القراءة ..مخاض عسير
الناقدة سامية البحري
"إن قراءة قصيدة عظيمة نوع من أنواع المخاض، من أنواع الميلاد، ولن نولد إلا من خلال الألم إنه ميلاد الروح "
بعض النصوص تقبض عليك متلبسا في اللحظة التي تحاول فيها أن تهرب من موتك ..
يطارك ...تطارده ..
ينتصر حينا ...وتنكسر أحيانا ..
وتغرق في ضباب شفيف ..وتبتلعك اللحظة ..
تلك اللحظة هي الشعرية الخالدة ..شعرية تلامس الإنسان في كل زمان ومكان. .
هكذا الشعر عندما يكون الشاعر إنسانا ..
_________


وصية من محتضر
يا صمتُ ، يا صمتَ المقابر في شوارعها الحزينةْ ،
أعوي أصيحُ أصيح في لهَفٍ فأسمع في السكينةْ
ما تنثر الظلماءُ من ثلج وقارِ
تصْدَي عليه خطى وحيداتٌ و تبتلع المدينةْ
أصداءهن كأن وحشًا من حديدٍ من حجارِ ،
سفَّ الحياة فلا حياةَ من المساء إلى النهارِ .
أين العراقُ ؟ و أين شمسُ ضحاه تحملها سفينةْ
في ماءِ دجلة أو بويب ؟ و أين أصداءُ الغناءِ
خفقت كأجنحةِ الحمام على السنابل و النخيلْ
من كل بيت في العراءِ
من كل رابية تدثرها أزاهيرُ السهولْ ؟
إن متُّ يا وطني : فقبرٌ في مقابرك الكئيبةْ
أقصى مناي . وإن سلمتُ فإن كوخًا في الحقولْ
هو ما أريدُ من الحياة . فدى صحاراك الرحيبةْ
أرباضُ لندن والدروب ، ولا أصابتك المصيبةْ !
*
أنا قد أموت غدًا ، فإنّ الداء يقرض غير وانِ
حبلاً يشدّ إلى الحياة حطامَ جسمٍ مثل دارِ
نخرت جوانبها الرياحُ و سقفَها سيل القطارِ ،
يا إخوتي المتناثرين من الجنوب إلى الشمالِ
بين المعابر و السهول و بين عاليةِ الجبالِ
أبناءَ شعبي في قراه و في مدائنه الحبيبةْ..
لا تكفروا نِعَم العراق...
خير البلاد سكنتموها بين خضراءٍ وماءِ ،
الشمس ، نور الله ، تغمرها بصيف أو شتاءِ،
لا تبتغوا عنها سواها.
هي جنة فحذارِ من أفعى تدبُّ على ثراها .
أنا ميت لا يكذب الموتى . وأكفر بالمعاني
إن كان غير القلب منبعُها.
فيا ألق النهارِ
اغمر بعسجدك العراقَ فإنّ من طين العراقِ
جسدي ومن ماء العراقِ ...
(بدر شاكر السياب)
لا يكذب الموت ..أي نعم ..
وأنت _يا بدر _ لم تكذب حيا ولا ميتا ..
وهل يموت من كتب على كبده بماء من نار
(اغمر بعسجدك العراق فإن من طين العراق
جسدي ومن ماء العراق )









