السبت، 12 سبتمبر 2020

الناقــــد/ أ. سليمان جمعة - لبنان&&&



 قراءة

#بقلم سليمان جمعة
ل:
حارس المقبرة
قصة قصيرة بقلم: منذر فالح الغزالي
#الهاتف يرنُّ فوق الطاولة, صوته يختلط بصفيرِ الهواء المتسرِّبِ من شقوق الباب والنافذةِ الصغيرة.
يرفع سعيد العبد الله ـ حارسُ المقبرة العجوزـ السمّاعة:
ـ ألو...مرحبا.
ـ .....
ـ لا أعرف، أجاب وقد تغيّرت ملامحُه حين سَـمِعَ صوتَ زوجته, وتحوَّلتْ مشاعرُ الضجر إلى ما يشـبه الشكوى. الجنازة لم تأتِ بعْدُ, والله أعلمُ متى ستصل، وكيف سينتهي هذا النهار.
ـ تغدّي أنتِ, وتدفَّـئي جيِّداً, الدنيا برد...أخذتِ الدواء؟، سأل, واستأنفَ بسرعةٍ قبل أن يغلقَ الخط:
ـ جاء علاء ؟….الله يهديه....مع السلامة.
وضع السـمّاعةَ مكانها, وخرج من الغرفة الصغيرة القابعةِ قربَ مدخلِ المقبرة المعدنيِّ، وقد زادتْه هذه المكالمةُ ضجراً وقلقاً.
نسمةٌ باردةٌ تسـتقبله, ينظرُ إلى الشارع,لا يرى جنازةً, ولا يسمع صوتَ قرآنٍ ينطلق من السيارات القليلة القادمة. السماء رماديّةٌ تملؤها غيومٌ ثقيلة, فتبدو كأنَّها اقتربتْ من الأرض. صالبَ يديه خلفَ ظهره, ومضى يجرُّ جسدَه المنهكَ عبر البوّابة.
قبورٌ كثيرةٌ توزّعتْ فوق أرضِ المقبرةِ الواسعة، قبورٌ مختلفةٌ, رخاميّةٌ بشواهدَ مزخرفةٍ, تحتلُّ الواجهة، و بسيطةٌ بشواهدَ صغيرةٍ اكتفتْ باسم المتوفّى, وتاريخِ وفاته, محشورةٌ في الوسط والخلف، وفي الزوايا الميّتة. تتقدّم القبورَ حفرةٌ جديدةٌ لقبرٍ جديدٍ، قربَ شجرةِ أكاسـيا كبيرة.
تذكّر سعيدٌ الجنازةَ، وعاد من جديدٍ شـعورُ الضجر والحِيرة، َرجع إلى غرفته يجرُّ قدميه الزاحفتين..."لعلَّ أحدَهم يتّصل , يوضِّح أمرَ هذه الجنازة الغريبة".
سعيدٌ العبد الله، رجلٌ لم يبلغ السـتّين؛ لكنَّ هيكلَه الضعيفَ, ومشيتَه البطيئةَ غيرَ المتوازنةِ, وخدَّيه الغائرين، وأسنانَه التي لم يبقَ منها سـوى اثنين أو ثلاثةٍ, تجعله يبدو عجوزاً، جاء حارساً للمقبرة منذ أكثرَ من عشْرِ سنوات.
جنائزُ كثيرةٌ مرَّتْ أمامه، وأمواتٌ كثر دُفنوا في أرض المقبرة، وهو يسجِّل في دفتره الكبير، يطابق الأسماءَ، والإيصالات، كأنّه موظفٌ في دائرة النفوس، وكأنَّ الأمواتَ الذين يسجِّلُ أسماءهم مواليدُ جدد. أكثرَ من عشر سنواتٍ, وهو يعيش في عالم المقبرة الغريب:
"للأموات، كما للأحياء، مراتب, وللقبور، كما للبيوت، درجات -حدّثَ زوجتَه ذات مَرَّة- قبورُ الحَشْوةِ تختلف عن قبور الواجهة...من موقع القبر, أعرف موقعَ صاحبِه...الأمواتُ في قـبورِ الواجهات، مثلَ السـكان في بيوتِ الواجهات، أمَّا الفقراء، فلهمْ قبورُ الحشوات، والزوايا الميِّتة".
عشرُ سنواتٍ، وهو يحرس بيوتَ الأموات، يقتلُ أيَّامَه في انتظار الجنائز, وتقتل الأيَّامُ ما تبقَّّى من جسدِه المريض.
" تأخّرتِ الجنازة ُكثيراً"، حدّثَ نفسَه وهو ينظرُ إلى الساعة، فَتَحَ الدفترَ المُلقى فوق الطاولة، تأكّدَ منْ موعد الدفْن: "كلُّ شيءٍ مضبوط، الدفنُ بعدَ الظُّهْر, وقدْ أذَّنَ العَصْر, والجنازة لم تأتِ".
لفتَ انتباهَه - لسـببٍ ما - ثمنُ القبر المسجّلِ على نسخةِ الإيصال, وارتسمتْ على وجهه ابتسامةٌ متهكِّمةٌ لم يستطعْ منعَها.
الريحُ بدأتْ تحرِّكُ أغصانَ الأشجارِ المتناثرةِ في أرضِ المقبرة، والطقسُ يزدادُ برودةً.
ارتجف بشدّة، وأغلقَ بابَ الغرفة, جلسَ على فرشةِ الإسفنج الممدودةِ فوق بلاطِ الغرفة ليريحَ مفاصله من عذاب الجلوس على الكرسيِّ, شغَّل سخّانة الكهرباء, َنفَخَ في كفّيهِ يدفئهما بأنفاسه، والحيرةُ تأكله: هل يقفلُ البابَ, ويعودُ إلى زوجته المنتظرة؟، أم ينتظرُ, فربَّما تأتي الجنازة متأخِّرة؟، هل يتَّصلُ بالبلديّة يستفسر عن الأمر؟...لكنَّ الوقتَ تأخَّرَ, ولن يبقى أحدٌ في مكتبه حتى هذه الساعة، ثمَّ , لو كان هناك أمرٌ طارئٌ لاتّصلوا همْ به. أفكاره تدور في متاهةٍ لا تنتهي، والوقت يمضي…"ماذا لو لم تأتِ جنازةٌ, ولم يُدفَنْ ميّت؟...يمكن أن تحصلَ, كما حَصَلَ في تلك الحادث: بَعدَ أن تمَّ حفرُ القبر، وتجهيزُه، لم تأتِ الجنازة، ولا أهلُ الميّت".
يومَها لم يخُضْ في التفاصيل كعادته؛ لكنَّ القبرَ رُدِمَ في اليوم التالي فوق ميّتٍ آخر دون إيصال. باعه أحدُهم , واستولى على ثمنه.
"حتّى الأمواتُ لم يسلموا منهم !!"، تنهّد, وارتعش جسدُه كلّه.
فكرةٌ شيطانيّةٌ تسللتْ إلى رأسه:
" ماذا لو لم يصلِ الجثمانُ، وحصلَ ما حصلَ في تلك المَرّة؟"
ابتسم ساخراً من فكرته؛ لكنّها اشتعلتْ في رأسه أكثر:
"اردمِ القبرَ يا ولد, وكان الله بالسرّ عليماً....لن يكلّفك الأمرُ أكثرَ من ساعة عملٍ, وشاهدةٍ وهميّةٍ، وتملكُ قبراً يساوي ثمنَ البيت الذي لم تحصلْ عليه طوالَ حياتك"، نَفَضَ رأسَه كَمَنْ لسعته النار…
"هل تُنهي حياتك لصّاً يا سعيد؟. بعد كلّ تلك القيم, وذلك العذابِ, تنحدر من أستاذ مدرسةٍ إلى سارق قبور؟"
" قيَمُك, ومبادئك ترفٌ لا حاجةَ لأحدٍ به. إن لم تفعلْها أنت سيفعلها غيرُك, ويضيفُ قبراً جديداً إلى قائمة ممتلكاته. ألا يكفيك عمرٌ لتتعلّم؟...عمرٌ كاملٌ ضاع، وأنت تمسِـكُ بِذَيْلِ الفضيلة، وغيرُك كان يبيع ويشتري بعمرك, وبعد أن خرجْتَ, لم تجد حتى لحظة فرحٍ تعتزُّ فيها بانتصار قِيَمِك "، ابتلع ريقَه بصعوبة .
البرْدُ يزداد في الخارج، والريحُ تشتدُّ.
صفيرُها، وهذه الأفكارُ الغريبة نكأتِ الجرحَ القديم ...
كان يصرخُ في وجوههم مُحتجّاً:
ـ أنا المعلم الذي تشـهدُ المدرسة, والقرية كلُّها بنزاهته, وإخلاصه, أُسْحَب مثل المجرمين أمام الطلابِ والمعلمين؟!؛ لكنَّ التهمةَ التي واجَهتْه كانت أكبرَ من كلِّ احتجاجاته :
ـ ما هي علاقتك بالمدعو (س)؟
ـ (س ) زميلي, وابن قريتي، وعلاقتي به قديمةٌ، من أيام الدراسة .
ـ لا تتغابَ. سؤالي واضح: ما هي العلاقة السياسيّة التي تربطك به؟، ومنذ متى؟
ـ لا أعرف عمّا تتحدّث.
ـ أنت متّهمٌ بالانتماء إلى تنظيمٍ مشبوهٍ تدعمه إحدى الدول, وتقاضيتَ - مقابل ذلك- مَبالغَ ماليّة ً عن طريق المدعو( س) .
صدَمَه الاتّهام ..
ـ أنا ؟...مبالغُ ماليّة؟...تجمَّد الدم في عروقه, وتيبَّسَ حلقه، طلبَ كأسَ ماءٍ, وهو يحاول أن يستوعبَ ما يَسمع.
ـ يا سِّيدي...أنا معلّم مدرسةٍ، أكره السياسة, وعلاقتي بـ (س) لا تتعدّى الأمورَ الإنسـانيَّة. هو زميلي, وابنُ قريتي, وغيرُ ذلك لا شيء.
ـ (س) كان سهراناً عندك ليلةَ هُروبِه، ُتنكِر
ـ لا...كان عندي, ومن ليلتِها اختفى, ولا أدري إن كان هربَ, ومن أيِّ شيءٍ قد هرب.
ـ في تلك الليلة قبضتَ منه الدفعةَ الأخيرة.
ـ أنا لا أنتمي إلى أي تنظيمٍ, ولمْ أستلمْ أيَّ شيءٍ, وليس أنا من يبيعُ شرفَه، وكرامته. اسألوا عني إن كنتم لا تعرفونني.
ـ قلتُ لك لا تتغابَ. نحن نعرف كلَّ شيءٍ, وأنتم مُراقَبون منذ زمن.
ـ ولماذا لم تمنعوه من الهرب، ما دمتم تراقبوننا؟
وجاءه الجوابُ سريعاً...طنيناً حاداًً صمَّ أذنه, وكفاً قويَّة ً ألهَبَتْ خدَّه.
بصَق دماً، وصمت، أيقنَ أنَّ الأمرَ خطـير, وأنّه وقع في ورطةٍ الله وحده يعلمُ إن كان سيخرج منها أم لا.
وامتدَّ العذابُ طويـلاً: بين غرفةِ التحقيق، والزنزانةِ، وقبوِ التعذيب .
ارتسمتْ آثارُه على كلِّ جزءٍ من جسده, وانحفرتْ في أعماق روحه.
فقدَ رجولته، وفقدَ معها كلَّ جميلٍ في الحياة.
لكنَّ عذابَه الأعظمَ كان حين رأى اسمه مسجَّلاً على تلك الورقة الملآى بالأختام التي أبرزَها المحقِّقُ الشابُّ ذو النظرةِ الحادّةِ, عليها أسماءٌ وتواريخُ, وأرقامٌ، ومواعيد زياراتِ صديقه , وبجانب كلِّ زيارةٍ رقمٌ كبير.
لم يصدِّقْ ما رآه، اعـتقدَ أنَّ الورقـةَ مجرّدُ لعبةٍ ذكـيّةٍ من محقِّقٍ يريدُ أن يثبتَ جَدارته .
في جلسة التحقيق الأخيرة, أسنده اثنان من السـجّانين، وجلس خائرَ القوى والجوابُ نفسُه يتكرَّرُ:
ـ يا سيّدي، الحقيقة هي ما قلته لك دائماً: لا أعرفُ شيئاً عن الورقة, ولا عن الوقائع التي ذكرتَها،؛ وإن كنتَ تريدُ غيرَ الحقيقة, فأنا مستعدٌّ أن أعترفَ بما تريد, وعلى أيّة حالٍ –بعد كلِّ ما عرفتُه- الحياة لم تعُدْ تـهمُّني.
بات متأكّداً أن الإنسان الذي فتح له بيتَه في جميع الظروف, واستقبله في غرفته الوحيدةِ، كان يبيع ويشتري به؛ لكنَّه لا يملك الإثباتَ، ويخرج.
والمحقِّّق أصبح مقتنعاً أنه بريءٌ؛ لكنَّه لا يملك الدّليلَ، فيُخْرِجَه.
و بين القناعة, والإثبات, يمضي العمرُ بطيئاً داخِلَ الجدران الرطبة.
* * *
هديرُ رعدٍ بعيدٍ يهزُّ النافذة. يلتفتُ حوله, قلبُه ينبض بسرعة, ووجهه أحمرُ مزرقٌّ كما لو أنَّه يسمعُ حكمَ الإعدامِ الآن.
ينظر إلى النافذة: كلُّ شيءٍ خلفها مُعتِماً..."لن تأتيَ جنازة، ولن يُدفنَ ميّت...ومن يَدفن أمواتَه في الليل؟"، ينهض بصعوبةٍ، عظامُه تصطكُّ من البردِ والألم, والحمّى تشـتعل في رأسه، يخرج من الغرفة.
العاصفة تهبُّ باردةً, و الشارع خالٍ من السيارات. حتى أضواءُ المدينة لا تُرى في هذا الليل الثقيل، نباحُ كلبٍ يأتي من مكانٍ ما... يردُّ عليه نباحٌ آخر.
وحدَه, وليل المقبرة، يقف مثل ذئبٍ يحتضر، يعود إلى غرفته، ورغبةٌ بالتقيُّؤ تنتابه، يُحكِمُ إغلاقَ الباب، يتّصل بزوجته، يسأل عن ابنه، ويخبرُها أنه لن يستطيعَ العودة إلى البيت.
يملأ إبريقَ الألمنيوم, يضعه فوق سخّانة الكهرباء, ويجهِّز كأس متّة، يلفُّ هيكله الضعيف بمعطفه القديم، وفكرُه مشغولٌ بزوجته المريضة.
زايَله خوفٌ من شيءٍ لا يدركه، خوفٌ مبهمٌ عميقٌ، وشعورٌ باليأس طغى على نفسه، أسْلَمَ نفسَه للمشاعر المضطرمة التي تتصارع في داخله، وراح في شرودٍ طويلٍ يستمع إلى صوت الريح العاصفة في الخارج، وهسيسِ الماء الذي بدأ يَغلي فوق سخّانة الكهرباء.
لا أحدَ يدري في هذه اللحظة هل هو يهذي, أم هي أحلام يقظةٍ يثيرُها ليلُ المقبرة الموحش، أم هي ذكرياتُ السـنين البائسةِ التي نسيَ عددَها, ولم يَعُدْ يأبهُ بها منذ زمنٍ طويل. كيف مَضَتْ تلك السنين؟، وأين ذهب ذلك الأمل والطموح العارم؟, ولماذا انقلبت فرحـة العيش إلى خيباتٍ متلاحقة, تركتْ في جسـده عاهاتٍ لا تزول, وعلى وجهه ملامحَ بؤسٍ وعبوسٍ دائمٍ، وفي نفسه زهداً في الحياة.
فهو، إنما يعيش كي يملأ كيسَ العمر الذي أصبح فائضاً في نظره منذ أن أنقذتْه من الموت صدفةٌ تاريخيّة، حين أَخرجَ التاريخُ لسـانَه للجميع، وسخِر بهم, وبدّلتِ السياسةُ الأعداءَ والأصدقاء, وكُشِفَتِ الأسرارُ، وانكشـفتْ معها الحقائقُ, وخرج يحمل براءةً ثمنها عشرُ سنين من عمره، وأبٌ مات دون أن يراه, وزوجةٌ أكلت ليالي الانتظار خلف آلة الخياطة زهرةَ شـبابها, وابنٌ تركه رضيعاً, فما تعرّف على أبيه, ولم يعترفْ به، نفر من هذا الغريب الذي دخل غـرفة أمِّـه, وشاركه حضنها، وفراشها.
"ماذا أفعل بالبراءة, والناسُ الذين أحببتهم, وخدمتهم دون مقابلٍ أصبحوا يتجنّـبون زيـارتي، خوفاً على مسـتقبل أولادهم، أو خوفاً على مصالحهم؟"
لم يلمْ أحداً؛ لكنّه بكى على صدر امرأته:
"زيارتي أصبحت تحتاج إلى فارس...والزمن لم يَعُدْ زمنَ فروسيَّة !"
بيتُ والده تغيّرَ، جدّدَ أخوه البناءَ, وبقيتْ غرفتُه القديمة. صار همُّه العودةُ إلى عمله، والعودة تحتاج إلى قرارٍ, وحتَّى يصدر ذلك القرار, عاش غريباً في بيته: تؤلمُه شكوى زوجته، تجرحُه نظراتُ أخيه, وتلميحاته، كَرِهَ حرّيَّتَه, وبراءته. كلَّ يومٍ يسأل... من دائرةٍ إلى دائرةٍ، ومن مكتبٍ إلى آخرَ، حتى جاء القرارُ أخيراً، ولكنْ بعيداً عن التعليم .
ـ راجِعْ بلديّةَ المحافظة، قال له الموظّف متأثّراً.
ـ ولكنِّي خرجتُ بريئاً, ولا شيءَ ضدّي.
ـ أنا متأسّفٌ حقّاً, ولكنْ, القرارُ هو القرارُ كما تعلم.
نقلَ أمتعته القليلة, واستأجر بناءً متداعياً سُمِّي بيتاً, وعُيِّن حارساً على هذه المقبرة.
* * *
البرق يلمع, والرعد يقصف بشدّة, والريح تدفع حبّاتِ المطر الغزيرةَ, تضرب زجاج النافذة. يلهثُ أنفاسَه بصعوبةٍ تحت معطفه القديم، وجهه يشعُّ محمرّاً, وعيناه تتّقدان كجمرتين، هذيان الحمّى يختلط بالذكريات المؤلمة.
يتحسّس أنفاسَه, يلصق أذنَه بالمخدّة, يتأكّد من صوت نبضاته. ضبابٌ كثيفٌ يملأ رأسه، والأشياءُ تغيبُ عن عينيه، حفرة القبر تظهر من خلف الضباب, تفتح فمها مثلَ وحشٍ مفترس، الرفش في يده , والتراب لدنٌ من ماء المطر، ويبذل جهداً كي يهربَ؛ لكنّ جسـدَه لا يطاوعه، تتقطّع أنفاسُـه, والحفرة تحدّق فيه بتحـدٍّ، يغمض عينيه, لا يريد أن يراها، يهرب من الموت القابع في عتمتها...يلهث بشـدّه، أنفاسُه لم تعدْ تكفيه, والوهَنُ يشلُّ أعضاءه، تنزلق قدماه، يسقطُ الجسدُ المتلاشي مثل منديلٍ مهترئ، يتشبّثُ بالهواء؛ لكنَّه يهبط.
لا شيء سوى ظلام ٍ دامس، وصمتٍ مطبق.
* * *
كلُّ شيءٍ في الغرفة ساكنٌ سكونَ المقبرة.
سخّانة الكهرباء تنشُر حرارتَها بصمت، والهاتفُ فوق الطاولة يرنُّ، صوته يختلط بضجيج الطيور المبكِّرة بعد ليلةٍ قاسـية، الطبيعة تفتّحتْ من جديدٍ، هادئةً هدوءَ جيشٍ متعبٍ بعد معركةٍ عنيفة.
المـطر يوقِّعُ عزفه الرتيبَ على زجاج النافذة الصغـيرة, والهاتف فوق الطاولة مازال يرنُّ، ويرنُّ... ويرن.
-----------------------------------
منذر فالح الغزالي
حارس المقبرة
مناخات نفسية تبدع لها استعارات من الطبيعة
المقبرة /البلد تحت الاستبداد.
الرياح الشتوية /قلقه وخوفه.
التلفون ورنينه /علاقته بمن هم اهله صلة ضمن سرية مصطنعة .
تفانيه في العمل وصدقه قوبل بمظبطة اتهام سببها له صديقه الذي كان يستأمنه...تلك في العمق خيانة وقبر محفور كفخ مستور ..نبشته يد المراقبة .
السجن نفي من الحياة وتعذيب بلا جريرة
والسجن الآخر حراسة دنيا ميتة نموذجها صديقه وما واجهة القبور والحشوة الا صورة عن الاحياء الاموات كذلك
حارس القبر يرى من فوق ومن داخل احساسه ..انه تجربة شعب تتفكك اسره بالظلم والفساد والاستغلال ليكون الابن غير متشبع بعاطفة الرجولة والام تعيش فراغا عاطفيا قابلة للانحراف او تحاربه ..بالصبر ..الاب يستقل عن كل شيء الا عن توقه ليعطي اسرته من قلبه كما وطنه ..فابعد عن الحالين في السجن وفي المقبرة ..سجنان لتوقه . وللحياة ..فاستبد به العمر والوساوس ..هل يمارس خيانة صديقة فيسرق قبرا لم تحضر جثته فيسلب ثمنه لانه اتهم بقبض اموال لم يرها .. والعمر هل يعود الليلة الى اهله
الوقت قد تأخر
لعبت الذكريات به وضعفه فهوى في اللحد .
تاركا كل شيء حوله بلا ذاكرة .

الشـــاعر/ مصطفى مزريب - سوريا&&&&



 *بيروت جرح *

(أنشد لبيروت ثانية )..
تماهى الشقاء على أرض يعرب°
وبيروت جرح تمادى ويغضب°
وتغفو الجراح على مد كون
وبيروت تنزف في كل مغرب°
وتنزف صبحا" فلا من عشيق
يطبب روحا".. وللنور أقرب°
وكل يراقب مر' السحاب
وبيروت تبكي .. على بعد يثرب°
كأن المصيبة فيلم قصير
وبعض الغيوم على البدر تعتب°
وتمضي المكاره والشعب غاف
وبيروت تزأر والشرق يخطب°
فلا من مغيث على مد شرق
وكل الوجود على مد أجرب°
ولا من مغيث على مد غرب
وكل العطايا .. مرايا لأغرب°
وتبكي النجوم وبيروت تبكي
ومسرى يبارك أفعال أشعب °
تبارك كونك بيروت ظلي
عيون' السماء..ومجدا" ليعرب°
شعر ؛ مصطفى مزريب.أبوبسام
جبلة.سورية مباشر

الأديب/ عبد الرحمان الصوفي- المغرب &&&


 

دراسة نقدية ذرائعية مستقطعة لرواية " الجسد الجريح في زمن كورونا " ل " المصطفى الزواوي "

عنوان الدراسة : المظاهر السردية وعنف الزمن الكوروني في رواية " الجسد الجريح في زمن كورونا " .
الدراسة النقدية الذرائعية المستقطعة من إعداد : عبدالرحمان الصوفي / المغرب .
أولا - التقديم :
منح الحجر الصحي فرصة للكثير من الكتاب لجمع شتات أفكارهم وتدوينها ، حيث أصبحت أحلام اليقظة مصدرا للأفكار الواعدة والخلاقة . كما أن قضاء وقت طويل في المنزل يصيب الإنسان بالملل الذي يمهد لشرود ذهني يساعد ويسمح للخيال بأن يحلق في عالم التأمل لابتكار و صياغة أفكار جديدة ، لأن التفكير هو عملية ذهنية تحدث عند المبدع حين يكون متفرغا وغير منشغل بإنتاج آخر . والمعروف في تاريخ الأدب الإنساني أن الأزمات تولد الإبداع ، أي أن الإبداع يصير السبيل الأوحد لمواجهة الأزمات بمختلف تجلياتها سواء سياسية او اقتصادية أو اجتماعية ... خلال الكثير من الأزمات التاريخية حدث زلزال في الذات الإنسانية ، فولد عصفا ذهنيا عند الجماعات والأفراد ، صار فيها الإبداع هو الملاذ والحل الأمثل لتخليص الناس من الأزمة .
لقد كان الأدب دوما مرافقا للبشرية في كل أزماتها ، وأزمنتها الحضارية عبر مد العصور ، يسجل طموحاتها ، ويؤرخ لمعاناتها وأفراحها ، ويستشرف مستقبلها ، ويرصد أحلامها ، ظل مرآة لما عاشه وعايشه الإنسان من اضطراب وفوضى داخلية أو خارجية ، ولذلك كان الأدب ، شعرا ورواية ومسرحا وقصة وغيرها ، دوما رفيقا لمعاناة الإنسان .
لقد اشتهرت الرواية خصوصا بتعاطيها مع ما أصاب الإنسان من كوارث وأحداث ، خاصة تلك المتعلقة بالأوبئة والأمراض المعدية ، منها روايات عالجت مأساة الإنسانية ومعاناتها وحربها ضد أوبئة فتاكة قهرته ، وحصدت الملايين من الأرواح ، نذكر منها " حكايات كانتريري " ، التي كتبها جيفري تشوسر ( وباء الطاعون ) ، ورواية " دفتر أحوال عام الطاعون " التي كتبها الإنجليزي دانييل ديفو ، ورواية " حصان شاحب ، فارس شاحب "التي أصدرتها الروائية الأمريكية كاثرين آن بورتر وروايات أخرى كثيرة أشهرها " الحب زمن الكوليرا . في هذا السياق نطرح الأسئلة التالية :
- هل هناك إبداع زمن أزمة كورونا ؟
- وهل يمكن أن بكون هذا الإبداع زمن كورونا إبداع لمواجهة الأزمة ؟
- وهل الأدب زمن كورونا يساهم في إدارة الأزمة ؟
هذه الأسئلة وغيرها ستكون موضوع دراستنا النقدية الذرائعية المستقطعة .
ثانيا – توطئة :
يقول عبدالرزاق عودة الغالبي في أهمية المكان والرمز في العمل الروائي السردي ما يلي :
" ... الروي هو انعكاس لعالم لغوي للحياة فوق مساحات الأوراق يشيّده الروائي المتـأرجح بين الواقع والخيال ، فيجعل العالم يتضمّن كلّ المشاعر والتصوّرات التي تستطيع اللغة التعبير عنها ، ويثبت براعته الفكرية في تلك الساحات ، رغم أن المكان في الرواية ليس هو المكان الطبيعي أو الموضوعي ، وإنما هو مكان يخلقه الأديب بمزج مدروس بين الحقيقة والخيال ، فالمكان في النص الروائي مكان متخيَّل ممزوج ببناء لغوي ترفعه الكلمات والتعابير انصياعًا لأغراض التخييل وحاجته ، فهو نتاج مجموعة من الأساليب اللغوية المختلفة في النص ، والتي تعكس براعة النصّاص في صناعتها، من ذلك نستنتج أن عبقرية الأدب تكمن في حيّزه السردي المدروس فكريًّا وجماليًّا ولغويًّا ، لذلك يكتسب المكان في الرواية أهمية كبيرة ، لأنّه أحد عناصرها الفنية التي تجري فيه الأحداث ، وتتحرّك من خلاله الشخصيات....([1])
فيستخدم الروائي الوصف ، ويبذل قصارى الجهد لإثبات إمكانيّته أن يجعل المتلقي يرى الأشياء أكثر وضوحًا وجمالًا من خلال الوصف الذي يخلق فيه فضاءات روائية مشوّقة يقتنص فيها المتلقي لقراءة الأشياء في مظهرها الحسي الموجودة عليه في العالم الخارجي، فالوصف يقدّم الأشياء للعيان بصورة أمينة تحرص على نقل المنظور الخارجي بشكل أدقّ وأوضح ...." ( 1 ) / الصفحة : 102
ثالثا - المدخل البصري لرواية " الجسد الجريح في زمن كورونا " .
رواية " الجسد الجريح في زمن كورونا " (2 ) رواية جديدة للروائي " المصطفى الزواوي " ، تتألف من ثلاثة فصول توثق لجائحة كورونا ، التي اجتاحت العالم مطلع السنة الجارية ، وغيرت معالم الحياة على كوكب الأرض .
الرواية من الحجم المتوسط تضم ثلاثة فصول ، غير معنونة . الفصل الأول يمتد من الوحدة السردية ( 1 ) إلى الوحدة السردية ( 7 ) ( الصفحة 74 ) .
الفصل الثاني / الصفحة ( 75 ) تتوسطها لوحة لفيروس كورونا وقد أصابت جسدا إنسانيا ، ثم يبدأ من الوحدة السردية ( 8 ) إلى الوحدة السردية ( 14 ) /الصفحة 136 . الفصل الثالث / الصفحة ( 137 ) تتوسطه صورة بالأبيض والأسود لفيروس كورونا منتشرا في جميع ارجاء الكرة الأرضية ، يمتد الفصل الثالث من الوحدة السردية ( 15 ) إلى الوحدة السردية ( 21 ) / ( الصفحة 200 .
الواجهة الأمامية لغلاف الرواية تتوسطها لوحة تشكيلية من إبداع " محمد الرجاوي " . أما الواجهة الخلفية للغلاف فتضم صورة المؤلف وسيرته الذاتية ، إلى جانب اختيار قرائي من الرواية ، وهو كما ما يلي : " شهد العالم منذ دجنبر 2019 اجتاح فيروس كورونا " كوفيد 19 " انطلاقا من وهان الصينية التي احتجز فيها التاجر رشيد المتزوج بصينية من نفس المدينة واضطر إلى مغادرتها بسبب الحجر الصحي ، الذي فرض بسبب انتشار الوباء في العالم ...
في ظل هذه الجائحة كلف المحقق اسحاق بإنجاز تحقيقات ودراسات على تطور الفيروس والوباء ، وما فرض على الجسد الجريح به ... منه من أصيب به ونجا من الموت زمنه من لقي حتفه ...بسبب هذا الوباء ارتسمت خريطة عالم جديد وتصورات جديدة للعام ...قضي على الفيروس أم لا ... سيظل الجسد القوي والمانع أو الجريح الهش في مواجهة دائمة لخطر الوباء بعد كل فترة من الزمن..." .
رابعا - السيرة الذاتية للمؤلف " المصطفى الزواوي " :
- أستاذ علم النفس وعلم الاجتماع والتواصل سابقا .
- كاتب صحفي في جرائد وطنية ودولية ومدير نشر ورئيس تحرير جريدة جهوية .
- صدر له كتاب " الرياضة ورهانات التنمية البشرية سنة 2019 .
- مخرج فيلم وثائقي حول " أوصيكا ورهانات فوسفاط آخر " / حائز على جائزة المجمع الشريف للفوسفاط بالمهرجان الدولي للفيلم الوثائقي بمدينة خريبكة سنة 2017 .
- منشط سوسيو - ثقافي .
خامسا – العتبة / العنوان : الجسد الجريح في زمن كورونا :
إن العنونة تتبدى في رواية " الجسد الجريح في زمن كورونا " بإيحائيتها وانفتاحها على التأويل ، وابتعادها عن المباشرة ، وارتباطها دلاليا بسياق المتن الروائي ومرجعياته ، وهي بذلك تشير إلى وعي مسبق بأهمية العنوان ، ووظيفته في إغواء القارئ ، وشد انتباهه وإثارة مخيلته . وهذا ما تحاول معظم استراتيجيات العنونة الروائية تحقيقه . ( لكن هل منشأ هذا الفيروس بشري أم طبيعي ...؟ هل يرضى أن يدمر الإنسان أخله الإنسان من لحمه ودمه والعودة بنا إلى بداية الإنسانية وما شهدته من وحشية وسيادة قانون الغاب ..؟ هل الظاهرة من صنع ذوي الرأسمال والنفوذ العالمي بهدف إخضاع الذوات الأخرى المستضعفة بالتالي ترسيخ الهيمنة وكسب أرباح طائلة من خلال بيع اللقاحات ..؟ ) ( 3 ) الصفحة ( 7 و 8 ) .
إن استراتيجية العنونة في الرواية مشحونة بضغوطات عنف الحجر الصحي زمن الجائحة .
فمعظم الأخصائيين في الصحة النفسية يؤكدون أن الحجر الصحي الذي فرض على أكثر من مليار شخص حول العالم بسبب جائحة فيروس كورونا ، ليس أمرا سهلا ، ولا موضوعا يستهان به ، إذ أنه إجراء استثنائي وغير مسبوق يقيد الحريات الفردية ، وهذا الوضع يتسبب بمشاكل نفسية للإنسان عبر أرجاء المعمورة .
سادسا - الوظائف السردية وعنف الزمن الكوروني في رواية " الجسد الجريح في زمن كورونا " .
تعد الأزمات التي تمر منها الإنسانية فرصة حقيقية قادرة على تغيير كل المظاهر السلبية في مختلف المجالات وتحويلها إلى أفضل إيجابي ، ونقصد أن الابتكار والإبداع متخفية وعلى شكل أزمة ، وعادة تكون كلمة السر الوحيدة وقت الأزمات هي الإبداع ، رغبة في التخلص من كل سلبي تقليدي أوجد وقاد البشرية نحو الأزمة . إن الإبداع والتفكير الجماعي هما السبيل لتجاوز كل أزمة .
أن الانفتاح على المستقبل هو من بين مقومات شخصية القرن الواحد والعشرين ، وفي ظل الأزمة التي يعيشها العالم خلال هذه الفترة بعد تفشي جائحة كورونا ، تواصل كل الجهات البحثية عبر العالم ، ومعاملها المركزية الليل بالنهار ، للخروج بالحلول الإبداعية التي تُساعد في التخلص والخروج من هذه الأزمة . والرواية واحدة من مجلات الإبداع التي تمثل عنصر الحياة الراغب التجديد والتجدد .
1 - الفصل الأول : تحولات اللعبة السردية / بين العلامات النصية والوحدات السردية :
تكشف مجموعة أحداث السرد في الرواية ( الفصل الأول من 1 إلى 7 ) ، عن مستوى حجم التغيير والاختلاف زمن الجائحة ( الجسد الجريح ) ، فتنفتح الوحدات السردية على لحظات الأمل والحلم والحكي ، تتصارع مع اختلاجات ذائقتها ، اقترابا باختلاف موضوعات الحكايا المنتقاة ، فالعلاقة بين أنا الشخصية وفضاء المكان والذاكرة في الرواية ، هي علاقة الكل بالجزء ( عاد مباشرة بحماسة زائدة من المقهى معرجا على "المارشي " متوجها إلى منزلهم القديم ... ) ، ذلك لأن الفضاء المكاني صار يتسع ويترابط سابقه بلاحقه ( تسلسل الأحداث ) ( ... قبل أن أتزوج بفتاة صينية والدها صاحب وحدة إنتاجية للسيارات في مدينة " ووهان " ...) ، أي أن القائم بالسرد يعرف اعتقادات القارئ ، ويوجه السرد حسب متطاباته ، فتتوضح حدود هذه الذاكرة فتشكل ابعادا جوهرية مؤلفة مزيدا من الإيحاءات والثغرات التبئيرية بكل وصلة ما من وصلات الآصرة المكانية والذاتية لدى الشخصية البطل اسحاق ومساعده رشيد .
يقول عبدالفتاح كيليطو : " ...إذا سلمنا بأن السرد ، كالسياسة والصدفة ، لعبة ، وجب علينا أن نبحث عن القواعد التي يخضع لها ، إن كانت هناك قواعد اللعب بصورة جلية وصريحة ، بينما يكاد القائم بالسرد والقارئ يجهلان قواعد السرد أو لا يعرفانها إلا بصفة ضمنية غامضة لا تتعدى مرحلة الإحساس المبهم ، وفرق أن تحس بوجود قاعدة وبين أن تعمل عنها بكيفية واضحة ..." ( 4 )
نقرأ في الفصل الأول من الرواية ، الصفحة 34 / : ( ... " وأخيرا رشيد أرسل لي عدة ملفات .. ، وضع الكتاب جانبا ، متشوقا ، بدأ في تصفح الإرساليات ، جمل الملف الأول ، فتحه قائلا في نفسه :
- هذا يتعلق بكتاب معنون هو الآخر بالفرنسية وكأن الغرب وحده من بهتم بالبحث والتأليف في هذا المجال ، قرأ عنوانا مثيرا :
- تقرير جديد لوكالة الاستخبارات الأمريكية كاتبه ، ألكسندر رايس : " le nouveau rapport de la
CIA" ،
موصيا بقراءة بعض الصفحات بعينها ...
فتح الملف وسط دهشة لا نظير لها متسائلا ومتلهفا ذهب مباشرة إلى الصفحة : 203 قرأ باستغراب :
- حوالي 2020 ، بقدر ما يرتدي الأشخاص بكثرة الكمامات في الشارع العام خوفا من الإصابة بمرض يصيب الرئة .. ، سيصبحون أكثر مقاومة لأي علاج .. ومع أن هذا المرض يبدو أكثر إحباطا لما يزرع الرعب في النفوس في فصل الشتاء سبزول ، لكن سيعود بعد عقد من الزمن ويرمي بالباحثين في دوامة المجهول حول أسبابه وكيفية علاجه ... " ) .
تتدرج العلاقات السردية في العلامات النصية في الرواية أفقيا وعموديا ، عبر عشرات التفاصيل والأحداث الرئيسية والوقائع الثانوية و الجزئية ، المنفتحة والمنقادة استجابة لاشعورية متموقعة في مسرود ذات الشخوص في رواية " الجسد الجريح في زمن كورونا " ، فيما يبقى الرصد التصويري للروائي يتشكل بتلقائية في الرواية ، مقترنا بواقع الحجر الصحي ، الذي يظهر ويحضر البطل اسحاق ومساعده رشيد " ، ويظهر كذلك المظاهر السرية ( تحقيقات وتقارير ) ( أهلا أخي إسحاق ، دائما نفس " المونتو " الشبيه بالمحقق " كولومبو " ... ) الصفحة 5
أما " محمد الورداشي " فيقول في تعريفه لتداخل المظاهر السردية في الرواية :" ...هو نقل مجموعة من الأحداث من صميم الواقع أو نسج الخيال أو منهما معا، في إطار زماني ومكاني محدد بحبكة فنية متقنة، أي الأحداث لا بد أن تكون محددة في الزمكان، وأن سرد هذه الأحداث لا يكون اعتباطيا أو عبثيا ، بل يستند إلى سلسلة من القواعد الناظمة لسير الأحداث. وغياب هذه القواعد سيجعلنا أمام سلسلة أحداث تملأ مساحة فضائية فقط، وغير قادرة على صنع نص سردي منسجم...." ( 5 ) .
أما علاقة السرد بعنف الزمن الكوروني / زمن الجائحة في الرواية فهي متداخلة ومتشابكة ، وهي تتشابه بمظاهر السردية في الروايات التي كتبت زمن الأوبئة ، مع الاختلاف في قوتها وشهرتها ، ونذكر من هؤلاء ما جسده الكاتب الإنجليزي دانييل ديفو ، مؤلف ( روبنسون كروزو) ، من عنف لباء الطاعون في روايته "صحيفة يوم الطاعون" ، فوصف فيها مشاهد الخوف والذعر التي انتاب الجميع إثر تفشي الطاعون ، وغيرها من الروايات الأخرى .
يمكننا القول أن المجال الثقافي والكتابة الأدبية في زمن كورونا ، بحاجة لمزيد من الوقت والمراقبة عن كثب ، لكي يتمكن الكتاب من تقييم الآثار التي ترتبت على إرغام الناس البقاء في بيوتهم ( الحجر الصحي - العزل الإجباري ) خاصة أنها تجارب إنسانية صعبة ، ستترك آثارا كبيرة على الإنتاجات الأدبية والفنية لهذه المرحلة البالغة الأهمية من التاريخ الحديث .إن استرجاع الماضي في الفصل الأول من رواية " الجسد الجريح في زمن كورونا " يعد وجها من وجوه المفارقات الزمنية ( ربما " أركانة " تلك المقهى التي سبق لها أن انفجرت ..؟ / كيف تعرضت مراكش لحادثين إرهابيين ... / فكيف يتم إذن حدوث مثل هذا القتل الفظيع لقطعتين بشريتين من لحمنا ودمنا كبشر بطريقة الذبح من الوريد إلى الوريد على شاكلة نحر شاة أو إبل من العنق ..." .
2 - الفصل الثاني : المسرود العرضي وكسر وتيرة الزمن في رواية " الجسد الجريح زمن كورونا "
تتبنى أحداث السرد في الفصل الثاني في رواية " الجسد الجريح في زمن كورونا " مسرود عرضي نعاين من خلالها سرد الشخصية المشاركة ، لأحداث استباقية من زمن الحكي . كما تحتل الشخصية موقعا مهما داخل بنية النص السردي ، فهي من تقود الأحداث وتنظم الأفعال ، وقد تكون رئيسة أو ثانوية أو عابرة ، ثم إنها ، فضلا عن ذلك ، تعتبر العنصر الوحيد الذي تتقاطع عنده كافة الإحداثيات الشكلية الأخرى بما فيها عنصرا الزمان والمكان ، إذ يعدان ضروريين لنمو الخطاب السردي.
وقد نالت الشخصية في الرواية نصيبها من الدراسة ، إذ قدمت حولها أبحاث كثيرة عكست تطور مفهوم الشخصية الذي رافق تطور نظرة النقاد إلى الرواية ، والجدير بالذكر أن الرواية قد أولت اهتماما كبيرا للشخصية لا سيما لملامحها الخارجية وتصوير مظهرها بدقة , ( ... سيكون هذا الحدث ربما هو حدث السنة أو العقد الثاني من الألفية الثانية بامتياز ، وإذا ما صحت التوقعات سيخلق ثورة عالمية متعدد الأبعاد : اقتصاديا اجتماعيا سياسيا استراتجيا فكريا معلوماتيا ...لا غرو ستعصف بكل ما هو قديم وتشيد عالما جديدا بمنظومات جديدة فكريا وسلوكيا وقيميا .. ، ستكرس زعامة من له قوة الذكاء بكل أنواعه : الصناعي ، والاجتماعي ، والعلمي ، والمعرفي ، والذهني ..." الصفحة 81 و 82
تحكم في" المصطفى الزواوي " وتيرة الزمن من خلال منح شخوص روايته ذلك المد التدريجي الخاص من زمن تفاصيل حكايات وربورتاجات وتحقيقات ، نتعرف منها على ملامح هوية الزمن المضمر والمعلن متمثلا في ظلال أحداث الرواية ( زمن كورونا ) ، ومن هذا المنطلق بالذات يصير بمقدورنا أن نرى لوحات وإمكانيات التمثيل السردي على أساس التحول من حالة إلى حالة أخرى في رؤية الواقع الكوروني والواقع الروائي . ( ...غربت شمس شهر فبراير بتزايد الإصابات في عدد من دول العالم في في مقدمتها إيطاليا وفرنسا وألمانيا ثم الولايات المتحدة الأمريكية ويم بعد دول عربية كما تبرزها عناوين الصحف الصادرة ... أمام هذا الوضع أصيب الإنسان بوسواس قهري تتجلى أعراضه في التتبع المرضي لما ينشر في القنوات الأجنبية والمحلية وفي الواتساب وشبكات التواصل الاجتماعي ...) الصفحة : ( 91 ) .
يحتوي كل نص سردي على مسرح تقع فيه الأحداث وتتسارع في ميدانه الواسع الأفكار والشخصيات . ويحتل المكان أهمية خاصة في تشكيل فضاء مسرح اللعبة السردية التي ترسم مظاهره و أبعاده ، فهو يؤلف إطارا مكتوبا ومتفاعلا مع بقية العناصر البنائية الأخرى المكونة للرواية . والمكان لا يقتصر على كونه بعدا هندسيا ولكنه ، فضلا عن ذلك ، نظام من العلاقات المجردة ، أي أنه يتحول وسطا حيويا تتجسد من خلاله حركات الشخصيات ، التي تنسج مسارها الروائي في شكل خط مزدوج متناقض ومتشابك ، وهذا ما يجعل الأحداث بدورها متشابكة ومتداخلة ، وفي أحيان أخرى ، تبدو متنافرة متباعدة ، وهذا ما يقودنا إلى القول أن البعد النفسي للمكان داخل النص الروائي في ( الفصل الثاني ) من الرواية . لقد أصبح التركيز ( حاليا ) على المكان من جوانب الاستراتيجيات النصية الملتحمة بالمظاهر السردية والتكنيك السردي عموما ، وهي المهمة التي تلجأ إليها الكتابات الجديدة في الرواية . إن البعد النفسي هو أكثر الأبعاد المكانية حميمية وانتشارا . تقول " الدليمي لطفية : " المكان الذي يثير نوعا ومقدارا من المشاعر تعاطفا أو تنافرا، قلما يستأثر باهتمام الكاتب وإضفاء الصيغة الشعورية عليه تبدأ لحظة اختياره مسرحا للعمل الفني..." ( 6 )
( ... حقا العزل سيطرح أيضا مشكل اللقاء مع الأقارب والأصدقاء وزيارة الفضاءات العمومية ... هذا الوباء اللعين سيشل حركة الجسد ... ) الصفحة ( 106 )
العوالم السردية هي تمثيل بلاغي مضاعف ، ليس من غاياته الوصف المباشر ، إنما الإيحاء ، والتلميح ، والترميز ... يقول عبدالرزاق عود الغالبي : " ... فالتصوير اللغوي إيحاءٌ لا نهائي يتجاوز الصور المرئية ، لكونه صورة فنية تعمل كثمرة انتقاء وتهذيب للمادة المحسوسة ، المستمدة من الطبيعة أو من الحياة الإنسانيـة ، وغاية هذا الانتقاء هو إثارة التأثير أو الانفعـال الجمالي ، فوظيفة الكلمات في المحيط الخارجي لا تعدو أن تكون مجرّد إشارات لأشياء بعينها ، بيد أن وجودها داخل سياق النص الروائي يعطيها بعدًا دلاليًّا عميقًا ، حين تتعدّى هذه الكلمات كينونتها كإشارات باتجاه كونها رموزًا ذات كثافة دلالية ، وهي بذلك تنتقل من معناها الدلالي المباشر إلى مستوى أعلى في الدلالة . وجدير بالذكر أن الكلمات تصبح رموزًا في سياق النص الروائي حينما تكون موحية ، وتوعز بمعان كثيرة ، تلك المعاني التي يمكننا التوصّل إليها من طبيعة الكلمة ذاتها ، ومن تكرارها داخل النص الروائي ، ومن كيفية توظيفها في إطار الصورة الفنية ، فضلًا عن علاقتها ببقية عناصر الرواية من شخصيات وحدث وزمان … " ( 7 )
3 - الفصل الثالث : الكفاءة السردية في واقع الزمن المروي في رواية " الجسد الجريح في زمن كورونا " :
أن مظاهر الكفاءة السردية تتجلى في الرواية دون سواها من الأنواع الأدبية الأخرى ، لأن هذه الكفاءة السردية قادرة على استيعاب التجارب الإنسانية المختلفة والمتنوعة ذاتا وموضوعا ، فمن خلالها يتم تمثيل الهويات المتباينة ، التي تعبر الحدود الثقافية لأرجاء المعمور ، وهي تتخطّى اللغات ، والثقافات و ترافق أحوال الإنسان حيثما وجد ، فمرونتها توفّر لها القدرة على ذلك . (... اقترب من حاجز أمني اعتذر مؤجلا الحديث ... ضغط على الفرامل نقص من السرعة وقف في علامة " قف الشرطة " ... / هنالك أمور لا يمكنك فهمها في إطار فكري منظم تخضع للمنطق ... / ) . الفصل الثالث من الرواية يلبس لبوس مرجعياتها الثقافية ( علم النفس وعلم الاجتماع ) ، ولا تنسخان عن بعضها البعض ، بل تتكيف مع التكنيك السردي ومظاهره في الرواية . " ...أصبحت الرواية سجلا اجتماعيا ، لأنها اقترحت بحثا مجازيا في الصراعات السياسية ، والمذهبية ، والعرقية ، بما في ذلك الهويات ، والآمال ، والحريات ، وانخرطت في معمعة التاريخ الاجتماعي ، وفي كشف مصائر المنفيّين ، والمشرّدين ، والمهجّرين ، والنساء ، وضحايا الحروب الأهلية ، والاستبداد السياسي ، والاجتماعي ، والديني . وأمسى من الضروري ، تغيير موقع الرواية من كونها مدوّنة نصّيّة إلى خطاب تعدّدي ، منشبك بالخلفيّات الحاضنة له فلا يسجّل السرد واقعا ، أو يعكس حقيقة قائمة بذاتها ، بل يقوم بتركيب عوالم متخيّلة مناظرة للعوالم الواقعيّة .... " ( 8 )
ونقرأ في الصفحة 163 من الرواية ، ما يلي : " ... انتهى الحجر الصحي أم لا ينتهي ، قائلا في خاطره ، فماهية الإنسان هي - هي .. ، فلا حركة للجسد بدون فكر وروح فالشيء وضده سرمديان وكل شيء في الطبيعة يحمل في طياته ومكوناته جينات تتوالد وخلايا تحيا وتموت ، توقف ألقى بنظرة عميقة في الصابون صدر منه زفيرا وسط صمت المنزل مازال كل أفراد عائلته يغطون في سبات عميق من كثرة السهر في ليالي رمضان ..."
أضحت الرواية سجلّا نتلمس فيه ما يثير الهلع في النفوس زمن الجائحة ، وعنف الحجر الصحي ، وانتشار الفيروس الخانق للأنفس .وباء كورونا يحضر في الرواية كحرب عالمية ثالثة ( حرب إنسانية ضد فيروس سريع الانتشار ) ، العالم كله على جبهة محاربة عدو واحد ، بعيدا عن الدين والقومية واللون والجغرافيا ، الجميع مجند ، وهو تجند يذكرنا بما قرأناه وما شاهدناه في أفلام وما سمعناه من أجدادنا عن الاستعدادات التي خاضتها البشرية ضد النازية في الحرب العالمية الثانية . لقد خلفت الحرب العالمية الثانية حوالي أزيد من سبعين مليون ضحية ، وها هي كورونا تهدد الحياة من أصلها ، أي محو الحياة من على وجه الأرض .
يدخل المكان في السرد الرواية فيؤثر على حركة السارد ، فيغير إيقاع السرد بعبور السارد أمكنة مختلفة في الرواية ، ممّا يؤدي إلى تغير الأمكنة داخل الفضاء الروائي ، الذي ينتج عنه نقطة تحوّل حاسمة في الحبكة ، و بالتالي في تركيب السرد والمنحنى الدرامي الذي يتّخذه ، وكذلك علاقة تأثير وتأثّر بين المكان والشخصيات الروائية ،إذ يُعد المكان عنصرًا أساسيًّا في تشكيل بنية هذه الشخصيات ، كما أنّه لا يتشكّل إلّا من خلال اختراق هذه الشخصيات له في رواية " الجسد الجريح في زمن كورونا " .
ونقرأ في الصفحة : 199 ما يلي : " ...ربما استعمال لفظة الحب لا أريده شعورا شكليا ، فالشعور بالحب له عندي معنى وجودي وصوفي أعمق من مجرد قول تتبعه رغبة في الفراش والمضاجعة كما هو معروف في قصدية الزواج أي التوالد من أجل استمرار النشء .. ؟ . فمعنى الحب أن تكون أنت الحبيب " هو – هو " بتعبير منطقي ، فلا يمكن أن نميز بين جسد الاثنين فروح الأول تذوب في الثاني ... " .
خامسا - خاتمة :
هناك روايات استندت إلى التخييل بشكل كبير، وكانت ذات بعد استشرافي ، جعلها تتوقّع حدوث أوبئة استثنائية ، وتصف بدقة مختلف ما يمكن أن يصيب العقول والأجساد البشرية ، فكانت في مجملها عبارة عن محاكمات أخلاقية قاسية للتوجهات الحضارية الجارية ، وأشهرها رواية “الطاعون” التي كتبها ألبير كامو سنة 1947، أي مباشرة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ورواية “العمى” التي ألفها البرتغالي جوزيه ساراماغو سنة 1995، والتي تنتهي بقولة عميقة لزوجة الطبيب بطل الرواية، وكانت الوحيدة التي نجت من وباء العمى: " لا أعتقد أننا عمينا ، بل أعتقد أننا عميان يرون ، بشر عميان يستطيعون أن يروا لكنهم لا يرون . " . استمرت اهتمام الأدب بالأوبئة والأمراض المعدية " حتى صار بإمكاننا أن نضيف إلى الجنس الروائي نوعا روائيا سمّي أدب الأوبئة " ، فإلى حدود الألفية الثالثة صدرت العديد من الأعمال الروائية التي تعالج موضوعة الأوبئة وتبدع في تخيل إمكانيات العدوى وانتشارها وما يتبعها من فقدان للتحكم وانهيار للقيم ، نذكر رواية " عام الطوفان " التي صدرت عام 2009 ، للكاتبة الكندية مارغريت آتوود ، ورواية " المحطّة الحادية عشرة " للكندية كذلك ، إيميلي سانت جون مانديل التي نشرتها سنة 2014 ، وهي روايات أستفادت كثيرا من قراءة السيناريوهات السابقة التي ظهرت مع بعض الأوبئة المحدودة الانتشار ، لكنّها أعطتها أبعادا عالمية . ولذلك أعتقد أن الأدب سيظل رفيقا للبشرية كما أشرت في التقديم ، بل وستزداد أهميته كثيرا ، بحكم طغيان الجوانب المادية على الحضارة ، وحاجة الإنسان الملحة إلى الأبعاد الوجدانية والروحية ، وهي المجال الحيوي للأدب ، ولذلك ينبغي أن يكون الرهان كبيرا على الأدب والثقافة والفن بشكل عام ، لمن أراد أن يبني نموذجا حضاريا إنسانيا متوازنا ليخلص هذا المجال من جنوحه وزيغه وإفساده للفطرة الخلاّقة التي تميل إلى التعايش والسلام والخير والمحبة ، وتكره الظلم والفساد .
المصادر والمراجع :
1 – دور الذرائعية في إعادة سيادة الأجناس الأدبية / عبدالرزاق عودة الغالبي
2 - رواية " الجسد الجريح في زمن كورونا " / المصطفى الزواوي .
3 – المرجع ( 2) نفسه / الصفحة 7 و 8 .
4- مجلة الآداب / 1980 / السنة الثامنة والعشرون / عدد خاص ( 2 و3 ) الصفحة 83
5– محمد الورداشي / موقع الحوار المتمدن
6 - / الدليمي، لطفيّة / فيزياء الرواية وموسيقى الفلسفة، دار المدى، بغداد، 2016
7 – المرجع ( 1 ) نفسه / الصفحة : 104
8 - الأدب والإنسان الغربي، ترجمة شكري محمد عياد، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2000
9 - المنير في اللغة العربية (الجذع المشترك، والتعليم الأصيل)
10 - اللغة والحجاج: أبو بكر العزاوي
11 - المعجم الفلسفي بالألفاظ العربية والفرنسية والانجليزية واللاتينية: جميل صليبا
12 //- Roland Barthes : introduction à l’analyse Structural des recit, « collectif » édition du Seuil, Paris , 1977, P 32.
13 ///- Voir : R. Barthes : introduction à l’analyse structural des récit, P P 14. 15.

الشاعر/ مالك الحزين الرفاعي***



 لقاء بين العصفورة و الملك بعد طول انتظار

**********************************
الأديب الدكتور مالك الحزين الرفاعي
*****************************
قال الملك للعصفورة:
تغيبين طويلا .. أين تذهبين؟!!!..
فانا بشأنك محتار!!!..
قالت العصفورة:
انا أحب الطيران .. أعشق الأسفار ..
و انت تسافر عن القصر فتغيب كثيرا.. أحلق بين البلدان .. بين الفراشات .. بين الأزهار ..
قال لها بغيرة:
شكلك يسبي العابرين و النظّار..
تغريدك يسلب العقول ليل نهار..
أرجو ان تنتبهي لنفسك في الأسفار..
فأنت ضعيفة..
و هنالك تقلبات.. و أمطار ..
قالت:
رغم أني ضعيفة .. لكنني ذكية..
أغلب أشطر الشطار..
فضحك الملك و ضحكت العصفورة..
هو الذكاء إذا أعملته ..
نجوت و فزت بكل إصرار ..
قلم
الجمعة 11 أيلول 9 سبتمبر 2020

الشــاعرة/ باسمة العوام &&&



 هايكو الطفل

__عند النجار
أريد سريرا يتسع لنا جميعا
أنا وألعابي !
__ شقراء جميلة
تنام في سريري
دميتي .
__ حصة الرسم
المعلمة لاترسمها مستقيمة
الشموع !
__قوس قزح
معلّق في غرفتي
حبل زينة .
__ عيد ميلادي الخامس
لماذا شمعة واحدة
شكلها لايعجبني !
باسمة العوام

الشاعرة / فاديا زهران - مصــر &&&



 "نمنماتي"

أطلق سراحي
فقط...لأكتب
وأعدك ..
لن اكتب عنك
ولا عن خيالات تمر كالبرق
لا تمكث طويلا
ولا عن ضحكتك العميقة
كأنها جنيّ يغرد
في قاع ...بئر
ولا عن بتلات زهر
كنت أنثرها
على جروحك
فتهدأ ...كقطرات ماء
على حجر ساخن
ولن أذكّرك
بتفاصيلنا الصغيرة
كالصحو المبكر قبلك
أعبث بشاربك
وأبتسم
غريمي... العزيز
كم راودتني نفسي
بيني وبين المقص
وأبتسم
حتى في نومك
كنت تمتلك تلك القدرة الهائلة
لتجعلني ...أبتسم
الآن ...أنا بدونك
نسيت الإبتسام
بدونك
أنا مجرد... كائن منقسم
جزء رحل معك
والآخر على ذمتك
فأطلق سراح القطعة الأخيرة
على رقعة شطرنجنا
فقط لأكتب
وما كتبت يوما... إلا عنك.
فاديا زهران
مصر.

الشاعرة/ سعيدة محمد صالح - تونس&&&



 لمن عزفوا على وتر الصّمت

والرّوح خريف ٱيِل للذّرى
والموت وشاح متوّهج
يختلي بكحليّة فساتين السّكون
متوًجس من فتنة
الحرب وقد أسْقط الرّيح راءها
بين خطوط الكّف الغامضة
في الشّرايين ينسخ توابيت
للغفلة الأزليّة !
هذه ضحكتي المبتورة
الصّدى في دم العمر المورق
على شجر الكلمات
أنفض بها حزن متحلّل في رفوف الأمنيات
وأجمّل هواجسي
وأحتفي بالهوى على مسار الحبر والورق
كأن لم تمسّ أيقونة طموحي
عبرة ندم ،،،،،،،،،
و لا غفى على لمعانها غبار الهزيمة
أحفظها في ذكرى الغد
بعض هوى منثور
بين أجراس هطول المطر
و مدفأة المفردات ..
سعيدة محمد صالح تونس

الأديبة/ روزيت عفيف حداد -سوريا//&



 حياة مؤجّلة.

في كل مرّة أزورها، أجد ملامح الخيانة بادية على وجهها، أُهمِلها، أبتعد عنها، لكن كيف أعود، في أي ظرف أعود، لماذا أعود....حتّى الآن، لم أستطع سبر هذه العلاقة المزعجة بيني وبينها ولا كُنْه الاشتياق إليها.
لزيارتي طقوس لا أستغني عنها، لها صلة في توطيد أواصر الودّ أو عكسه: أصفّف شعري، أضيف بعض المساحيق على وجهي، وأحمر الشّفاه، أرتدي ثياباً أنيقة، حتّى أنّي أنثر أجمل عطر لدي، أنتعل الكعب العالي. أطمئنّ على مظهري وأخطو إليها، أمسد شعرها الذي مازال حريريّاً، أزيل حزنها لغيابي، أحدّثها، تتمعّن في كل كلمة أقولها، تتأمّلني بشفقة، مما يزعجني، تسألُني مؤنّبة: -لماذا أنت وحيدة؟
ماذا أجيبها؟. هل أقول لها أنّ من أحبّني بصدق غادر بلا عودة، ومن أحبّني لمصلحة، أخذ كلّ شيء ولم يعد لدي ما يجذبه، هل أقول أنّ الآخرين لهم حياتهم ومشاغلهم الكثيرة ممّا يحرجني أن أشكو لهم وحدتي.....
في زيارتي الأخيرة لها، كانت تجاعيد وجهها عميقة وشاحبة، وكانت عيناها غائرتين وباهتتين؛ تحسّست وجنتيها وخصلات شعرها المشاغبة، اعتذرت لها عن قسوتي، هممت بتقبيلها؛ تشظّت على الأرض، كل قطعة منها فيها بعض منّي، حاولت إعادة ترتيبها كلعبة البازل (Puzzle)، وقعتُ في حيرة وارتبكت وفشلت، حزنت، حتّى أنّي لم أستطع الرّدّ على الهاتف بصوتي المرتجف. بعد محاولات اتصال عديدة، سمعت رسالة صوتيّة: أين أنت، افتحي الباب!
صوت غالٍ على قلبي، جاء يزورني، لملم القطع المتناثرة جميعها في لحظة ولادة جديدة وأعادها إلى شكلها الحقيقي وأجمل، مسحتها دمعة فرح ولقاء فمنحتها بريقاً ورديّاً ودبّ فيها دبيب الحياة.
روزيت عفيف حدّاد
سوريا