السبت، 12 سبتمبر 2020

الشاعرة الناقدة/ أ. زينب الحسيني- لبنان******



 قراءة نقدية بقلم :

زينب الحسيني
النص : حارس المقبرة
للأديب والناقد الأستاذ:منذر غزالي .

نص مدهش واقعي متخيل, ابتدعه فكر الكاتب/ السارد ليقدم شخصية سعيد العبدالله " حارس المقبرة" العجوز, وهي شخصية رئيسية في النص, لإنسان يحمل قيماً ومبادىء لم تعد مقبولة في أزمنة استبدادية قمعية.
حبكة القصة منسوجة بإحكام, لتفضح تلك الشرنقة الملفقة من الاتهامات التي حيكت لسعيد العبدالله بتهمة الانتماء لتنظيم سياسي مشبوه, كلفته أن يقضي عمره في السجن ظلماً وبهتاناً , ليخرج بريئاً وقد حرم من وظيفته الرئيسية كأستاذ, بعد أن فقد محبة واحترام أقرب الناس إليه, ولم يبقَ أمامه إلا حراسة المقبرة لأكثر من عشرة أعوام , ويموت بعدها في "انتظار " جنازة لم تأتِ, في ليلة "شديدة البرد, هوجاء العواصف"
بنية الحدث:
العنوان:
"حارس المقبرة" ذو أيحاءات وتداعيات , تخلق في نفس المتلقي شيئاً من الهلع لمجرد تذكر المقبرة , والموت , وتقفز إلى مخيلته تساؤلات وجودية عن المصير, وتساؤلات عن شخصية " حارس المقبرة" وكيف يحرس بمفرده مكاناً يبعث على الرعب .
يبدأ الراوي بتوصيف الطبيعة المكفهرة التي تتواءم مع مشاعر القلق والضجر للبطل / حارس المقبرة العجوز
(سعيد العبدالله) الذي " يجر جسده المنهك, ويعد الدقائق والثواني .." لقدوم جنازةٍ تأخر وصولها عن الموعد المحدد.
المكان: " غرفة صغيرة في فناء المقبرة المعدني " والتوقيت في ليلة قارسة البرد, هوجاء العواصف .
والحدث المنتظر هو قدوم الجنازة .
مع مرور الوقت, يزاد"التوتر " الذي يسم الحدث, إذ يزداد الطقس برودة و تزداد الريح عصفاً يتزامن مع فقدان الحارس
الأمل والصبر, مما يقوده إلى تداعيات تجر بعضها البعض, كسلاسل الخيبات التي تلاحقه بلا انقطاع..
فيبدأ بالتساؤل: " ماذا لو تأخرت الجنازة وأهل الميت, بعدما حفر القبر ."
ثم تراوده فكرة ردم القبر وقبضِ ثمنه كما حصل في حادثة مشابهة إذ كانت الجنازة وهمية ..! ولم تصلْ.. فرَدم القبرَ أحدُهم وقبض ثمنه مبلغاً يوازي ثمن بيت!
وهنا يثور في نفس الحارس صراع داخلي بين ال( هو) والأنا الأعلى ,
بين الحاجة الملحة وبين المبادىء التي تربى عليها ومارسها كأستاذ ومربٍّ , وقد نجح الكاتب / السارد بتحليل ذاك المونولوج الداخلي في ذات الحارس, لتنتصر المبادىء والقيم "التي أصبحت ترفاً لا حاجة لأحد به" فيرفض الفكرة.
ثم تتناهى إلى ذاكرته تلك التهمة السياسية الملفقة التي أفسدت عليه حياته وحَرفتها عن مسارها الأساسي , لتتركه حبيس جدران السجن زمناً, يخضع أثناءه لأفظع أنواع التعذيب ويخرج بريئاً لا يملك إثباتاً ببراءته,
لجريمة لم يقترفها, قد لفقها له أحد أقرب الأصدقاء إليه.
ولا يخفى ما لهذه الحادثة من تأثير نفسي معنوي على مسار حياته ,بعدما "فقد رجولته , وفقد كل جميل في حياته وانقلبت فرحة العيش إلى خيبات متلاحقة "
لذا لم يبقَ أمامه إلا القبول ب" حارس المقبرة" حيث استمر " يقتل أيامه في انتظار الجنائز أكثر من عشر سنوات."
ويمر الوقت بطيئاً في الانتظار.. و يتأّزُّم الحدث مع تقدم ساعات الليل,
( إذ يشتد هدير العاصفة وتزداد برودتها وتشتعل الحمى في رأس الحارس)
إيحاءات تجعل المتلقي يحس انه في قلب الحدث وأن النهاية المرتقبة باتت وشيكة , وكأننا نشهد فيلماً سينمائياً مرعباً ..
وتأتي أخيراً لحظة الانفراج, بعدما يبذل الحارس أقصى جهده كي يهرب من الموت المحتم, لكن جسده المتهالك يتداعى..
بعد صراعٍ مرير بين الحياة والموت , فيهوي في الحفرة بدلاً عن الجنازة التي لم ولن تأتي..
_الحبكة منسوجة بإحكام تناول فيها الراوي تفاصيل متنوعة متصلة بعضها بالبعض الآخر كسلسة من التداعيات , تصل السبب بالنتيجة ,
ولعل بؤرة النص تكمن في حدث الاعتقال السياسي المدبر للبطل بتهمة تعسفية مزورة, دمرته نفسياً وصحياً وعزلته عن أقرب الناس إليه , ولولاها لما اضطر أن يقضي ما تبقى من عمره حارس مقبرة! في الليالي العاصفة ولما آل مصيره إلى هذه النهاية المفجعة..
من التداعيات التي مر عليها الراوي سريعاً, توصيفٌ للتفاوت الطبقي الذي يظهر تفاوتاً في الأشكال والألوان بين قبور الفقراء وقبور الُأثرياء , وكيف تزخرف قبور ٌ وتترك أخرى مهملة منسية كأصحابها الذين يموتون مقهورين منسيين..
كما ترد حادثة عن المتاجرة بالقبور الوهمية, وبيعها بأسعار خيالية..
الأسلوب :
لا شك أن الكاتب قد نجح في حبكة النص, بنسْج شخصية البطل من الخارج والداخل والغوص في تلابيب نفسيته بأسلوب عاطفي إنساني, مما أعطى النص واقعية وتشويقاً للمتلقي, لانتظار المزيد من السرد بشغف رغم التداعيات, التي كانت تبطىء قليلاً إيقاع الحدث الرئيس ( انتظار الجنازة )
لكن الكاتب/ السارد استطاع أن يسرِّع إيقاع الحدث, بالتلاعب في الزمن بعملية "فلاش باك" فما أن ينتهي البطل من تذكر حدث ماضٍ حتى يعيدنا إلى توتر الحاضر, يساعده في ذلك أسلوب سردي مشوق, ولغة جميلة ثرية الصور والتوصيفات والتخيل الواقعي . وبهذا التنوعِ, تحفيزٌ للمتلقي على متابعة اللهاث وراء المزيد..
( هدير رعد بعيد يهز النافذة, ينفخ في كفيه يدفئهما بأنفاسه, الحيرة تأكله, قلبه ينبض بسرعة ..)
( وحده وليل المقبرة, يقف مثل ذئب يحتضر.. والحمى تشتعل في رأسه )
فتوصيف الجو العام والبرودة القارسة والرياح العاصفة , أثرت بدورها على حالة الحارس النفسية والصحية
, كما أن شدة السأم و الانتظار, وفوبيا الوحدة والإحساس بالظلم , كانت كلها عوامل عجلت في "نهاية" تراجيدية للبطل
سعيد العبدالله ,وكنا قد توقعنا حدوثها بالإيحاء المقصود من قبل الكاتب .
في النهاية يعيدنا الكاتب إلى الهدوء بدفق من الجمال والرومنسية بعدما حزننَّا وتقطعت أنفاسنا..
فيقول" المطر يوقع عزفه الرتيب على زجاج النافذة الصغيرة, والهاتف ما زال يرن.. ويرن.. ويرن.. " وبهذا رسالة للعود إلى الطبيعة والمحبة والتآخي , بعيداً عن المكائد والحروب والظلم.. توقاً للارتواء من أنفاس الحرية..
الخاتمة:النص واقعي متخيل ذو سمة اجتماعية, وإسقاطات واقعية على عالم اليوم, حيث يسود الظلم والفساد والقمع ممن يمتلكون زمام التحكم برقابنا والمتاجرة بأرواحنا . وحيث يحس الفرد بالغربة الوجودية والقلق المصيري.
مبارك للأديب المبد ع والناقد الأستاذ منذر غزالي هذا الاحتفاء الباذخ , فلقد برع بكتابة نص إبداعي استوفى شروط القصة القصيرة بفنية عالية.
وخالص الشكر والتقدير للناقدة والشاعرة الأستاذة لين الأشعل , على قراءتها الباذخة المتأنية .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق