السبت، 12 سبتمبر 2020

الشاعر الكبير/ منصف لوهايبي- تونس&&&

 



تحت مظلة سركون بولص

الشاعر / منصف لوهايبي- تونس.


هذا الصباحَ نهضتُ،

كان الـتـّمّ يزدردُ الضبابَ على الفراتِ

وضفدعُ يخضرّ فوق حجارهِ

      وكأنّ شيئا لم يقعْ

لا جثّةٌ تطفو ولا سفنٌ تجيءُ

***

كان العراقيّون من منفًى إلى منفًى

وفي كلّ المحطّاتِ التي يتوقـّفونَ بها

نرى رجلا

 وحيداً

 شاخصّا  تحت المطرْ

***

فيما القطارُ يدبُّ في ضوضاءِ ما قبلَ الظهيرةْ

فكّرتُ في أنّ الحياةَ بطيئةٌ حقّا

كأوّل خطوةٍ في الرقصِ،

بل هي رقصةُ البوليرُو

 أنّا بين تاريخينِ

نولدُ صُدفةً، ونموتُ أيضا صُدفةً،

ولربّما ،يوما، نـَبَـتنا في جذوع الهندباءِ،

!وربّما في ساعة مجنونةٍ،

يوما،بزَغـْـنَا في بنفسجِ زهرها

ـ كركوكُ تمطرُ عادةً في مثل هذا الوقتِ،

 زاراكوسُ يحـْـلجُ قطنهُ

 وذكرتُ أنّي "قد نسيتُ مظلّتي"

وأنا سأنزلُ في محطّتها الأخيرةْ

***

لم تنشرِ الأشجارُ غير ملاءة زرقاءَ

ناصلةٍعلى أقدامها

هل تـتّـقي شمسا بهذا الظلِّ؟

ماذا قد أعدّتْ للشتاءِ إذنْ؟ براثنها؟

هنا الأشجارُ سودٌ كالعراقيّاتِ عند الكاظميّةِ

يزدردنَ ظلالهنَّ

 السرُّ في هذا الفراغِ الأنثويِّ الجرحِ

وهو يرى إلينا عبر فـَتـْحـَـتِـهِ مثـلـّـثةِ الزوايا

في سراويلِ الحريرِ مفرّغاً ومخرّمًـا

ويكادُ..  في ضوءٍ يجيءُ ولا يجيءُ

***

كان العراقيّون من منفى إلى منفى

وفي كلّ المحطّاتِ التي يتوقـّفونَ بها

نرى رجلا

 وحيداً

 شاخصاَ تحت المطرْ

***

الأرضُ؟

لولا الجرحُ،هل كانتْ لتنبتَ كلَّ هذا الزهر ؟

قلْ شكرًا لهذا الضوءِ

كان يرتّبُ الأشياءَ من بغدادَ حتى خانقينَ،

بريشةٍ وبريّةٍ

أرضٌ حريثٌ بين أفخاذِ الهضابِ

تدجّنُ الأفُقَ السماويًّ.. الصنوبرُ وهو ينفضُ

في الصباحِ صقيعهُ

( أعني دقيق زجاجه)

فيما الندى الفضيّ ينصَل فوق نافذتي،

ليومض في قواربهم

وقد رُبطتْ بمرساة إلى الميناءْ

***

للّونِ رائحةُ القمامةِ ،

في ازرقاق الشمسِ،

خلف مطاعم الباصات والسككِ الحديدِ،

 ولم يزلْ للناس أطعمةُ الكلابِ،

وللكلابِ برازهمْ

في بصرةِ السيّابِ

يكفينا نبيذٌ حامزٌ ،

عرَقٌ بلونٍ سكّريٍّ،

بيرةٌ كالبولِ في حان "ابن هرْمة ".. هكذا سمّيتهُ

بل فُـلْكُ نوحٍ،

غير أنّ نبيّها الملاّحَ لمْ يقـْـشِـرْ بها

وجهَ المياهِ عشيّةَ الطوفانٍ،

لمْ يحملْ بني الحيوانِ فيها

كان مبْـولةً لصيّادينَ مخمورينَ

 نحـْـتـًا جاهزا ألقاهُ

حذوَ الماءِ "مارسيل دو شامب"

يأتونَ في ليل الذئاب،

ويجلسونَ  إلى موائدهمْ فـُرادَى

ينظرون بأعينٍ بكماءْ

متلبّسينَ بظلّهمْ؛

وكأنّهم يخشونَ أن يتكلّموا في نومهمْ

وطعامهم أو طُعمهمْ

أفراخُ أسماكٍ مدخّنة وكيسُ ملبّسٍ؛

حتّى إذا أغفى ابنُ هرْمةَ في الضبابِ،

ورفّ ماءُ النهر مثل الزنك

 أبيضَ ثمّ أزرقَ ثمّ أبيضَ،

غادروا وكأنّهم يمشونَ في أبياتِ خمريّاتهِ،

ثملينَ في الضوءِ البُروجيِّ المدلّى فوق أرض السندبادِ

كأنّ جزيرةً تطفو هناكَ،

كأنّ أطلنطيدَ تنجمُ في حواشي الماءْ

***

كان العراقيّون من منفًى إلى منفًى

وفي كلّ المحطّاتِ التي يتوقـّفونَ بها

نرى رجلا

 وحيداً

شاخصّا تحت المطرْ

***

الفِلمُ ينضحُ ماءِ وردٍ[ عاطفيّا كانَ] حيثُ الحبّ

ينشبُ صدفةً،

ويقول من وَلهٍ:" أحبّكِ"

 مثلما جارٌ يقول لنا صباحًا : "يا صباحَ الخيرِ"

 من شبّاكه،

أو مثلما قالت لهُ

 كركوكُ تمطرُ عادةً في مثل هذا الوقتِ

زاراكوسُ يحلجُ قطنهُ

ثلْـمٌ كخيطٍ

 كان يفصل بين نهديها،

كأنّ عليه من زغبِ الطيورِ دقيقـَـهُ

ـ لك أنتِ وجه البابليّةِ يا صبيّة

 نلتقي في الليل تحت مظلّة الدّرْدَارِ؟

وردٌ من أريحا ناضرٌ في كفّ مريمَ

ربّما يوما تشاركهُ "بَرَنـْـشًا" باردا،

 لفطوره وغدائهِ

 ولربّما يوما تصدّق ما سيحكي

عن قطارٍ لا يجيءُ

***

شكرًا لهذا الضوءِّ

علّمني إذنْ أن أجعلَ المرئيَّ مرئيّا،

وعلّمني أراني

 في استغاثةِ زهرة التوليبِ

 في أصصٍ من الفـَـخّار،

تدعوني لأنزح ماءها،

وأقولَ لي: لمْ يبقَ فيكَ سوى القليلِ،

وإنّهُ مثل القليلِ يُـقاسُ

علّمني أرى مطرا من البرقوقِ

 منهمرا على الغاباتِ،

علّمني أراني في هواءٍ أردوازيٍّ

يلفّ سماءها،

أحجارهُ ارتفعتْ عموديّا،

وعلّمني أحبّكِ

 يا دُراقنةً بجلدٍ مُـخـْـمليٍّ في سريري،

يا تفتّحَ لوزةٍ لبنيّةٍ زغباءْ

***

شكرا لهذا الضوءِ رافقني الظهيرةَ كلّها

لأقولَ كان الثلجُ فوق جبالِ زاراكوسَ

مثل صفائحِ الفولاذِ،

 والغربانُ صارتْ

بهلواناتِ الحبالِ؛

ولي هنا لغةٌ لخاصرةِ الجبالِ،

تدورُ من جهةٍ إلى أخرى بنا.. الغربانُ تسألُ

" أيّهمْ قد ماتَ هذا اليومَ؟"

ـ منفيّونَ روسٌ، لم يموتوا بعدُ،

هم يترصّدونَ بياضَ فجرٍ في المنافي، لا يجيءُ

***

كان  العراقيّون من منفًى إلى منفًى

وفي كلّ المحطّاتِ التي يتوقـّفونَ بها

نرى رجلا

 وحيداً

شاخصًا تحت المطرْ

***

للثلجِ رائحةُ الحريقِ وطعمهُ

حبّاتهُ انتفختْ بصامتِ مائها

والأرضُ ماء ،

فلْنسِلْ فيها إلى هذا العراقِ

خرائطيّوهُ كمنْ أحْنَى

 يقلّبُ في الظلامِ

كتابَ رملٍ حيثُ أسماكٌ مجنّحةٌ تطيرُ

كمنْ يديرُ الأرضَ من جهةٍ إلى أخرى

ليوقفها على مدنِ الشتاتِ البابليِّ

ونحن نركضُ،

غير أنّ الماءَ يسبقنا إليهِ

وهو ينأى كلّما ساختْ خطانا

لا نجيءُ  ولا يجيءُ

***

شكرًا لهذا الضوء

 يمرقُ سهمهُ

في الطميِ أبعدَ ثمّ أبعدَ

في الفراتِ أكونُ حيًّا ساكنًا

 عند احتضاري

كالنخيلِ، وأنتحي في الموتِ، كالأسماكِ

هادئَ مائه،

وأسرُّ للأمواتِ: يا ماشينَ فوق الأرضِ

ناموا جيّدا كي تحلموا

***

وبكلّ هذا الزهرِ همْ حلموا لهُ

وصحا ليقضمَ زهرتينْ

حلموا له بيدينِ مثل يديْ أبي، فلاّحتينْ

حلموا بأكثرَ من

يَديـْنِ، لهُ، ومن شفتينْ 

كان  العراقيّون من منفًى إلى منفًى

وفي كلّ المحطّاتِ التي يتوقـّفونَ بها

هناك مظلّة مكسورة ،

وعليكَ أن تجد الذي قد كان أشـْـرَعَها، فإنْ

فعليكَ أن تجد اليــدَا

لتكون أشبهَ بالصّدى

الشاعر/ فتحي بالحبيب****



 عيون امي

في حـــــب أمي يخجل الافصاح
والصمت مني صارخ وضــــاح
فهي التي عصرت رحيق شبابها
كأسا على ظمإ الطريق يـــــتاح
عاشت ظلام العمر وادخرت لنا
أقماره المثلى،فـــــكان صبـــــاح
كل المنازل غيرها مــــــــوبوءة
والفضل غير سخاءها جـــــراح
لاكت جرارالطين من عنت الطوى
و الحلم خبز دافئ و قـــــراح ؟
كانت لنا في الليل مصباح السرى
وعلى ســــفـينـتنا هي المــــــلاح
في وجهها التاريخ اورق دوحـــه
وبــراحتـــيها الكـــر°م والتـــــفـاح
أمي جنان العمر حقل في يـــدي
وقـلادة في هيــــاتي ووشـــــاح
يانجمة أرنــــــو إلى الدنيا بـــها
وخميلــة فـي ظلـــــها أرتـــــاح
مني لك الازهار:ريش جوانحي
وشـــذا الكلام وشــــهده والراح
لم أدر ما يسمو بكفــــي غيرها
فليبق منك الخــــــير والافـراح
بوركت أمي لا تقـــــولي بيننا:
ذهب الرفاق وجـفَّـت الاقـــداح
ما ضرني إن كنت أمشي بالدجى
وهواك عين الدرب والمصباح
إن لم أكن ما تدعين فمــحنـــتي
أني أتيت وملَّـــتي قـد راحـــوا
قاتلت فردا يستميت بساحــــة
ظلـــــماء كـل شـعابها أشباح
بقلم فتحي بالحبيب 2014

الشاعر/ د. فواز عبد الرحمن البشير- سوريا ****



 نصائح شيطانية

بدّلْ قناعَكَ كلما صادفتَ شخصاً مختلفْ
واجعل لنفسكَ ألفَ وجهٍ مثلَ حرباءٍ سَرِف
إياكَ تنطقُ بالحقيقةِ مثلَ مجنونٍ خَرِف
إياكَ تصدقُ بينَ خلق. اللهِ مثلَ أخٍ كلف
كن مثلَ من لا لونَ في إحساسهِ، كن محترف
حاذر من الأخلاقِ تحملُها كعبدٍ مزدلف
لا للمروءةِ إنها شرٌ فلا تكُ منجرف
خذ كلَّ شئٍ من فضولِ الناسِ مكراً واغترف
واطعن بهذا أو بهذا. واكذبنْ ثم اقترف
إياك تُظهرُ ضعفَ نفسِكَ بينهم أو تعترف
أصبحتَ إبليساً فكن في ذاتِ نفسِكَ منحرف
هذا الذي ينجيكَ أو يعليكَ إن وهنَ الكتف
فاركض كذئبٍ كاسرٍ واعرف هناكَ متى تقف
د فواز عبدالرحمن البشير
سوريا
٧-٩-٢٠٢٠

الشاعرة الناقدة/ أ. زينب الحسيني- لبنان******



 قراءة نقدية بقلم :

زينب الحسيني
النص : حارس المقبرة
للأديب والناقد الأستاذ:منذر غزالي .

نص مدهش واقعي متخيل, ابتدعه فكر الكاتب/ السارد ليقدم شخصية سعيد العبدالله " حارس المقبرة" العجوز, وهي شخصية رئيسية في النص, لإنسان يحمل قيماً ومبادىء لم تعد مقبولة في أزمنة استبدادية قمعية.
حبكة القصة منسوجة بإحكام, لتفضح تلك الشرنقة الملفقة من الاتهامات التي حيكت لسعيد العبدالله بتهمة الانتماء لتنظيم سياسي مشبوه, كلفته أن يقضي عمره في السجن ظلماً وبهتاناً , ليخرج بريئاً وقد حرم من وظيفته الرئيسية كأستاذ, بعد أن فقد محبة واحترام أقرب الناس إليه, ولم يبقَ أمامه إلا حراسة المقبرة لأكثر من عشرة أعوام , ويموت بعدها في "انتظار " جنازة لم تأتِ, في ليلة "شديدة البرد, هوجاء العواصف"
بنية الحدث:
العنوان:
"حارس المقبرة" ذو أيحاءات وتداعيات , تخلق في نفس المتلقي شيئاً من الهلع لمجرد تذكر المقبرة , والموت , وتقفز إلى مخيلته تساؤلات وجودية عن المصير, وتساؤلات عن شخصية " حارس المقبرة" وكيف يحرس بمفرده مكاناً يبعث على الرعب .
يبدأ الراوي بتوصيف الطبيعة المكفهرة التي تتواءم مع مشاعر القلق والضجر للبطل / حارس المقبرة العجوز
(سعيد العبدالله) الذي " يجر جسده المنهك, ويعد الدقائق والثواني .." لقدوم جنازةٍ تأخر وصولها عن الموعد المحدد.
المكان: " غرفة صغيرة في فناء المقبرة المعدني " والتوقيت في ليلة قارسة البرد, هوجاء العواصف .
والحدث المنتظر هو قدوم الجنازة .
مع مرور الوقت, يزاد"التوتر " الذي يسم الحدث, إذ يزداد الطقس برودة و تزداد الريح عصفاً يتزامن مع فقدان الحارس
الأمل والصبر, مما يقوده إلى تداعيات تجر بعضها البعض, كسلاسل الخيبات التي تلاحقه بلا انقطاع..
فيبدأ بالتساؤل: " ماذا لو تأخرت الجنازة وأهل الميت, بعدما حفر القبر ."
ثم تراوده فكرة ردم القبر وقبضِ ثمنه كما حصل في حادثة مشابهة إذ كانت الجنازة وهمية ..! ولم تصلْ.. فرَدم القبرَ أحدُهم وقبض ثمنه مبلغاً يوازي ثمن بيت!
وهنا يثور في نفس الحارس صراع داخلي بين ال( هو) والأنا الأعلى ,
بين الحاجة الملحة وبين المبادىء التي تربى عليها ومارسها كأستاذ ومربٍّ , وقد نجح الكاتب / السارد بتحليل ذاك المونولوج الداخلي في ذات الحارس, لتنتصر المبادىء والقيم "التي أصبحت ترفاً لا حاجة لأحد به" فيرفض الفكرة.
ثم تتناهى إلى ذاكرته تلك التهمة السياسية الملفقة التي أفسدت عليه حياته وحَرفتها عن مسارها الأساسي , لتتركه حبيس جدران السجن زمناً, يخضع أثناءه لأفظع أنواع التعذيب ويخرج بريئاً لا يملك إثباتاً ببراءته,
لجريمة لم يقترفها, قد لفقها له أحد أقرب الأصدقاء إليه.
ولا يخفى ما لهذه الحادثة من تأثير نفسي معنوي على مسار حياته ,بعدما "فقد رجولته , وفقد كل جميل في حياته وانقلبت فرحة العيش إلى خيبات متلاحقة "
لذا لم يبقَ أمامه إلا القبول ب" حارس المقبرة" حيث استمر " يقتل أيامه في انتظار الجنائز أكثر من عشر سنوات."
ويمر الوقت بطيئاً في الانتظار.. و يتأّزُّم الحدث مع تقدم ساعات الليل,
( إذ يشتد هدير العاصفة وتزداد برودتها وتشتعل الحمى في رأس الحارس)
إيحاءات تجعل المتلقي يحس انه في قلب الحدث وأن النهاية المرتقبة باتت وشيكة , وكأننا نشهد فيلماً سينمائياً مرعباً ..
وتأتي أخيراً لحظة الانفراج, بعدما يبذل الحارس أقصى جهده كي يهرب من الموت المحتم, لكن جسده المتهالك يتداعى..
بعد صراعٍ مرير بين الحياة والموت , فيهوي في الحفرة بدلاً عن الجنازة التي لم ولن تأتي..
_الحبكة منسوجة بإحكام تناول فيها الراوي تفاصيل متنوعة متصلة بعضها بالبعض الآخر كسلسة من التداعيات , تصل السبب بالنتيجة ,
ولعل بؤرة النص تكمن في حدث الاعتقال السياسي المدبر للبطل بتهمة تعسفية مزورة, دمرته نفسياً وصحياً وعزلته عن أقرب الناس إليه , ولولاها لما اضطر أن يقضي ما تبقى من عمره حارس مقبرة! في الليالي العاصفة ولما آل مصيره إلى هذه النهاية المفجعة..
من التداعيات التي مر عليها الراوي سريعاً, توصيفٌ للتفاوت الطبقي الذي يظهر تفاوتاً في الأشكال والألوان بين قبور الفقراء وقبور الُأثرياء , وكيف تزخرف قبور ٌ وتترك أخرى مهملة منسية كأصحابها الذين يموتون مقهورين منسيين..
كما ترد حادثة عن المتاجرة بالقبور الوهمية, وبيعها بأسعار خيالية..
الأسلوب :
لا شك أن الكاتب قد نجح في حبكة النص, بنسْج شخصية البطل من الخارج والداخل والغوص في تلابيب نفسيته بأسلوب عاطفي إنساني, مما أعطى النص واقعية وتشويقاً للمتلقي, لانتظار المزيد من السرد بشغف رغم التداعيات, التي كانت تبطىء قليلاً إيقاع الحدث الرئيس ( انتظار الجنازة )
لكن الكاتب/ السارد استطاع أن يسرِّع إيقاع الحدث, بالتلاعب في الزمن بعملية "فلاش باك" فما أن ينتهي البطل من تذكر حدث ماضٍ حتى يعيدنا إلى توتر الحاضر, يساعده في ذلك أسلوب سردي مشوق, ولغة جميلة ثرية الصور والتوصيفات والتخيل الواقعي . وبهذا التنوعِ, تحفيزٌ للمتلقي على متابعة اللهاث وراء المزيد..
( هدير رعد بعيد يهز النافذة, ينفخ في كفيه يدفئهما بأنفاسه, الحيرة تأكله, قلبه ينبض بسرعة ..)
( وحده وليل المقبرة, يقف مثل ذئب يحتضر.. والحمى تشتعل في رأسه )
فتوصيف الجو العام والبرودة القارسة والرياح العاصفة , أثرت بدورها على حالة الحارس النفسية والصحية
, كما أن شدة السأم و الانتظار, وفوبيا الوحدة والإحساس بالظلم , كانت كلها عوامل عجلت في "نهاية" تراجيدية للبطل
سعيد العبدالله ,وكنا قد توقعنا حدوثها بالإيحاء المقصود من قبل الكاتب .
في النهاية يعيدنا الكاتب إلى الهدوء بدفق من الجمال والرومنسية بعدما حزننَّا وتقطعت أنفاسنا..
فيقول" المطر يوقع عزفه الرتيب على زجاج النافذة الصغيرة, والهاتف ما زال يرن.. ويرن.. ويرن.. " وبهذا رسالة للعود إلى الطبيعة والمحبة والتآخي , بعيداً عن المكائد والحروب والظلم.. توقاً للارتواء من أنفاس الحرية..
الخاتمة:النص واقعي متخيل ذو سمة اجتماعية, وإسقاطات واقعية على عالم اليوم, حيث يسود الظلم والفساد والقمع ممن يمتلكون زمام التحكم برقابنا والمتاجرة بأرواحنا . وحيث يحس الفرد بالغربة الوجودية والقلق المصيري.
مبارك للأديب المبد ع والناقد الأستاذ منذر غزالي هذا الاحتفاء الباذخ , فلقد برع بكتابة نص إبداعي استوفى شروط القصة القصيرة بفنية عالية.
وخالص الشكر والتقدير للناقدة والشاعرة الأستاذة لين الأشعل , على قراءتها الباذخة المتأنية .

الشاعر/ متولي محمد متولي- مصر&&&



 يا مغضب النيل

غرقت بلادي وناحت أهلها الدور
والشرق قيد الكرى والغرب موتور
نامت عيون بلا زرع و لا ضرع
نوم الأسير الذي لا ريب مغدور
لم يهدأ النيل أو تخمد عزيمته
إلا و سوداننا بالماء مغمور
عجبا لموتى بلا كفن و لا قبر
يسعى بأيمانهم و وجوههم نور
كم غلقت دونهم بالأمس أبواب
اليوم خدامهم في الجنة الحور
لم يمنع السد طوفان الردى عنا
بئس البناء بناء طينه الزور
مهما علا سدكم يوما سيفجعكم
فالظلم ذو ذلة والحق منصور
والنيل يا طغمة الأشرار ذا رزق
يجري بأمر من الرحمن مقدور
يا مغضب النيل قد هيجت ذا شان
لن يحبس النيل بنيان و لا سور
ماء الحياة الذي قد كان يحيينا
أمسى أمين الردى بالقتل مأمور
من قبل أن تولدوا والنيل راعينا
يجري إلى أرضنا بالخير موفور
يروي البساتين و الأنعام و الناس
وعدا عليه و وعد الحر مبرور
لم يعرف النيل في رسم و لا نقش
إلا و مصر اسمها في القلب محفور
من جنة الخلد و الفردوس بذرته
يجري إليها إلى أن ينفخ الصور
تأليف/ متولي محمد متولي بصل
دمياط
9 / 9 / 2020 م

الشاعرة/ علية البوعناني - المغرب///



 ****** علمتني النحلة (٢)******

بقلم : علية البوعناني ___من المغرب___
نظرت من نافذتي ثانية
تملكتني حيرة
سرعان ما انقلبت بسمة
حين رأيت تلكم النحلة
تاملتها بدهشة
أتساءل كيف تترك النحلة
الحدائق و الضيعة
و تختار زهرة
نبتت في وعاء نافذة
صرت ارقبها و بي غصة
حزينة ،كنت ابحث عن متعة
أسرق همسة
أسرق بسمة
اتناسى ما يصيبنا من بلوة
في عالم تتحكم فيه جرثمة
زهرتي أصابتها رجفة
حين اتتها النحلة
تمتص رحيقها رشفة...رشفة
راودتها...قاومتها بشدة
لكن ما باليد حيلة
تمسكت بها بقوة
زهرتي الفتية
أنت...فللسعات قوية
اسفت النحلة
و أخبرت الزهرة
في فعلها مضطرة
فهنالك مشيءة
لتحيا في الجبح ملكة
تعلمت من النحلة
أن ألم بعض، لبعض نعمة
و دمعة أحد، لأحد بسمة
علية البوعناني
18/5/20