الخميس، 4 فبراير 2021

نظرية حب في الوطن المشتهى/ الأديبة: د. سميرة مصلوحي- المغرب***



 """""نظرية حب في الوطن المشتهى """

******قراءة في : "رواية مرايا الظلال" للكاتب عبد الغني عارف ******
بقلم د. سميرة مصلوحي من المغرب
إن الغوص في عوالم رواية "مرايا الظلال" للروائي والشاعر المغربي عبد الغني عارف، يجعلك تكتشف قصة حب عميقة في الوجدان؛ حب تفرقت شعابه بين ثنايا الحكي للتعبير عن مدى تغلغله وتأصيله كعنوان لسر الوجود وقيمة عليا في حياة الإنسان، لا يغدو العيش دونها في عداد الإمكان. فأول ما يطالعك وأنت بصدد مباشرة الولوج إلى عالم الخطاب الروائي طبيعة تيمة الإهداء التي تشكل خلاصة أو نقول عصارة مقصدية المتكلم و غايته الكبرى التي ينافح عنها في ثنايا حكيه وسرده للأحداث، فقد أبى الكاتب إلا أن يكون الإهداء إلى طرفين يشكلان بالنسبة له كلا لا يتجزأ ، أو أن أحدهما يوازي الآخر ، فبين كفة الحبيبة (المرأة في صورة زوجة – أم- حضن دافئ....رفيقة درب) " إلى نجاة حبيبة ورفيقة عمر" ، وبين كفة الوطن "إلى وطن بقدر ما يعصف بأحلامنا اليانعة.... نختاره عنوانا أبديا لكل الأناشيد النابضة في الوجدان"، يختصر الحكاية ليصوغ نظرية في الحب بطعم الوطن دليلا على إيمانه العميق وإصراره الشديد على التشبت بالأمل في الحلم بالوطن المشتهى الذي لا بد أن تشرق شمس آماله من جديد، وينبعث نوره من براعم المحبة التي لابد وأن تثمر سنابلها فرح آت لا محالة ...... على إيقاع الربيع القادم.
فمنذ البدايات الأولى التي تنسج سيرة الحكي، يصر الكاتب على التصريح بأن العتبات التي تؤثث المشهد الروائي ماهي إلا تأريخ لقصة حياة عبر ذاكرة التاريخ والزمن حيكت خيوطها من نسيج الذكرى المفعمة بطعم الجراج النازفة و الفقد والألم والمستشرفة لأفق حالم بغد أفضل. وبين الذكرى والحلم تتأرجح أحداث الحكاية بين ضفتي التذكر والنسيان، مشيدة عوالم تتراوح تارة بين الحقيقة وتارة تنسج خيوطها من محض الخيال بأسلوب رائع يستفز القارئ ويشده نحو الغوص في أعماق الحكاية لاستكشاف خباياها الثاوية بين الظلال، والمتكسرة عبر المرايا العاكسة للحقيقة المتفرقة في شظاياها.
إنها قصة البوح بالجرح واستعادة الأزمنة والأمكنة السابقة في الفعل السردي بكثير من الإصرار على التغلب على الضعف والمآسي والفواجع بفعل قوة الإيمان بالقضايا المترسخة في الشعور والوجدان والحلم بالمستقبل ( الإيمان بقضية الإنسان-بالقضية الوطنية- القضية الفلسطينية- الانتماء، حب الوطن، العدالة اجتماعية ...).
فالحلم بحضن وطن محب يحتوي أبناءه كان الهاجس الذي يحرك أحداث الرواية وينمي تطورات حبكتها السردية من خلال دمج عمق دلالة القضية لتستوعبها قيمة عليا تتجلى في تيمة الحب التي تفرقت شعابها بين الحبيبات بحثا عن حب مفقود بطعم الانتماء يستوعب الفؤاد كما تستوعب الحبيبة نصفها الثاني ليشكلا جسدا متجانسا يغيب ويحل أحدها في الآخر، إلا أن غدر الزمان أبى إلا وان يكون له كلام ثان ليترك السارد المتماهي مع الكاتب حائر الخطى والفكر بين سيرة المد والجزر الممتدة في رحلة ذكرى البحث عن دفء وطن ينشده في تفاصيل قصة حب أنثى بصيغة الجمع ، لا تنفك تنبعث إحداها من الأخرى إيذانا بالحنين إلى حضن( أم وطن) مسروق منه أو ضاع حلمه على غفلة منه وبدون سابق إعلان،
فالمادة الحكائية في متن "مرايا الظلال " تعد "سابقة" زمنيا على النص ( السرد بمعنى جنيت)، فهي بمثابة قصة حياة، كما عبر عن ذلك السارد بلغة النص « لقد عزمت على الإنصات لجراح الذكرى وحكي سيرة الأشواق. » هذا ما أعلنه السارد لرفيقه الظل في مقطع " حديث الظل في حضرة الذكرى"، هي سيرة الجرح المنغرس في الذات والمحمل بوجع الوطن ،و محنة الأغصان الهاربة من ظلالها، إنها تلمس للذكرى عبر النبش في حفريات الطفولة والشباب باستحضار كل ما وشم الوجدان و الروح من جراح ، إنها صوت الذات الفردية المتماهية في الجمعي و الأنا الذائبة في الآخر، يتم استرجاع بعض محطاتها الكبرى انطلاقا من ذاكرة الزمن والتاريخ وتروي تفاصيلها شخصية محورية يمثلها البطل الملحمي في شخص ياسين وما يدور حولها من أحداث ووقائع تتظافر لتبني مسار القصة. شكلت ذاكرتها الموجوعة الشاهد والرحم الذي انبثق منه التاريخ الشقي، (كانت الرغبة تشتعل للخطو نحو عتبات القول والتأريخ لسيرة نابضة بالأحزان والأحلام.. فكان الفعل .. وكانت الحكاية ..)
إن تتبع وقائع أحداث السرد الحكائي في. الرواية يجعلك تقف عند محطات ثلاث تشكل العتبات الرئيسة لولوج عالم الخطاب ، فبين عتبة الذكرى و عتبة الطريق تتوسط عتبة الحلم الحكاية لترصد بدقة تفاصيل أحداث تاريخية للمرحلة التي تؤرخ لها الذكرى( التنظيم – الحزب – النقابة- الثورة- النضال....الاعتقال- المطاردة...) والمعبرة عن آمالها وانشغالاتها والمعاناة التي مر بها معاصروها وحاملو مشعل الثورة فيها، يقول السارد في ص 23:" حددت موعدا مع الرفيق حمدان عله يخفف عني وطأة ما أعانيه لم افكر في تفاصيل ما سأقوله له بالضبط، ولكن عندما التقيته بمقهى لاشوب ، قررت أن أحدثه بشان مخاطر انعكاس الصراع داخل الحزب على وحدة النقابة....)، كما نجد توصيفا دقيقا
للأمكنة( أزيلال، القرية ، بني ملال،البيضاء، ....) في تناسق جميل تتحرك في ثناياه حكايات سيرة الأشواق الممتدة بين الحنين والحلم تغزل خيوطها شخوص يقوم السارد ببعثها من رفاث الماضي في حركة استرجاعية لولبية للزمن لتجعله حيا يؤثث مشهد الحاضر، وبين الذهاب والإياب وتكسير الخط الزمني الفاصل بين الأحداث يعمل الخطاب الحكائي على ترهين الأحداث المقدمة على الرغم من إدراكنا كقراء بأن زمن القصة منته، لكن الذي يثير انتباهنا هو الكيفية التي اشتغل عليها النص زمنيا على مادة سابقة عليه وكيف تم " استرجاعها" وبناءها زمنيا، لإنتاج هذا الزخم الدلالي بحمولة فكرية جديدة حاملة لقضايا اجتماعية ووطنية مطروحة للسؤال والنقاش.
إن التعامل مع خطاب روائي من هذا النوع ، يجعل القارئ يتابع زمن الخطاب وهو في أقصى درجات التوتر ، ولا سيما عندما تكون قراءته دقيقة؛ فالتقطيعات الزمنية وهيمنة المشاهد شبه المستقلة عن بعضها حدثيا وزمنيا ومكانيا ، يضاعف من تكسير هذه الخطية ويجعلنا أمام زمن للخطاب مختلف عن السائد والمعروف، ومن ثم يظهر لنا أن الكاتب لا يقدم لنا خطابه معيدا بناء الشكل التقليدي بل يقدم دلالة جديدة على مستوى النص مؤمنا بأن استعادة الزمن السابق والأماكن أيضا هو فعل إيمان بالمستقبل ، وإصرار على التغلب على الضعف والمآسي والفواجع فكيف يتم ذلك ؟.
استعمال الحكي لمساءلة القيم:
إن إمعان النظر في المتن الحكائي يجعلنا نقف على عمق القضايا التي يطرحها، فبناء السرد وتشكيل عوالمه يمتح من ذاكرة التاريخ والثقافة، وهذا يجعل السارد في أثناء حكيه يمرر محموعة من الخطابات التي تحمل في عمقها تساؤلات جوهرية تصب في عمق القضايا الاجتماعية والوطنية ؛ فمثلا نجده يلح في أكثر من مقطع على الدور السلبي الذي تلعبه التقاليد والعادات الموروثة والراسخة في المخيال الجمعي المجتمعي في الحد من المساهمة في تطور المجتمع وإبقائه في حالة من الجمود .......
مساءلة الوطن:
يطرح الخطاب الروائي قضية وفاء الوطن لأبنائه، وذلك من خلال سرد مجموعة من الأحداث التي تعبر عن مدى المعاناة التي قاساها بعض الشخوص( الكابران المهدي- التهامي- ياسين...) والتضحيات التي قاموا بها في سبيل تحقيق آمالهم المنشودة في ظل وطن يسع الجميع تتحقق فيه العدالة الاجتماعية ويضمن العيش الكريم، ليستفيقوا على وقع واقع مرير وأحلام موءودة تحت سطوة القمع والاعتقال والتعذيب ، لم يخلف وراءه إلا بقايا ركام إنسان يصر رغم الهزيمة على الصمود حالما باستشراف أفق غد جميل.
التهميش والاقصاء
يزيح الخطاب الروائي اللثام عن الواقع المرير الذي تعاني منه بعض المناطق والقرى في المجتمع والحيف الذي يطالها من جراء التهميش والإقصاء في ظل السياسة الجهوية غير العادلة ، فضعف البنية التحتية و الفقر فرضا على سكان هذه المناطق عزلة شبه تامة خصوصا في أيام البرد القارس وانقطاع الطرق السالكة الى هناك، ذلك الهناك الذي يقبع تحت الظل في عالم النسيان . يقول في ص 65:" هكذا تكون العودة إلى القرية بحثا عن حلم هارب، فرصة للوقوف على ذلك التهميش الذي يجلد السكان فيفرض عليهم عزلة كابحة لكل مشاعر التفاؤل" ،" كان " إغير المودن" حيا هامشيا يطل على سوق البلدة من فوق هضبة، وكانت المساكن في هذا الحي، وهي تحاذي بعضها البعض، أشبه ببقايا قرية مر عليها زلزال مدمر" ص 87"أي ذنب ارتكبناه لنجد أنفسنا في مساكن مثل الكهوف" ص 87، " هل هو قدر ، علينا تصريفه بمنطق الصبر أم هي ضريبة الفقر والإهمال نؤديها برضى واستسلام؟؟"
فالكاتب يحاول ،من خلال مقاربة قضايا التهميش والفقر وسياسة الإقصاء في المجتمع بأسلوب سردي حكائي يعتمد الوصف الدقيق ، تمرير مجموعة من الرسائل المعبرة عن الرفض والانتفاض ضد كل أشكال الظلم والقهر والمطالبة بتحقيق العدالة الاجتماعية والإنصاف والحق في العيش الكريم .
هي ، إذن ؛ سيرة الحكي الثائرة على الأوضاع الرافضة للخضوع ، معلنة تمردها على من تحالفوا مع جور الزمان ضد الضعفاء في قصة حب بطعم ثورة تبحث عن معشوقتها الأزلية ،ليترسخ في الوجدان مقدار الصبر المطلوب بذله للوصول إلى حبيبة اسمها " حورية"؛ " حورية" بمد صوت الواو عميقا في الوجدان للدلالة على امتداد الآه ووجع المسافة وغَوَرها ،مختزلة بذلك كل معاني القهر والاستبداد والظلم التي يعاني منها الإنسان قبل تذوق طعم الأمن و السكن والإحساس به في كنف دفء حبيبة ترمز إلى الوطن المعطاء المثالي ، وطن يضمن لكل فرد حقه المشروع للعيش بكرامة وعزة نفس أبية ، وإلى حضن حبيبة يستكين لها الوجدان فيحس بالأمان ، حضن أم غادرت قبل الأوان لتتحالف مع جور الزمان مخلفة وراءها بقايا إنسان لم يشبع بعد من رائحتها ولم يع كيف يختزن تقاسيم تضاريس وجهها في ذاكرته ليستعيدها في أحلامه للذكرى كي تخفف عنه لوعة الفقد وآ لام الجراح ؛ جراح خضبتها أيادي غادرة بلون الدم الأحمر اعتصرت فيها قلبا صغيرا ليسيل وديانا من الدمع انسابت ثائرة هائجة لم يهدئها ويطفئ حرارتها إلا تمرد عاص ينشد هزم جراحات الماضي الذي يرقص على الأكفان، ويدعو إلى الإنصات إلى صوت صدى الحلم بالغد المشرق الجميل، حتى وإن بدا في لحظة من اللحظات أنه مجرد سراب، إلا أنه يستحق أن نتابع الخطو من أجله، يقول الساردفي ص 245:على لسان أحد شخوصه الكابران المهدي:" كل ولادة تنتظر وقت المخاض، ومهما طال بكم وبهم الوقت، فتلك الساعة آتية على جناج اليقين",
إذن، هو الإصرار على التشبت بالأمل بالحلم الذي يطل من الأعالي، حضن وطن دافئ ينبض حبا في الوجدان ينتظر فجر الميلاد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق