْسُمُ رِعدةَ الإحساسِ.
وَسَقَيْتَني كَأْسَ التدبُّرِ ليـلةً،
يا صَحْوتي أبدًا بِتلك الكــاسِ.
وَنَسَجْتَ مِنْ وَجَعِ الطريق مَحَبَّةً
تَهَبُ الشتاءَ حرارةَ الأنْفـاسِ.
أنتَ الـمُوَحِّدُ بالتعدُّدِ مؤمنٌ،
بَصَمَاتِ ناسٍ، آيةً للناسِ.
في هذه الأبيات إشارات صوفيّة سنيّة ،و ملامح عشق صوفيّ طافقة بالأحاسيس الجيّاشة ،و المشاعر الملتهبة فكأنّ الشّاعر أراد بداية أن يلفت ذهن القارئ إلى حيثيّة تاريخية من حياة الأمير عبد القادر الجزائريّ ،و هي صوفيّته أو اتخاذه الطريقة الصّوفية منهجا و سبيلا للظفر ،و نيل مرضاة الله تعالى و رضوانه ..و لم يجنح الشّاعر إلى هذا الأسلوب عبثا بل ليربط فيما بعدُ و ما يليه من أبيات و نصوص بين شخصيتين بارزتين للأمير عبد القادر..شخصيّة الصّوفي النّاسك و شخصية المجاهد البطل المغوار اللتين كان لهما فعل السّحر و الأثر و الخلود ؛و كأنّه يجمع بين شخصيّتين كبرتين في التاريخ الإسلامي..الفضيل بن عياض و ابن المبارك رحمهما الله و قصّة الأبيات المشهورة:
يا عابدَ الحَرَمينِ لوْ أبصرْتَنا ... لَعلمْتَ أنّك في العبادةِ تَلْعبُ
مَنْ كان يَخْضِبُ خدَّهُ بدموعِهِ ... فَنُحُورُنا بِدِمَائِنا تَتَخَضَّبُ
أو كان يُتْعِبُ خيلَهُ في باطلٍ ... فخيولُنا يومَ الصَّبِيْحَةِ تَتْعبُ
رِيْحُ العَبِيْرِ لكمْ ونحنُ عبيرُنا ... رَهْجُ السَّنابكِ والغبارُ الأطْيبُ
و لشدّة ترابط هذه الأبيات ،و قوّة تلاحمها الموضوعي فمن الصّعب التّفريق بين أبياتها ،و قراءتها منفردة مستقلّة لذلك فسألجأ إلى قراءتها ككتلة نفسيّة شعوريّة واحدة أو دفقة إحساس عارم جعلت من الشاعر نذير طيّار مريدا صوفيّا من مريديّ الأمير عبد القادر ..
و لبيان شدّة تأثر الشّاعر نقف عند حقل دلالي حافل بالمعاني ،و بارز للعيان ألا وهو حقل الصوفيّة أو حقل السّلوك كما يحبّ ابن تيمية رحمه الله تسميته ..أكثر من خمسة عشر لفظ زيّنّ الشّاعر أبياته الأربعة بها : [الأنس/البرق/الإحساس/السّقيّ/الكأس/التّدبر/الليل/الصّحوة/الوجع/الطريق/المحبّة/الأنفاس/التوحيد/التّعدد/الإيمان] ، و الملاحظ بأنّ لجميع هذه الألفاظ عند الطرق الصّوفية حضورا بارزا في أدبياتهم و نصوصهم و أشعارهم، و لو رحنا نعدّد ذلك و نشرحه للزمنا صفحات بل أسفارا ..و لعلّ هذا الحقل الدّلالي قد أجاب على أسئلة كثيرة تختلج الوجدان كاشفا بذلك نوع و طبيعة شخصية الأمير الصوفيّة ،و تأثرّه بالأشاعرة في الاستدلال و زهدهم و إيثارهم لخلواتهم مع الله تعالى بعيدا من أعين النّاس ،و فوضى الأشياء و صخبها..و بهذا نلحظ شدّة تأثر الشاعر بسيرة الأمير و من وحيّ هذا التّأثر و الوفاء جاءت هذه المقامة و هلّت بركاتها فكان الأنس حاديها ،و البرق داعيها ،و الكأس ساقيها ثم آخرا الإيمان جامعها و مجراها و مرساها...
مقام الشذا
قسّم الشاعر ملحمته تقسيما بديعا مغتنما و موظّفا لــ:
- فنّ المقامة في تشكيل مقاطعها و تناغم موسيقاها.
- الاستفادة من فكرة المقامات الموسيقيّة عند العرب خاصة، و عند غيرهم عامة مقام الرصد و نهاوند ...
- اعتماد المناسبات و السيّاقات لعكس كلّ مرحلة من المراحل العمريّة للأمير عبد القادر..
- المزج بين مقامات الصّوفية في طريقهم إلى الله تعالى، و ما تفتحه هذه التّوظيفات الجديدة من فتوحات ربّانية تتناسب و طبيعة سيرة الأمير رحمه الله و ما تنتفتح عليه من أبعاد تداوليّة..
و التّعبير بالمقام دلالة على الدَّرَجة والمنزلة مصداقا للدعاء المأثور عقب كلّ رفع للأذان: " وابعثْهُ اللهم المقامَ المحمودَ الذي وَعَدْتَه " ،أي المكانة اللّائقة بخاتم الأنبياء و الرّسل...و تقسيم الملحمة إلى مقامات فيه بعد إيمانيّ مائز يفيد الإرتقاء ،و التحليق في مقامات و معارج السّمو الرّوحي و هذا ملمح إيمانيّ إنسانيّ لا يخلو منه مقطع من مقاطع ملحمة شاعرنا الأميرية ..
فأوّل مقام يفتتح به مقامته الأميرية : مقام الشّذا: و الشّذا أريج أو رائحة طيِّبة تفوح من الموادّ النّباتيّة ‏العطرة و هي إشارة أوليّة على بشارة مولد الأمير عبد القادر نو كأنّ لمولده إشارات ربّانية نورانيّة رآها المقرّبون منه لحظة ولادته تأسيّا بميلاد النبيّ محمد صلى الله عليه و سلّم الذي تزامنت مع ولادته بشائر كثيرة ذكرها أصحاب السيّر و التّراجم...
و هذا أوّل المقامات في سيرة هذا الأمير الصّغير حيث سنراه يتدرّج في الرّقيّ و السّمو ليبلغ أرقى المقامات العليّة،و أسمى الرّتب السّنيّة..
و للإشارة فقد سبق الشّاعر نذير طيّار شعراء نحوا هذا النحو في مثل هذا التشكيل كقول أحدهم: تبدى المقام وفاح الشذا
أو قول ابن الشّرقي في قصيدته: يا مقلتي هذا المقام الأكبر:
يا واحدي المصلوبُ في جهةِ الشَّذا... أدركْ صليبكَ في مقامِ النَّرجس!
و يوجد من هذا الكثير من الأمثلة لشعراء كثّر أيضا..
ما نلاحظه أوّلا على هذا التشكيل أو الجنس الأدبيّ جمعُ الشّاعر بين النظم و النثر، و اعتماده على بحريّ الكامل و الرّجز لتوافقهما و انسجامهما و تناغمهما ، و كذلك استخدامه لبعض علامات التنقيط كالنّقاط الثلاثة التي تفيد اختصار جملة و أكثر و بين معكوفتين التي تبرز خصوصية و أهميّة المنقول و الفواصل للتفريق بين أجزاء الجملة الواحدة المشتركة ، و النّقطة الواحدة التي تعني نهاية الفكرة و بداية فكرة ثانيّة و كأنّ تأثر الشّاعر بالرياضيات و علامات الحساب كان حاضرا بارزا ..
كما أنّ الشّاعر في هذه النصوص راعى الاختصار و التكثيف و الرمز و الإشارة و كلّها من خصوصيّات الشّعر بينما ترك له فسحات كبيرة وحريّة أرحب عند استخدامه لفن المقامة الذي يستوعب المزيد من المعاني ،و العديد من الجمل و المفردات.. و قد أتقن هذا الأسلوب أو هذه اللعبة الأسلوبية البيانية ،و برع فيها براعة لا نظير لها و قد وفّق في ذلك توفيقا كبيرا...
و يعتبر الشطر الثاني من البيت الأخير بمثابة القفلة لما سبق من الأبيات ،إذيعدّ دعوة صريحة للاقتداء بسيّر هؤلاء الأبطال الميامين "بصمات ناس،آية للناسِ" فعلى قلة عدد كلمات هذا العجز إلاّ أنّه لخص القصيدة برمّتها و ليذّكّرنا بقوله تعالى:"الذين قال لهم النّاس إنّ النّاس قد جمعوا لكم" غير أنّ الشاعر عنى بالنّاس في قوله"بصمات" مآثر الأوائل و بطولاتهم و مواقفه و بالنّاس في قوله" آية للناس" الأجيال و الأبناء التي تأتي من بعدهم و هذا ربط عجيب بين الأول و الآخر و دليل على وحدة الطريق و الهدف و الغاية و الوسيلة ،و هذا من الأبعاد التّداولية المهمّة في قصيدة شاعرنا نذير طيّار أو من خصائص التّراكميّة كما هو معروف..
بدأ ملحمته بثلاثة نقاط ليضرب عصفورين بحجر واحد.. الّدخول في الموضوع أولا و إيثاره الاختصار ثانيا بإشعار القارئ اعتماد الشّاعر على أهمّ عناصر سيرة الأمير عبد القادر ،و مكتفيّا بنزر منها، و لا تزال جوانب أخرى من سيرته لم يرغب الشاعر ذكرها و سردها تفاديا للملل و التّطويل ..
...وَأَتَتْ عَلَى رَجَبٍ أواخِرُه ربيعًا، بعد فتحِ الهجرة المأوى بِأَلفٍ، فَاثْنتَيْنِ، وعَشرتيْن تَقفَّتَا مئتيْ سنَهْ.
شمسٌ تُوَدِّعُ راعيًا أرخى العنانَ لِنايِهِ، ريحٌ تُراقِصُ سُنبُلاتِ "الـﭭِيطَنَهْ" .
قمَرٌ تَعَرْجَنَ حالمًا، يتأمَّل الآتي بِضوءٍ لا يشيخ مسافرٍ من نائياتِ الأزمنهْ.
يهوي مساءً ساجدًا، يدنو، يسامرُ نجمةً ذَهَبِيةً في مِئْذَنَهْ.
وفراشةٌ تنسلُّ للحقل المجاور كي تبوح بِسرِّها للسَّوسنهْ:
«بُشرى لِـمُحيِ الدين، لِـ"غْريسٍ"، لنا، لكمُ،
لِـ"زهرتِنا" شذًا عَبَقتْ بِشاعرنا الذي يستلُّ روحهُ كيْ يُطَهِّرَ مَوْطِنَهْ»
بلغة تجمع بين التجريد التّاريخي، و روح فن المقامة ،و آليات الشعر يفتتح الشاعر طيار ندير قصيدته الملحميّة محدّدا نثرا ،و على طريقة الأقدمين في تعيين التواريخ قبل ظهور الأرقام العربيّة لحظة ميلاد الأمير عبد القادر في 15 رجب 1223 هجرية الموافق ليوم الثلاثاء 06 سبتمبر 1808 بقرية "القيطنة" بالقرب من ولاية معسكر غرب الجزائر المحروسة.. و للهروب من جفاف لغة التّاريخ و صلادتها "لغة الأرقام" ضمّن هذا المقام أو المرحلة العمرية لغة الشعر، و الإحساس و الجمال مبرزا الفرحة العارمة التي سادت بيت الأمير لحظة ولادته و شدّة تأثر والديه محيّ الدين و الزهراء[الزهرة بنت الشيخ سيدي بودرمة] و كذا قبائل و أهالي سهل "غريس" بمعسكر ؛فكانت ولادته بشرى للجميع و للجزائر خاصة...و إذا أردنا أن نعكس ذلك الجوّ البهيج لحظة ولادة الأمير فلنقف على حقل آخر يدخل ضمن حقل الميلاد و الذي ضمّ ألفاظا كثيرة كلّها اجتمعت و تظافرت لتعكس تلك اللحظة المميّزة و التي منها: [الشمس/النّاي/التراقص/السنبلات/القمر/العرجون/الحلم/الأمل/الضوء/السّجود/الدّنوّ/الفراشة/الحقل/البوح/ السوسنة/البشرى/الشذا/العبق] ،كلّ هذا الكمّ الهائل من الألفاظ يعكس بجلاء مدى فرحة العائلة ،و القرية بميلاد هذا الأمير المستقبلي الذي سيكون له شأن كبير و حاسم في تاريخ الجزائر الثّائر..
و من اللّائق أن أقف برهة مع لفظة "السجود" ،و مناسبته للحظة الميلاد إذ من عادة الأسر الجزائرية أنّه إذا وُلد لها ابن – ذكرا أو أنثى – يسارعون للسجود كعلامة على رضاهم بما وهبهم الله تعالى ،و كذلك كان شأن محي الدين والد الأمير عبد القادر المحتفل به.. و للقارئ بعد ذلك استنطاق تلك الألفاظ و السيّاحة في مجاني معانيها و الوقوف عند كنوزها و أسرارها ..و تلك بضاعة غاليّة نفيسة ..
مقام الظل
من مقام الشّذا ارتقاء إلى مقام الظلّ هي رحلة الأمير عبد القادر ..هذا الفتى الذي حظي بتربة خاصة، و عناية فائقة متقلّبا بين حياة العزّ ،و حياة العلم بعيدا عن الأضواء و الشهرة التي تفتح أبواب الغيرة و الحسد ،و تجلب خيول الشّر و الانتقام ..
هذا المحضن الآمن الغامر بالحبّ و الحنان أو بمصطلح الشاعر "مقام الظلّ" ، و للظل معان كثيرة حافلة و هو عند الصوفية معنى خاص و يعنون به "كلّ ما سوى الله من أعيان الكائنات" و هي إشارة صوفية أخرى تعكس طبيعة المحضن التّربوي الذي تربّى فيه الفتى الأمير.. و إن شئت عنيت به "الزاوية" التي كانت بمثابة المدرسة ، أو المعهد جاز لك ذلك و محصّلة كلّ ما سبق الإشارة إليه هو نشأة الأمير عبد القادر في أسرة علم و زهد و ورع ..
و كما يعلم الجميع فإنّ الظل انعكاس النّور في الأشياء و هو ملمح صوفيّ و كأنّ الأمير عبد القادر قد ربيّ تربية صوفيّة خاصة و هيّأ لما سيأتي مستقبلا من تبعات و مسؤوليات ،و أمانات تنوء بحملها الجبال و مثل هؤلاء الرّجال وجب إخفاءهم عن العيون و الأنظار...و إذا أرنا أن الإنفتاح أكثر فالظل انعكاس للشّجرة الأم أو الأصل و هي إشارات لبيعة الرّضوان الأولى تحت الشّجرة المباركة "إذ يبايعونك تحت الشجرة" كعلامة من علامات رضى الله تعالى ،و مبشّرات أوليّة عن ظهور شخصيّة مميّزة خاصة و هذا من الفيوضات الرّبانية ...
لَهُ مِنْ فُصُوصِ الحِكمة العُلْيا فُيوضاتُ التجلِّي بعد تنزيهِ الأحدْ.
التّعبير بفصوص الحكمة فيه إشارة إلى طبيعة العلم الذي أُشربه الأمير الفتى ،و المنهج الذي ارتضاه ..و كتاب "فصوص الحكم" لابن عربيّ من تلك المناهل التي نهل منها الأمير و لا يخفى ما في هذا الكتاب من فوائد و فنون و تجلّيات و كشوفات.. و لمقام "التّجلي" و هو من مقامات التّصوف ذكر خاصّ في هذه الملحمة ، و للتجلّي عند الصوفية مقامات و أحوال من مكاشفة و استتار مع ضرورة تنزيه الله تعالى ،و عدم الوقوع في تلك المحاذير من اتحاد و حلول ..
صُبْحٌ تَنَفَّسَ بِالفلاح تَدَلَّى،
لِفتًى إلى بِكْرِ الظِلال تولَّى،
لمَّا رأى بالقلب ريحًا صرصرًا لن تُفلِتَ الرُّوح-الجسدْ.
هُوَ فارسُ الخلواتِ، صيَّادٌ لأحوالٍ وأوقاتٍ، دنا فتحلَّى،
ظَمِئًا، على أثر الرسول مُيَمِّمًا نورَ الصمدْ.
له في "فتوحات" "المواقف" ألفُ بابٍ كلَّما رامَ الدخولَ تخلَّى،
نفْسًا سَيَفْطِمُ باكرًا حتى يُحلِّقَ في الأبدْ.
عقلٌ تَخلَّص للمُكوِّن، صادَق الأكوانَ،
ويرى الأنا في الآخر النائي، يرى الإيمانَ،
قلبٌ توضَّأ بالمحبة كيْ تَصِحَّ صلاتُهُ، والـمُبطلانِ غرورُهُ ثُمَّ الحسدْ.
في هذا المقطع يزيح الشاعر نذير طيار بعض السُّتر ليكشف عن طبيعة تصوّف الأمير ،و عن نوعية المصادر و المراجع التي نهل منها حفظا و شرحا ودراسة و تأمّلا .. و بلغة الشّاعر التجريدي ،و بكثير من الحذر يلج بنا إلى تلك المقامات السّنيّة ، و الفتوحات الرّبانية .. و قد ضمّن الشّاعر بعض عناوين الكتب التي غرف منها الأمير مثل :كتاب الفتوحات الرّبانية على الأذكار النّووية لابن علان و كتاب المواقف في علم الكلام لعضد الدّين الإنجي...
فعلم المنطق و الكلام و التّصوّف و الأذكار، و الخلوات كلّها مناهل رضع منها الأمير عبد القادر..و من باب الفائدة ننشأ حقلا دلاليا آخر يجمع بين التّصوف ،و علم الكلام لبيان ما تقدّم ذكره : [الظلال/القلب/الروح/الجسد/ /الخلوات/الأحوال/الأوقات/التحلية/الظمأ/النور/التخلية/الفطام/التحليق/الأبد/العقل/الخلاص/المكوّن/الأكوان/الأنا/الآخر/الوضوء/المحبة/الصلاة]... و لو أتينا لفك شفرات هذه المصطلحات الصوفية و الفلسفية للزمنا سفرا كاملا لذلك نكتفي بالإشارة عن العبارة و بالتلميح لا بالتّصريح..
نلاحظ في هذا المقطع كثرة اقتباسات الشاعر من القرآن الكريم من ذلك قوله:" صُبْحٌ تَنَفَّسَ بِالفلاح تَدَلَّى،" (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى) ، و" لِفتًى إلى بِكْرِ الظِلال تولَّى،" إشارة لقوله تعالى: (فلمّا تولّى إلى الظلّ) ..و قوله: "ظَمِئًا، على أثر الرسول مُيَمِّمًا نورَ الصمدْ." إشارة إلى قوله تعالى : (فقبضت قبضة من أثر الرّسول) و غيرها ..ليختم هذا المقطع بتوجيه القارئ إلى سرّ تلك التّربية ،و النبوغ و المتمثّل في ضرورة هجر عائقيّن من عوائق السيّر و الارتقاء في منازل السّائرين ألا و هما الغرور و الحسد عندما صرّح قائلا : "والـمُبطلانِ غرورُهُ ثُمَّ الحسدْ"..أي لا يصلح لهذا الطريق من لم يتخلّ عن الحسد و الغرور إذ هما من مبطلات الطريق و مفسداته ..
مقام الشروق
و الشروق أو المشرق من مقامات التجلّي وهو دلالة على الإضاءة و الفتوحات و الانكشافات ،يقول ابن عربي في فصوص الحكم:"و الشّروق للظهور و عالم الملك و الشّهادة و الغروب للستر و عالم الغيب و الملكوت" [ج2 ، ص.646]..إنّ سبب اختيار الشّاعر لمسميات هذه المقامات كما هو واضح تأثّره بكتاب فصوص الحكم الذي يكشف فيه المؤلف عن فلسفة صوفيّة فريدة صدمت العقول، و أبهرت النّفوس و لا تزال محلّ بحث و نقاش و جدل هذا الظاهر..، أما الخفيّ المستور فأراد الشّاعر أن يبيّن لنا شغف الأمير الكبير منذ نعومة أظافره و هو ابن سبع للرحلة و السّفر ،و أخذ العلم من أفواه أصحابه و لو كانوا في الصّين..و قد تحقّقت أمنيته وهو ابن اثني عشرة سنة ليقوم برحلته المشرقيّة رفقة أبيه محيّ الدّين محقّقا بداية ظهور نبوغه أو بتعبير الشاعر "الشروق" و هي لحظة ظهور الجرم السّماوي على الأفق معلنا بداية يوم حافل يعجّ بالحركة و النّشاط..
عَشِقَ المعارفَ، في الفؤاد كلامُهُ ، حُلُمٌ مشى فوق النجوم ولم يطأْ إثنيْ عشَرْ.
مِنْ قبلِ خمسٍ أشرقتْ تحت الأناملِ واللسانِ حروفُ،
يشير الشّاعر إلى نيل الأمير عبد القادر و هو ابن سبع الإجازة في القرآن الكريم و الحديث النّبويّ الشريف، و تلك علامة من علامات الشّروق التي تنبأ بمسقبل مائز لهذا الفتى الطامح المثابر الثّائر..
فَجْرُ العظائمِ ناصِعٌ في خيطهِ، قنديلُ رؤيا والعبارةُ كالفراشِ تَطُوفُ،
غَرَفَ العناية أَنْهُرًا مِنْ والدٍ قرأ الفرائدَ في خُطَى طفلٍ عَثَرْ.
الآن تُعزَفُ نفحةٌ قُدُسيةٌ إيقاعها للعاشقين شُفُوفُ،
حَجَّا معًا، عامان مَرَّا، فاشتهتْ روحَ المُريدِ مسافةٌ وقطوفُ،
طافا بقاهرة المعزِّ، ويَمَّما شطْرَ الحَرام، وَقُطْبُ جيلانَ المقرْ .
و من أجل تحقيق حلمه ،و اكتمال معارفه ،و صقل معلوماته جعل من الرحلة و أدبها سببا و سبيلا ..و يذكر الشاعر بعض محطّات وجهته تصريحا و تلميحا حيث ذكر منها مصر "طافا بقاهرة المعزّ " ،و المملكة العربيّة السّعودية " و يمّما شطر الحرام" ، ثم ختم رحلتهما بالعراق "و قطب جيلان المقر" و أراد جيلان العراق مضمّنا اسم الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله تعالى ..و يذكر الشّاعر أيضا قيامهما بحجة في بيت الله الحرام مما فتح له شهيّة مواصلة المغامرة و القيام برحلته تلك...
و في هذا المقطع "مقام الشّروق" يلاحظ القارئ نبوغ الأمير ،و عبقريته منذ الصغر ،وحبّه الكبير لاغتراف المعارف، و العلوم ،و النّهل من مظانها ،و بحارها مما مكّنه من حيازة دقائقها و أسرارها الخفيّة ، يعكس ذلك قول الشّاعر:" الآن تُعزَفُ نفحةٌ قُدُسيةٌ إيقاعها للعاشقين شُفُوفُ،" أي نال جلائل العلوم و دقائقها .. و قد أشاد الشّاعر بدور أبيه محيّ الدين في العناية بابنه منذ الصّغر ،و عمله الجبّار في تكوين شخصيته ،و تفجير مواهبه بعدما اكتشف موهبته حيث قال: "غَرَفَ العناية أَنْهُرًا مِنْ والدٍ قرأ الفرائدَ في خُطَى طفلٍ عَثَرْ." ..و لم يشأ الشاعر الإطالة في سرد و وصف هذه المرحلة العمرية مكتفيا بإشارات تلفّعت بالقدسية و النبوغ و الشروق كدلالة ،و إشارة على شأن هذا الفتى في المستقبل القريب..
مقام النار
مقام النّار من المقامات الصّوفية الرّفيعة لأنّ لهم تفسيرهم الخاص للنّار ..فالنّار عندهم أنواع: نار الشّهوة، و نار الشّقاوة ،و نار القطيعة ،و نار المحبّة التي تحرق كلّ النيران السّابقة ..و هذا تفسير معروف و مأثور عن الصوفية .. و بهذا التّخريج تتناغم المقامات الأربع في ملحمة الشاعر نذير طيّار ..هذا الملمح الصوفيّ جريّا ،و قياسا على سابقيه من المقامات الثلاثة..مقام الشذا و مقام الظل و مقام الشّروق.. و قد أشار الشاعر إلى هذا صراحة حين قال: "مُتَوَهَّجِينَ بِشوقهِمْ وَمُدَجَّجِينَ بِعِشقهِمْ، يستنشِقُ الحُجَّاجُ عِطْرَ تُرابهِمْ إثْرَ المطرْ." ،و بذلك نسير مع الحادي سموّا ، و ارتقاء في تلك المقامات الصوفية ،و المراتب العليّة ..
و كما بدأ ملحتمه بثلاث نقاط تعمّد بداية ختامها بثلاث نقاط أيضا مشيرا بذلك إلى تجاوزه عن ذكر تفصيلات تاريخية مجالاتهاو مظانها بطون كتب التّاريخ ،و ما أثر من أخبار و أحداث ..
...وَاجتازَ عبدُ القادر العشرينَ، فاختلقتْ فرنسا عُذرَها لِذُنُوبِهَا مِنْ مِرْوَحَهْ،
بالشرق أحمدُ بيتُه في حصنِه، بِالغرب مُحْيِ الدِّينِ صَدَّ المذْبَحَهْ،
حَرْبُ العصابة سِرُّهُ جمرٌ لهيبٌ مِنْ صَقَرْ.
في هذا المقطع يبلغ الأمير عبد القادر عتبة زهرة الحياة.. عمر العشرين سنة ..حماس فيّاض، و حركة مستمرّة.. و أحلام كثيرة تنتظره في الأفق ، و مهام أكبر تستفزّه ؛غير أنّ هذه المرحلة الحافلة تخلّلتها حادثة المروحة المختلقة في 29 أبريل 1827م التي كانت الذريعة أو السبب غير المباشر لإعلان فرنسا الحرب على الجزائر ، ومن ثم احتلالها لها سنة 1830م لمدة بلغت 132سنة كما تؤكّدها الوقائع التّاريخية حيث جرت أحداثها في قصر الداي حسين عندما جاء القنصل الفرنسي "بيار دوفال" إلى قصر الداي يوم عيد الفطر..و بذلك اندلعت الحرب بين أحرار الجزائر، و الغازي المستبدّ فرنسا على جبهتين كما قال الشاعر..ففي الشرق الجزائري يقود الداي أحمد حملة الدّفاع عن الوطن و في الغرب تصدّى للدفاع عن كرامة الوطن أب الأمير محي الدينو أجناده ..و كانت خطّة الشيخ محي الدين في المواجهة ،و التّصدي انتهاج سياسة الكرّ و الفرّ في شكل عصابات ،أو كتائب قليلة العدد سريعة الحركة عظيمة التأثير و الأثر ..فكان دفاعه هذا بمثابة جمر ملتهب رجم به جيش فرنسا الهمجيّ الغاصب كما عبّر الشّاعر.. و تستمرّ المعركة و يحتدم أوارها ،و يجتمع القوم للتّشاور ،و تحديد الرأي المناسب ،و الموقف المكافئ لصدّ همجيّة فرنسا..
ردَّ الحكيمُ على كبارٍ محَّضُوهُ ولاءَهُمْ،
«هَرِمٌ أنا، كَبُرَتْ عليَّ إمارةٌ، وَفَتايَ عقلٌ، في النوازل أسلِموهُ زِمَامَكُمْ»
هيَ بَيْعةُ الدَّرْدَارَةِ الوُثْقَى، سبيلٌ قدْ قُدِرْ.
و ملخّص هذا المقطع تنازل الشيخ محي الدين الحسيني لولده "عبد القادر" ،و مطالبة أعيان و شيوخ قبيلته بالبيعة لابنه الأمير تاركا لهم اتخاذ قرارهم السيّد بعد التشاور فيما بينهم على أن يكون الموعد المقبل في سهل "غريس" تحت شجرة "الدردارة "صباح الاثنين 27 نوفمبر 1832م حيث تمت مبايعة الأمير عبد القادر في نفس المكان وفي نفس التاريخ المحدّد مطلقين عليه لقب «ناصر الدين» وكانت هذه هي "البيعة الأولى" كما يقول الباحثون...
يَا ناصرَ الدين القويمِ أبَا الليالِي والنَّهارْ ،
يا مَنْ أَذَقْتَ فُلولَهمْ كأسَ المذلَّةِ والصَّغارْ،
في المقطع العادونَ قدْ غَرِقُوا زُمَرْ.
جَاؤوكَ يبْغُونَ السَّلامَ بِمَكْرِهِمْ، أَنْتَ الذي أوْجَعْتَهُمْ عند القِتَالْ،
الناقضون عهودَهُمْ، أَسَرُوا "رجالًا للرجالِ هُمُ الرجالْ"،
هُوَ كيدُها، لكنَّما كيدُ الإلهِ يجيءُ واحدةً كلمحٍ بِالبَصَرْ.
يا مسلِمًا سَلَّ النَّصارى مِنْ فَمِ الأفعى رِجَالُهْ،
و يكشف هذا المقطع بطولات الأمير عبد القادر و كفاحه المستميت بالليل و النّهار و قد أذاق فلول المغتصب المذلّة و الصغار ،و قتل منهم جماعات جماعات حتى ألجأهم إلى طلب الأمان ،،و عقد معاهدة سلم و كان لهم ذلك لكنّ المحتل الغاشم سرعان ما نقض عهده فمثله مثل الأفعى متى أحسّت بالدفء و الأمان إلاّ و لدغت صاحبها لذغا مميتا ..، ثمّ يختم الشّاعر هذا المقطع بمشهد حزين كئيب يحكي استسلام الأمير عبد القادر واختياره المنفى طوعا و قد اختار سوريا وأهل الشّام ..
يا زائرًا عَشِقَتْ دِمَشْقُ مُقَامَهُ، وأضاءتِ المنفى خِصَالُهْ،
أيُّ القوافي ترتقي لِنُجومِهِ؟ أيُّ المتون لِكَونِ فِقْهِهِ تَخْتَصِرْ؟
و بهذين البيتين يسدل الشّاعر السّتار عن أحداث ملحمته الأميريّة مبيّنا حسن استقباله ،و ضيافته من طرف أهل الشّام الأحرار النّشامى، و استمرّت عطاءاته لم ينقطع حبل وصلها فألف المتون الفقهية ،و الكتب الشرعيّة فوصل بذلك جهاد السيف بجهاد القلم فأبدع في الجهاديْن..فرحم الله تعالى الأمير و جنده المغاوير..
اختتم الشّاعر الجزائري ندير طيار ملحمته البطولية كما بدأها بأربعة أبيات عموديّة سينية كدلالة على إيثاره الشكل العموديّ على شعر التفعيلة الحرّ مع انفتاحه على الشعر الحرّ الهادف النّاضج..فكأنّ المقطعين بمثابة فتح قوسين أو فتح ذراعين للوافد دون التّفريط في الموروث ..و تلك إشارة خفيّة جليلة..
إخلاص
ضاقتْ رحًى واستحْكَمَتْ حَلَقاتُها،
والجَارُ خَانَكَ في الزمانِ القاسي.
أَبْدَعْتَ عاصمةً تسيرُ بأهلهـا ،
غدْرًا هَوَتْ فانهدَّ رُكْنُ أساسِ.
وَزَرَعْتَ في التاريخ ثورةَ عابِدٍ،
ذاقَ الجَنَى بِقِيامةِ الأَورَاسِ.
ما خُنْتَ لَحْنًا بالسلاح عَزَفْتَهُ
سبْعًا وعشرًا، يا شَديدَ البَاسِ.
و يدفع الحنين الشّاعر إلى معشوقه الشعر العموديّ فيبدع كعادته فيه ،و يأتي بالجديد محقّقا بذلك دهشة القارئ، و استمالة عواطفه إلى شفيف شعره ،و جميل نظمه ،و عمق معانيه ،و سموّ مقاصده..
"إخلاص" إشارة كما سبق ذكره إلى سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن، و في نفس الوقت إعلان صريح لاستمرار حياة الأمير في منفاه في ظلّ الوفاء لمبادئه و قناعاته و وطنه ،و أنّ النّفيّ لم يزده إلا تشبتا بقضيّته و وفاء ، و استمرارا و تحديّا.. في الشّطر الأول من البيت الأول: " ضاقتْ رحًى واستحْكَمَتْ حَلَقاتُها، " اقتباس من قول الإمام الشّافعي:
وَلَرُبَّ نازِلَةٍ يَضيقُ لَها الفَتى
ذَرعاً وَعِندَ اللَهِ مِنها المَخرَجُ
ضاقَت فَلَمّا اِستَحكَمَت حَلَقاتُها
فُرِجَت وَكُنتُ أَظُنُّها لا تُفرَجُ
و هذه إشارة ذكيّة من الشّاعر إذ يجعلك في منأى عن تكرار المعنى بالاهتداء إلى المعاني التي ساقها الشافعي رحمه الله أي و عند الله المخرج و بيده الفرج و في هذا الأسلوب من حسن الاختصار و الإشارة ما يغني القارئ و يروي عطشه غير أنّ الشّطر الثاني يعكس تخلّف الجار عن نصرة الأمير بالرغم من وحدة الوطن و الدين و المصير " و الجار خانك في الزمن القاسي" من بعد ما أسست دولة مدنيّة كاملة الأركان غير أنّ كثرة الخيانات ،و الدّسائس هدّت أركانها ، و أتت على أساسها ، و هذا الأسلوب هو من باب رثاء الوطن بكائياته لكن الشاعر يستدرك و يخفّف من وقع المؤسسات بأنّ الأمير قد نجح في زرع بذور الثورة في نفوس الثائرين الأحرار لتتوّج بثورة عارمة فاصلة كان مطلعها ليلة يوم الإثنين من أول نوفمبر من على جبال الأوراس الشامخة.. و يرجع الشّاعر سبب استمرار ،و انتصار حركة الثّوار إلى طبيعة المنهج الصّوفي "ثورة عابد" الذي يرفض الذل و الضغار و السّكينة ..فمن طبيعة مقام النّار أنّه يذيب الطبائع و الأنانية و حبّ الذات فيخرج خبثها و يترك أصيلها خالصا نصوحا ..ثم يختم قطعته السّينية بقوله:
ما خُنْتَ لَحْنًا بالسلاح عَزَفْتَهُ
سبْعًا وعشرًا، يا شَديدَ البَاسِ
و ها هو الشّاعر نذير طيّار يقتبس مرّة أخرى و ذلك في قوله: "ما خنت لحنا بالسّلاح عزفته" من النّشيد الوطني الجزائري:
لم يكن يصغى لنا لما نطقنا
فاتخذنا رنة البارود وزنا
و عزفنا نغمة الرشاش لحنا
وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر
فاشهدوا... فاشهدوا... فاشهدوا...
و محل الشّاهد "و عزفنا نغمة الرّشاش لحنا" ، و بذلك يربط بين جيلين بل بين أجيال متعاقبة مبرزا طبيعة نفسية الشعب الجزائري الثّائر التي ترفض الخنوع و الاستسلام للضيم و الظلم مهما كانت قوّته و بطشه .. و بذلك يسدل السّتار عن ثورة دامت سبع عشرة سنة كما أثبتها في عجز الشّطر الأخير: "سبْعًا وعشرًا، يا شَديدَ البَاسِ" أظهر فيها الأمير بأسا شديدا و بسالة منقطعة النّظير ...
و في ختام القراءة حقّ للقارئ أن يسأل :
- هل وُفّق الشّاعر نذير طيّار في صياغة ملحمة شعريّة تعكس بطولات الأمير عبد القادر و حياته الثّائرة؟
- هل مزجه بين النّظم و النثر كان له الوقع الكافي في نفسية القرّاء أم أنّ مثل هذا التشكيل الأدبي قد أثّر سلبا على الذائقة الجمالية و الأذن الموسيقية للقرّاء أو العكس؟
- ما مدى توفيقه في استخدامه لمقامات الصّوفيّة في عكس الفترات ااتاريخية ، و العمرية للأمير ما له و ما عليه؟
- هل كان اختياره للرويّ و القافية عن قصد أم الحدث التاريخي أو الجغرافي حتّم عليه ذلك مثل "القيطنه" المذبحه"..؟
أترك الإجابة عن هذه التساؤلات إلى القرّاء أولا ،و إلى النّقاد ثانيا ..و قد ضمّنت إجابتي كقارئ في هذه القراءة المستفيضة ،و إن كنت أأمل أن تُتْبع هذه القراءة الجمالية بقراءة تداوليّة تتناول المكوّن اللساني " النحوي و الصرفي و الوظيفي" كما تلتفت إلى الآليات التداولية الموظّفة في الملحمة من إخباريات و إشاريات وحجاج بلاغي و منطقي بما يحقّق عناصر العملية التّواصليّة وفق ما تقتضيه المقامات و السياقات و ظروف الأشخاص و الزامكان ..
و بعد فهذه قراءة جمالية بحثة اكتفت بالسباحة الشاطئية دون الولوج إلى أعماق أعماق قيعانها لشاعر جزائريّ دانت له رقاب المعاني، و جاءته تطلب ودّه و وداده بعدما تغنّى بها الركبان ، شاعر قد ملك من البيان و حسن التأليف و طول التجربة ما يؤهّله لتربّع عروش الإبداع و الدّهشة "و ما توفيقي إلاّ بالله ربّ العالمين"..
قسنطينة الجزائر في : 10/08/2023

بين طيات الكتاب/ الأديبة : خلود آل مؤمن ***

 بين طيات الكتاب

تتنقل بين الحروف
تاريخ وحضارات
*
كتب متفرقة
تتناثر الحروف
تحلق الروح بساط الريح
*
بين صفحات الكتاب
تاريخ الفراعنة
تماثيل من ذهب
*
كتابات هيموغروفيه
ومسمارية نقش على الأحجار
حروب وانتصارات
*
قصص عالمية
ذكريات الطفولة
هايدي وجدها في جبال سويسرا
*
حروف متناثرة
بين طيات الكتاب
تاريخ الأمراء والسلاطنة
*
كتب الحب والغزل والمقاومة
محمود درويش
فلسطين حبيبتي
*
قد يكون رسمًا توضيحيًا