الأحد، 13 ديسمبر 2020

نظرة في تاريخ تطور اللغة العربية/ د. فالح الكيلاني- العراق***



 نظرة في تاريخ تطور اللغة العربية.

بقلم : د فالح الكيــــلاني
.
لونظرنا في تاريخ اللغة العربية وكيف تكونت وكانت وكيف دخلتها هذه الكلمات الاعجمية وكيف سيطرت على السنتنا هذه اللهجة المحلية التي نتكلمها اليوم لراينا لهذه اللغة الخالدة تاريخا حافلا بالمعارك والعقبات واللطائف والغرائب . فمن المعلوم ان العرب قبــل الاسلام - كما يقول المؤرخون - عرب عاربة وعرب مستعربة والعاربة كما يحدثنا التاريخ سكنت اليمن ومن مناطق جنوب الجزيرة العربية وكانت لهـــــا لغتها او قل لهجتها الخاصة بها كاللهجة الحميرية وحمير احدى اكبر القبائل العربية ولهجتها تختلف عن لغة الشمال الذين يسمـــــــون بالعرب المستعربة حسبما تطلق عليهم التسميات التاريخية من حيث انهم تناسوا لغتهم الاصلية واتخذوا لغة الجنوب لغة لهم قبل ان يتهدم سد مأرب في اليمن وهو سد عظيم بين الجبال اليمنية فلما تهدم اغرقت مياهه اغلب الاراضي اليمنية بحيث اضطرت القبائل العربية اليمنية للهجرة فنزحـــت هذه القبائل نحو الشمال وسكنت الحجاز وشمال الجزيرة العربية .
.
ويحدثنا التاريخ ان العرب النازحين لكثرتهم استطاعوا ان يصهروا ألسنــــة عرب الشمال ويجعلونهم يتناسون لغتهم الاصلية بمرور الزمن ويتكلمون لغة الجنوب فسموا (العرب المستعربــــــة ) لتناسيهم لغة الاباء والاجداد واتخاذهم لغة القادمين اليهم لغة لهم ومن العجيب ان يأتي قوم نازحون لمكان معيـــــــن فيستطيعون تغيير لغة من سكنوا معهم الى لغتهم والتغلب على ألسنة المواطنين الاصليين وقد وقف المحدثون في الادب العربي موقـــــف الحذر بل الشك والريبة من هذا الامر اذ انهم لا يصدقون ما تناقله اصحاب القديم .ويراهن بل يبرهن بعضهم على ان لغة الشمال هــــي اللغة الاصلية وان عرب الجنوب النازحين الى الشمال هم الذين تناسوا لغتهم نتيجة لهجرتهم واندماجهم مع عرب الشمال واتخذاهم لغة العدنانيين لغة لهم .
.
ويحدثنا التاريخ انه في زمن نبي الله اسماعيل كانت مكة قرية صغيرة تقع بواد غير ذي زرع الا انها توسعت بمرور الزمن نظرا لمواقعها المتميز وصلاحيته للتجارة والسكن وانه اصبح رمزا دينيا مهما فكبرت المدينة وسكنها اناس كثيرون فاصبحت مدينة واسعة واصبحت بعد تهدم سد مأرب في اليمن من اكبر المدن في ذلك الوقت واصبحت لهجتها – حيث كان لكل مدينةاو قرية لغتها ولهجتها- هي اللغة الشاملة للعربية واصبحت قريش الاقبيلة العربية من بين اكبر القبائل العربية .
.
فقريش هي القبيلة العربية التي كانت لها المكانة والصدارة في مكة قبل الاسلام عدنانية شمالية لغتهم . ويحف بها من كل جانب القبائل العربية الاخرى النازحة والرازحة وبما ان هذه القبيلة تتكلم اللغة العربية بلهجتها الخاصة فقد استطاعت عــــــــــن طريق العلاقات الاجتماعية ورواح ومجيء العرب من والى مكة للتجارة والحج او غيرها ان تتغلغلت لهجة قريش في ألسنة العــــــــرب المجاورين لمكة . وبمرور الزمن اصبحت لغة قريش على كل لسان اذ كان لسيطرة القرشيين على مكة اهمية بالغة ولكثرتهم . وهذا ما امثله باللهجة المصرية في الوقت الحاضر والتكلم ببعض كلماتها من قبل اغلب العرب نتيجة متابعتهم المسلسلات المصرية والافلام المصرية والتي تتحدث باللهجة المصرية في الغالب وهكـــــذا اصبحت لغة قريش اللغة الرسمية العربية واجبرت القبائل العربية على النطق بها في المواسم والاسواق الثقافية وفي القصيد في الشعر و الخطابة والنثر بعد ان تاثرت لغة قريش ايضا بلهجات القبائل الاخرى وبالنازحين اذ حوت لهجتها كلمات من لهجات شتى القبائل العربيـــــة بين القليل والكثير والاغلب لهجة قريش ونعود الى القول ان الفضل يرجع لقوة ومكانة وعظمة قريش بين القبائل في ذلك الوقت ومنزلتهم الدينية والاجتماعية والاقتصادية اذ انهم سدنة الكعبة المشرفة التي يؤمها الناس للحج في كل وقت وزمــــان ولأنهم الاشراف والمسيطرون على التجارة في طول البلاد والجزيرة العربية وعرضها حيث كانوا يتاجرون من مكة المكرمة الى اليمن والقبائل الجنوبية فيها برحلة الشتاء ويتاجرون الى بلاد الشام وعشائرها ومدنها الكثيرة في رحلة الصيف كما ذكر في القرآن الكريم .
.
واليوم اذا رجعنا الى مفردات اللغة العربية لوجدنـــــــــا فيها لغة قريش الغالبة اضافة الى لهجات اسد و مضر وهذيل وغسان وغيرها من قبائل الجنوب ناهيك عن تاثير قبائل الشمال فهي لغة كل العـــــــــرب والاغلب قريش .
.
واللغة العربية لغة جامعة شاملة اذ انها لغة صوتية اشتقاقية لأنها تعرف من الصوت وتكتب علـــــى الاكثر حسبما تلفظ ونبراتها سهلة الصياغة على اللسان وان اجماع كل حرف مع الحرف الاخر يعطي لونا جديدا ونغمـــــــا اخر يختلف عن النغم الاول بحيث تشكل انغاما عربية مختلفة وفقا لسياقات الحرف وتناغمه مع الحرف الاخر وامكانية الكاتب او الشاعر اة الاديب في انتقاء هذا الحرف او ذلك . واشتقاقية لأنها من أفعالها الأسماء أي ان الفعل هو الاصل وبمقدور المرء ان يتصرف كيفما يشاء ويشتق ما راق له من الكلمات بشرط ان لا يخرج على القواعد والموازين العامة لهذه اللغة العظيمة ولهذه الصفة استطاعت العربية العربية أن تلائم كل العصور والازمنة وكل الحضارات وتنتج كـــــل هذه الاداب والعلوم وتبقي حية مدى الدهر وتساير كل مستجدات الرقي والتحضر رغم تعاملها مع البداوة والغلظة فهي تحوى الكلمات الرقيقــــــــــــة المتناهية في الرقة الى جانب الكلمات البدوية الجافة والشديدة الوقع والصعوبة فهي كما قال عنها الاديب المرحـــــوم عباس محمود العقاد - اللغة الشاعرة –
.
اتخذ الاسلام العربية اللغة الرسمية لهذا الدين الحنيف واعتبرها لغة القرآن الكريم وقيل انها لغة اصحاب الجنة في الاخرة حيث نزل فيها القرآن الكريم :
( انا انزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ) سورة يوسف اية\ 2
.
نزل القران الكريم في بيئة عربية وبالحرف ىالعربي وانتشر بين اقوام عـــــــــــرب هم نواة الاسلام ورجاله . والرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم الذي انزل عليه القرآن الكريم وارسله الله تعالى رحمة للعالمين نبيا ورسولا لهم جميعا عربي قرشي فنزل القرآن الكريم بالعربية وكانت آنذاك لغة متكاملة من كل الوجوه وكان لنزوله كل الاثر في خلود هذه اللغة من جهة وتطورها من جهة اخرى فالقرآن الكريم كتاب مقدس خالد نزل من السماء فاصبح من اوسع روافد اللغة العربية وسندا لها وحفظه الله تعالى من كل تغيير او تحريف :
(( انا نزلنا الذكر وانا له لحافظون )) سورة الحجر : اية\ 9
وبحفظ القران الكريم حفظت العربية فالقرآن الكريم حفظها والتزمها في احرج المواقف متحديا كل العراقيـــــــــــــل والصعوبات وصانها واساليبها وقواعدها من كل ما حاقت بها من مصاعب واحدث فيها ثورة عامة في الكلمات والاساليب والمعاني وتقدمت تقدما واسعا اذ انبرى العلماء العرب والمسلمون ايا كانت لغتهم من دراستها والبحث فيها وفي اساليبها وقواعدها وبلاغتها وكل مكوناتها .
وقد مرت اللغة العربية بنكبات وتكالب عليها الأعاجــم لطمس معالمها بعد ان انحسرت رقعة الحكم الاسلامي ومن ثم انكمشت وظهرت الدويلات الصغيرة . وفي العصر الحديث خاصة بعد ان انتشرت انتشارا واسعا في كل إنحاء العالم بفضل القرآن الكريم - فاينما وجــــــــد الاسلام وجد القرآن الكريم واينما وجد القرآن الكريم وجدت العربية . ومن هذه النكبات التي تعرضت لها اللغة العربية من سياسة الاقوام التي انفرطت من الاسلام او من التكلم بالعربية ورجعت الى لغتها التي كانت عليها قبل اسلامها مثل الصين و الهند والافغان والترك والرومان والفرس والاسبان وفي العصرالحديث مانفذته تركيا عندما حكمت البلاد العربية بسياسة التتريك التي اتبعها الاتراك مع الشعب العربي الذي كان تحت السيطرة التركيــــــــــــة والفرنسة في شمال افريقيا بالنسبة للاقطار العربية التي كانت ترزح تحت ظل الاستعمار الفرنسي مثل الجزائر والمغرب . فتحدتهم العربية وبقيت اصيلة عربية شامخة .
.
القرآن الكريم كان و لا يزال سبيكة ذهبية للغــــــة العربية خالدا وحافظا لها جمع اساليبها استوعبها وطور معانيها واضفى عليها هالة من قدسيته وعظمته لدى عموم المسلمين في كافة انحاء العالـــــم واجلالاً وعظمة غرست في نفوسهم وقلوبهم . ولبيان القرآن الكريم اهميته في ذلك فقد تحدث في جميع اساليبها بين اللين والشدة والترهيب والترغيب والقصة والحكاية والخطابة وما جاء فيه من البيان والبديع في الانشاء والتورية والاستعارة والكناية و في السجع والطباق والجناس وكل البلاغة العربية فهو جامـــــــــــــع لنحوها وقواعدها وصرفها وبلاغتها كما استعمل لهجات وكلمات وتعابير بليغة لم تنطق العرب بمثلها قبل نزوله حتى قيل ان اللغة العربية هي لغة القران الكريم وكفى .كما جمــــــــــع لهجات بعض القبائل العربية فكان بحق الرافد الاول والاعظم للغة العربية .
.
وبالاضافة الى القرآن الكريم هناك روافد اخرى اوجدها الاسلام تصب في معين اللغة العربية الواسع . فالأسلام – الدين الجديد- يحتاج الى اسلوب متين وقول فصيح , وقد جمع الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم كل الفصاحة والبلاغة والبيان فكان الحديث الشريف قد رفدها بأساليب وكلمات جديدة من اقوال الحبيب المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم النبي او الرجل العربي القرشي فكان يمثل الرافد الثاني لها .
.
وكذلك الخطابة تعتبر رافدا اخر لها إذ إن الحـــــــــركة الإسلامية وكل حركة جديدة حتما تحتاج التكلم والخطابة وخاصة في بداياتها وذلك لعدم وجود وسائل أخرى لجهل الناس الكتابة انذاك فكان الرسول الكريم صلــــى الله عليه وسلم وخلفاؤه من بعده خطباء بلغاء فكانت الخطابة الرافد الثالث من روافد اللغة العربية وسموها فهذه روافد التي كانت تصب في بحر اللغة العربية في الجاهلية وفي صدر الاسلام .
.
وظلت اللغة العربية لغة الدين والعلم والادب والدولة طوال هذ العصر والعصور التي قبله وهي في اتساع وامتداد حتى وصلت فرنسا وشواطيء البحرالمتوسط وجزره مثل صقلية ومالطة وحول بحر الادرياتيك و وصلت الى اواسط افريقيا و الى الهند والصين شرقا وانشات مدنا وعواصم للعربية فيها مثل بخارى وسمرقند فاينما توجه العرب نشروا الاسلام دينا والعربية لغة الا ان استقلال بعض الامارات عن الخلافة في هذا العصر وما بعده و تاميرها بامراء غير عرب وخاصة الامارات الشرقية فقد جعلتهم يتعصبون للغاتهم الاصلية واخص الفارسية والصينية حيث شجعوها . تلك اللغة التي كانت عاجزة من ان تقوم بها الاعمال الادبية اوالعلمية . فتم بعثها من جديد في تلك الامارات ثم حلت محل اللغة العربية في هذه البلاد وظهر فيها شعراء وادباء وعلماء دونوا مؤلفاتهم وقصائدهم بها مثل عمر الخيام والشيرازي في فارس وفي الصين والهند وغيرهم فضعفت اللغة العربية في هذه الاصقاع وانكمشت وبقيت لغة الدين فيها فقط وقد تحرج علماء اللغة من الاستشهاد باقوال الادباء والشعراء في هذا العصر والعصور التالية له خوف الوقوع في الخطأ اللغوي . وانحسر الاستشهاد بما في قبل هذا العصر.
.
اما في الجها ت الغربية من الدولة الاسلامية في سوريا ومصر وشمال افريقيا ووسطها وبلاد الاندلس فقد بقيت اللغة العربية فيها قوية حيثكانت لغة الكلام والدين والعلم والادب لان الشعب هناك من اصول عربية الا ما ندر فحافظ على عروبته فيها وخاصة اللغة وحرص الخلفاء والامراء في هذه الدول والامارات التي تشكلت هناك على تقدم اللغة العربية والحفاظ عليها فتقدمت .
.
اما في بلاد الاندلس وما جاورها فايضا انحسرت اللغة العربية بمرور الزمن وحلت محلها لغة البلاد الاصليين بعد ان تم طرد العرب منها بعد ظهور دويلات الامارات التي كانت وبالا على الحكم العربي هناك فقد تقاتل الامراء العرب فيما بينهم في بلاد الاندلس فادى ذلك الى ضعفهم نتيجة هذه المقاتلة الطويلة الامد وغلبة بعضهم على الاخر فكانت سببا في ضياع بلاد الاندلس من ايديهم وطردهم منها . وعذب العرب هناك عذابا اليما بعد ان طردهم الاسبان وعذبوهم اشد انواع العذاب وخير دليل على ذلك قيام المحاكم( محاكم التفتيش ) الغاشمة لقتلهم وطرهم وتشريدهم من البلاد .
.
لاحظ مقالتي (نظرة في تاريخ اللغة العربية ) المنشورة في كتابي ( الموجز في الشعرالعربي.) المجلد الثاني الجزء الثالث .
.
ثم أصبحت اللغة العربية في مطلع القرن العشرين وفي نصفه الثاني إحدى المناطق الرخوة في الثقافة العربية بل وإحدى الثغرات المقلقة وبلغ الأمر أن أصبحت لغة التدريس في معظم المدارس والجامعات العربية اللغة الانكليزية او الفرنسية كما في المغرب العربي او بالعامية بدل اللغة العربية الفصحى،بحيث أصبحنا لا نجد للفصحى أثّراً في الوقت الحاضرالا في بعض الاقطار العربية مثل العراق والاردن وغيرهما بل نجد بعض الجامعيين والمثقفين العرب يقللون من اهمية اللغة الفصحى، والتهوين من قيمة التحدث بها ـ على الاقل ـ في الحرم الجامعي، وفي منابر العلم المختلفة،وكذك أصبح عند بعض المثقفين من علامات الرقي التحدث باللغات الاجنبية، مما جعل عامة الناس يفرون نحو تعلم هذه اللغات في المراكز الثقافية المنتشرة في البلاد ، مما قلل من قيمة اللغة العربية ثقافيا وعلميا ، فاللغة العربية الان تواجه تحديات كثيرة في معظم بلادنا العربية وتوجب الوقوف ضد هذا التيار المشين والذي يلحق الضرر بنا وبا متنا وبلغتنا العربية التي هي لغة الارض والدين خاصة وسنقف بوجه كل التحديات مباشرة وبكل ما اوتينا من قوة وقد كتبت لاحد الاصدقاء فاقول له :
في عاطِرٍ مِنْ شَذى الآدابِ تُنْشِــدُ هُ
زاد تْ مَحافِلُـهُ في الضّادِ تُـعْـتَـمَـدُ
حَتّى غَدى الشِّــعْـرُ مِصْباحاً بِـبَهْجَتِـهِا
يبغي الكَمالَ بِنـورِ الحَرْفِ يَتَّـقِــدُ
ياسَيِّدَ الحَرْفِ مِعْطاءاً بَلاغَتَـهُ
تَشْـــــدو القَريضَ بَيـاناتٍ وَ تَنْـتَـقِـدُ
أحْبَبْتُها لُغَـتي وَالشَّوْقُ يَدْفَـعُـني
نَحو الجَمـــــالِ وَبِالآلآءِ تَـنْعَــقِـدُ
و تشمل مايلي :
.
1- التوجه الثقافي :
اللغة العربية تواجه تحدياً ثقافياً يتمثل بتوجه أبناء الامة العربية نحو الوسائل التكنولوجية الحديثة، مثل الهواتف المحمولة او الحواسيب المتعددة الاحجام والاشكال وخاصة في الدراسة والتعلم والتدريس و التي حتما ستؤدي الى تراجع الاهتمام باللغة العربية وتفوق اللغات الحية الاكثر انتشارا وعلمية منها كما يتوهمون كاللغة الانكليزية على سبيل المثال . مع العلم اننا في الوقت الحالي نرحب بالتعليم والتدريس من خلال الاجهزة المذكورة لوجود ظرف غير مناسب وهو زمن الكورونا هذا الزمن الذي بدأ به يهرب المرء فيه من امه وابيه وولده واخته واخيه وفصيلته التي تؤويه خوف الاصابة بمرض الموت (الكورونا ) .
2 ـ التـــوجه العلمي:
وهو التوجه الجديد او المعاصر الذي يهدف الى الحط من شأن اللغة العربية والابتعاد عن تعلّمها لامور متعددة من قبل الطلبة المتعلمين ومن المثقفين في التعليم العالي، فالشباب العربي بدأ يرى ان المستقبل المضمون في تعلم ودراسة الهندسة والطب والالكترونيك او الدراسات العلمية ككل افضل مما هو في دراسة الآداب والعلوم الاجتماعية والانسانية فكان نتيجة هذا التوجه عزوفهم عن اللغة العربية وابتعادهم عنها الى لغة اخرى كالانكليزية مثلا تقربهم الى الحياة العملية وما ينشدونه من مناصب ووظائف يرومون تقلدها لتدر عليهم مستقبلا افضل في حياتهم اليومية وترفع من شأنهم عمليا واجتماعيا وهذا ما ينتج عنه رسوخ عقدة النقص في نفوس الاجيال المتعاقبة في رسم صورة غير حضارية للغة العربية في أذهانهم، فيجعلون مزايا اللغة العربية تنحصر في كونها لغة التفاهم بينهم ولغة التعاطف وليست لغة عقل وتحليل، وليست لغة طب وعلم وهندسة متناسين انها كانت لغة العالم المتحضر ولغة العلوم والمعارف كافة وهو ما يجعل منها عائقاً بعيد الأثر في سبيل المستقبل المنشود للغة العربية وما نطمح ان تكون الان او مستقبلا في كل اقطارنا العربية .
.
ومن أكثر الاسباب التي أدت الى انحسار او ضياع اللغة العربية هو وجود المدارس الخاصة والمدارس الدولية والتي تدرس الطلبة العرب بغير اللغة العربية، والتي أهملت تدريس اللغة العربية واعتبرتها لغة ثانوية في المجال العلمي والتقني وتركزت أهتماماتها في التدريس باللغة الاجنبية وبهذا سينتج جيل مثقف وواع الا انهم لا يعرفون شيئاً عن لغتهم الاساسية وهي اللغة العربية ويتحدثون اللغة الانكليزية بطلاقة ويدرسون فيها علومهم وما اشتقوه من دراسات عالية , فهذا الجيل الجديد حتما سيبتعدون عن لغتهم العربية وويفقدون تعلمها وقواعدها وادابها وبهذا تكون لغتهم الام ركيكة او ضعيفة ويكتبون بأخطاء لغوية واضحة وهذا ما نلحظه الان حتى على طلبة الجامعات العربية في اغلب اقطارنا العربية .
3- التوجه الاداري :
وهو ما يتمثل في التخطيط لان تكون اللغة العربية في المدارس والجامعات ودراستها دراسة واسعة بما فيها من قواعد ومعارف وعلوم واداب وفق منهجية علمية متطورة وتقديم الدعم اللازم باستخدام التقنيات الحديثة وتدريسها باللغة العربية وفقا لعالمية الطرق العلمية والاساليب التقنية وبمنهجية متطورة متخذة من العربية اداة للتدريس في كل العلوم العلمية والعملية والتقنية وتعريب ما تحتاجه الدراسة باللغة العربية باساليب متطورة ومنفتحة على العالم .
4 ـ التــوجه الدراسي والعملي :
وهو ما يتمثل في توسيع استعمال انماط اللغة العربية في فصول الدراسة في المدارس الرسمية والاهلية الابتدائية والثانوية والجامعية منها وكذلك التعليم العالي بما يحبب مسار اللغة العربية بين المتعلمين واساتذتهم بحيث تنمحي النظرة المادية والدونية للمتخرجين في التعليم العربي من خلا ل نظرة المجتمع الى هؤلاء الخريجين حتى على مستوى اساتذة الجامعات . ويتمثل ذلك بالتصاق أالطلبة والمتعلمين بوسائل التكنولوجيا الحديثة وايجاد افضل السبل لعريب الاجهزة والمعدات الدراسية والتعليمية مثل الهواتف المحمولة والحواسيب المختلفة والمتعددة الاحجام والاشكال والمسلزمات الطبية والتقنية بحيث تضاهي ما في اللغات العالمية كاللغة الانكليزية مثلا مما يؤدي الى عدم احتياج الطالب العربي اي حالة او حا جة تتفوق فيها اللغة الانكليزية على العربية .
ويدخل ذلك حتى في مجال التعريب من قبل كل قطر عربي ومن المهم ان تاخذ الجامعة العربية على عاتقها مثل هذه الامور على محمل الجد والعمل بموجبه وتعضيد كل ما من شأنه رفع شان اللغة العربية دراسة وتدريسا وثقافة وادبا وعلما وفي كل مجالات الحياة اليومية واخيرا اقول :
ان التي ملاْ النفوسَ جمالُـٌها لغةَ العروبة سرّها في الضا د
والله الموفق .
امير البيـــــــان العربي
د. فالح نصيف الحجية الكيلاني
العراق – ديالى – بلـــد روز
*******************************************

اللغةُ العربيةُ وشعريّةُ السّرد/ الأديبة: أ. زهرة خصخوصي- تونس****

 


*** اللّغة العربيّة وشعريّة السّرد،

هويّةُ "سديم إصداريّ"
**زهرة خصخوصي/ تونس
تصدير: "أوصيكم باللّغة العربيّة خيرا" ــــــــ توفيق بكّار*
مدخل:
العنوان " بمثابة الرّأس للجسد والأساس الذي يبنى عليه" كما يعرّفه محمد مفتاح(2)، فهو العتبة الأولى المفضية إلى الخطاب، الضّابطة انسجامَه، التي منها يتولّد المتن ويتنامى.
من هنا كان انتقائي " اللّغة العربيّة وشعريّة السّرد، هويّة سديم إصداريّ" عتبةً عنوانَا لمقالتي هذه التي تنشغل بالقول في الاستعارة أُسًّا مركزيا من أسس شعرية السّرد في التّجريب الرّوائي، به تتفرّد الكتابة الأدبيّة النّثريّة العربيّة أو تكاد، وتتشكّل فيها مشهديّات سرديّة يتعالق فيها الكاتب بخلفيّاته ومرجعيّاته المتمظهرة من خلال اختياراته البلاغيّة، والقارئ بآليّاته الاستقرائيّة ومنطلقاته التّأويليّة، والنّصّ ببنيتيه السّطحيّة والعميقة التي تهبهما إيّاه التّراكيب الاستعاريّة المخاتلة المثقلة تكثيفا وإيحاء يشحنان النّصّ بضياء الإبداع ، ليضحي سديما إصداريا).2)
1/ الاستعارة وشعرية السرد:
إذ تخصّ نظريّة التّلقّي، في النّقد الحديث، القارئ بالاهتمام وتعيد إليه مركزيّته في العمليّة الإبداعيّة، شريكا في تشكيل نصّيّة النّصّ بضفّتيها:الكاتب مُنشئا المتنَ مرسلا إيّاه، والقارئ مستقرئا النّصّ متقبّلا إيّاه تقبّل الشّريك المتفاعل "الذّكيّ "(3)، فإنّها تمنح العمليّةَ النّصيّة التّصوّرَ الاستعاريّ أُسّا مركزيّا لشعريّة السّرد فيها.
والاستعارة بما تعنيه من انتقال بالعبارة من حقلها الدّلاليّ الأصليّ إلى حقل دلاليّ آخر مُصطنَع، تتضافر فيه جملة من المفردات قد تتباعد حدّ التّنافر لكنّها تلتقي في تشكيل الصّورة الشّعريّة أو المشهديّة السّرديّة وصفا أو سردا، لتقدّم للقارئ معنًى يعسر إدراكه دون مفاتيح التّفكيك والتّأويل الاستقرائيين، ترتقي بالنّصّ السّرديّ من دنى رتابة الحكاية المقصور مقصدُها على القارئ المستهلك العابر إلى ذُرى ثرائها الموهوب لمتلقٍّ مسكون بالسّؤال، مفتونٍ بالبحث في ما أضمره الكاتب، مشحونٍ بطاقة تأويلية تتّخذ من تداوليّة الخطاب مطيّة نقديّة للتّفاعل الإيجابيّ مع النّصّ.
والنّصّ في مقولة التّناصّ كما تعرّفه جوليا كريستيفيا " لا ينبجس من فراغ، إنّما هو ثمرة تفاعلات نصّيّة تسكن ذاكرة الكاتب وتشكّل لوحة ثقافته الفسيفسائيّة، تختمر عمرا ثم تتشكّل نصّا جديدا لا تخلو فرادته من تعالقٍ خفيّ جليّ في آن، من ذاك التّفاعل حدّ التماهي. وهذا ما يجعل النّصّ السّرديّ الحديث المنبني على شعريّة السّرد النّاهلة من الاستعارات مشهديّاتها السّرديّة ولوحاتها الوصفيّة ومقاطعها الحواريّة، جمّاع استعارات، حمّال دلالات تتنامى بتنامي القراءات وتختلف باختلافها وتتصارع بتصارعها حتّى أنّ النّصّ السّرديّ يمسي، وقد ولج عوالم التّلقّي، مسرحا للرّؤى الفكريّة والأطروحات الإيديولوجيّة والأنساق السّياسيّة التي منه تمتح مشروعيّة حضورها وعليه تنتسج مسارات وجودها.
ولعلّ لاتّساع المدى التّأويليّ في بلاغة اللّغة العربيّة دورا بارزا في نهل السّرد التّجريبيّ الحديث من معين الاستعارة. فهذه الظّاهرة البلاغيّة التي تغني شعريّة السّرد بإيقاع الصّورة وجماليّة المشهد، تظلّ مرتبطة وثيق الارتباط بسياقات التّخاطب ومقاماته لتمثّل مؤشّرات فنّيّة دالّة على مقاصد الذّات المخاطِبة منشئة النّصّ، قصد التّأثير في القارئ بالتّوجيه أو الإخبار أو الإقناع ، هذه المقاصد التي يظلّ المتلقّي سيّد عمليّة استنباطها قدر ما تسمح له به آليّات الاستقراء التي بها يتوسّل. وهو ما يرتقي بالاستعارة من منزلة العتمات اللّغويّة المضمّخة النّصَّ السّرديّ بالغموض، إلى منزلة العتبات الدّلاليّة التي تيسّر للقارئ العاديّ والقارئ النّاقد معا، الظّفرَ بمفاتيح الولوج إلى العوالم الدّلاليّة للخطاب السّرديّ الحديث
2/ الاستعارة وإيقاع النّثر:
ظلّ الإيقاع مفهوما لصيقا بالشّعر مقصورا عليه حتّى دفع هنري ميشونيك(4) بنظريّة الإيقاع الجديدة التي تخرج به، أي الإيقاع، من حدود الشّعر الضّيّقة إلى فضاء الخطاب الرّحب وتحرّره من أسر الوزن العروضيّ إلى رحابة التّعالق بين اللّغة كلمات وتراكيب وصورا بلاغيّة، والفكرة الثّاوية في عمق النّصّ، هذا التّعالق الذي يخلق بتكرّرالظّاهرة اللّغويّة أو البلاغيّة موسيقى تضفي على الخطاب جماليّة توسّع مداه السّيميائيّ الدّلاليّ ، بما تحقّقه من تأثير في نفس المتلقّي وفي فكره، تأثيرا يوجّه مسار استقرائه الدّلالات والمعاني الكامنة فيه.
ولعلّ المشهديّة السّرديّة المنبنية على أسس استعاريّة حسب خطاطة ما، تخلق إيقاعا مأتاه حركة في النّصّ يتقفّاها المتلقّي تصعّدا أو تنزّلا (الخطاطة العموديّة، مثال:رفرف الحلم/ هوت كلّ انتظاراته...)، ابتعادا أو اقترابا (خطاطة المسار، مثال: آب إلى عزلته/ هجر السّكينة إلى مضارب الحيرة الحارقة...)...إلخ
هو إيقاع يشحن النّصّ السّرديّ الحديث بموسيقى تقرّبه من الشّعر حتّى تكاد تمحو الحدود بينهما، تُمتع المتلقّي وتستنفر فيه قدرات التّسآل والاستقراء، وتشحذ توقه إلى مكاشفة الدّلالات الخبيئة عميقا في بنيته.
فشعريّة السّرد التي باتت وجها من وجوه الحداثة الأدبيّة في القصّ القصير جدّا والقصير والرّواية، وإن متحت المفهوم والمصطلح من الحداثة النّقديّة الغربيّة، فإنّ جذورها ضاربة في اللّغة العربيّة، ضاربة ضرب الهويّة في البلاغة العربيّة، لكنّ وجوه توظيفها تجدّدت بفعل تطوّر الفكر الإنسانيّ وتجدّد الوعي بالذّات المبدعة وعيا يشحنها بالقدرة على مجاراة حركة الحداثة التي لا تهدأ، بآليّاتها اللّغويّة الذّاتيّة الرّاسخة فيها دون انسلاخ عنها أو تنصّل منها، بآليّاتها التي ظلّت صامدة أمام الرّؤية الحداثيّة ليوسف الخال(5) وسعيد عقل اللّذين في جموح افتتانهما بالحداثة الغربيّة خالا كلّ ماهو كلاسيكيّ تقليديّ في موروثنا الأدبيّ العربيّ عائقا أما التّحديث، حدّ الدّعوة إلى التّخلّي عن اللّغة الفصيحة واستبدالها باللّهجات العاميّة(يوسف الخال) أو الحروف اللّاتينيّة (سعيد عقل).
هكذا تظلّ الاستعارة المتجذّرة في الموروث اللّغويّ العربيّ أسّا رئيسيّا في القول الإبداعيّ الأدبيّ الحديث، يتجاوز حدود الصّورة الشّعريّة إلى المشهديّة السّرديّة وموسيقى النّصّ النّثريّ.
خاتمة:
للّغة العربيّة سرّها العظيم الذي تتفرّد به عن اللّغات الأخرى ومنه تمتح خلودها المتجدّد، ولعلّ الظّاهرة البلاغيّة المتمثّلة في الاستعارة، التي صارت رافدا هامّا من روافد شعريّة السّرد الحديث، تُعدّ أحد وجوه هذا السّرّ أو لنقل أبرزها.
وشعريّة السّرد الحديث، هذا "السّديم الإصداريّ" الأدبيّ البديع، بفضل الاستعارة،هذا الرّافد العظيم برحابته الدّلاليّة وأبعاده الإيقاعيّة، تظلّ تختلف باختلاف الرّؤى الإبداعيّة النّصّيّة بدءا، وباختلاف الرّؤى الإبداعيّة الاستقرائيّة التّأويليّة النّقديّة منتهًى. ولعلّ هذا الاختلاف يظلّ نبع حداثة لا تهدأ حركة مجراها، تثري المدوّنة الأدبيّة والنّقديّة وتجعلهما منفتحتين دائما على التطوّر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*توفيق بكّار ناقد تونسيّ
(1)محمد مفتاح: تحليل الخطاب الشعري، المركز الثقافي العربي، بيروت- لبنان- البيضاء، ط1، 1985، ص 133.
(2)السديم الإصداري هو كتلة منتشرة من الغبار النجمي والغاز، يضيء جراء إصداره للضوء أثناء إعادة الارتباط بين الإلكترونيات والبروتينات من أجل تشكيل ذرات الهيدروجين. وتتأتى مشروعية الاستعارة هنا من متجانسة النص الاستعاري في النثر العربي للسديم الإصداري من حيث كونه كتلة نصية مكونة من شتات ما رسخ في ذاكرة الكاتب من معاجم لغوية وصور شعرية وأمثال شعبية تتفاعل فيما بينها لتصدر ضياء النص إبداعيا.
(3)"القارئ الذكي" عبارة للناقد ريفاتير، اصطنعها لوصف المتلقي الإيجابي المتفاعل مع النص تسآلا وتأويلا.
(4)Gerard Dessons. Henri Meschonnic, Traité du rythme Des vers et des prose (ce que la théorie nouvelle du rythme doit reconnaitre, c’est tout ce qu’il ya aussi dans la langage et qui est de l’ordre du contenu, entre le corps et la langage, entre une langue et une littérature, entre une langue et une ponsée),p38 .
(5) يوسف الخال مؤسّس مجلّة "شعر" ( امتدّت أعدادها من العدد الأوّل شتاء 1957 إلى العدد 44 خريف1970)، وقد نظّر فيها للحداثة الشّعريّة التي نشأت في الغرب، متأثّرا بمجلّة شعر الأمريكيّة

العربية سيدة اللغات/ الأديب: د. محمود حسن - مصــر***



 العربية سيدة اللغات

‎إن الحديث عن اللغةِ العربيةِ ، حديثٌ ذو شجون ، لغةٌ ظلت صامدة ، قوية ، فخمة ، أمام جميع الحملات التي كادت ولا تزال تكيد لها
‎هذه اللغة التي نزعم أن العرب لم تعطها هويتها ، بل هي التي أعطت للعرب هويتهم ، وأمة بلا لغة هي أمة بلا هوية
‎وليس غريبا أن تجد من أبناء العربية ، من يتحمس لها ، معطياً إياها ما يجب من قدر وقيمة ، لكن أن يعرف قيمتها كتاب من غير أبنائها ، فهذا هو الجديد ، يقول الكاتب والمستشرق الألماني فولف ديتريش فيشر { لا أعرف لغة أغنى من العربية ولا أسلس قياداً ولا أرق حاشية } ( 1 )
‎ثم يقول فيشر " وبعد إطلاعي على عدد من اللغات الشرقية كالتركية والفارسية أعجبتني اللغة العربية إعجاباً كبيراً وذلك لأنني رأيت أن بناءها اللغوي ونظامها النحوي يعدان من أوضح أشباههما في لغات العالم، ولأنها لعبت دوراً هاماً في نقل المعارف والعلوم إلى الحضارات الأخرى. "
‎هذه اللغة التي نزل بها القرآن ، بلسان عربي مبين .. وربما لعداء ما مع القرآن ، ظهرت الدعوات التي لا تستند علي منهج ، ولا أسس للكتابة بالعامية ، وبعيدا عن هذا الميدان الذي قُتل بحثا " كما يٌقال " لعلَّ الرد عليه بأبسط الطرق هو تساؤلُ علماء اللغة عن أية لهجة عامية يرى أصحاب هذا الرأي أن تتم الكتابة بها ؟ هل هل لهجةُ هذه الدولة أم تلك ؟
‎بل هل هي لغة الشمال أو الجنوب أو الشرق أو الغرب داخل الدولة الواحدة ؟
‎ويجدر بنا هنا أن نستدعي شهادة عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين في المسألة ، يقول العميد في سياق دفاعه عن اللغة العربية : { ولعلي أن أكون قد وفقت في هذه المقاومة إلى حد بعيد وسأقاوم ذلك فيما بقى لي من الحياة وما وسعتني المقاومة لأني لا أستطيع أن أتصور التفريط ولو كان يسيراً في هذا التراث العظيم الذي حفظته لنا اللغة العربية الفصحى ولأني لا أؤمن قط ولن أستطيع أن أؤمن بأن للغة العامية من الخصائص والمميزات ما يجعلها خليقة بأن تسمى لغة وإنما رأيتها وسأراها دائماً لهجة من اللجهات قد أدركها الفساد في كثير من أوضاعها وأشكالها وهي خليقة بأن تفنى في اللغة العربية الفصحى إذا نحن منحناها ما يجب لها من العناية وارتفعنا بالشعب عن طريق التعليم والتثقيف وهبطنا بها هي من طريق التيسير والإصلاح الى حيث يلتقيان في غير مشقة ولا جهد ولا فساد) .
‎هذه اللغة التي تستطيع أن تذوِّب داخلها لغاتٍ أخري ، بمنتهي السيولةِ واليسر ، ولعل أدل شيء علي هذا اعتماد مَجْمع اللغة العربية من آن لآخر كلماتٍ تضاف إلى قاموسها ، دون انحياز أو انغلاق .
‎هذه اللغة التي يهجرها الآن أبناؤها ، رغم أنهم يعلمون أن أمة بلا لغة هي أمة بلا هوية كما أسلفنا .
‎نظرة يسيرة على التعليم في بلادنا تكشف حجم الكارثة ، البيوتات جعلت جُلَّ عنايتها تعليمَ أبنائها لغاتٍ أجنبية ، لأن سوق العمل يطلب هذا ، بل وبعضهم يفخر أن أولاده لا يجيدون الحديث بالعربية لأنهم يدروس في مدارس دولية ، وحتي الخطاب البيتوتيُ صار هجينا ما بين العامية والإنجليزية والفرنسية وغيرها ، دون أن تجد للغة العربية حضوراً في كل هذا .
‎ولعلنا يجدر بنا أن نعود مرة أخري إلى التجربة الألمانية في التغلب على ذلك ، وأدواتها التي حفظت الألمانية مرة أخري وأيضا حسب فيشر : يقول " كانت الحال اللغوية في ألمانيا قبل مئة سنة خلت قريبة من الحال في البلاد العربية في الوقت الحاضر، وهذا يعني أن أغلبية الناس كانوا يتحدثون بلهجاتهم المحلية شفهياً، بينما كانت الفصحى تقتصر على الاستعمال كتابة. ثم بدأت بعد ذلك طبقة المثقفين بالتحدث مع أولادهم باللغة الفصحى، واستمر انتشار هذه اللغة من جيل إلى جيل حتى كُتب لها أن تتحول إلى لغة منطوقة فاستعملها كل الناس كتابة ومشافهةً ، وكانت المدارس الابتدائية من أهم العوامل في انتشار اللغة الفصحى. "
‎فهل بإمكاننا أن نعتمد التجربة الألمانية في هذا الخصوص .. ونفيد منها ؟!
‎وقبل أن نترك هذا المدخل جدير بنا أيضا أن نعرِّج على رأيِ واحدٍ من كبار علماء اللغة ، وهو عباس محمود العقاد يقول : " إن اللغة العربية وصفت قديمًا وحديثًا بأنها لغة شعرية، وإن الذين يصفونها بهذه الصفة يقصدون بها أنها لغة يكثر فيها الشعر والشعراء، وإنها لغة مقبولة في السمع يستريح إليها السامع، كما يستريح إلى النظم المرتل والكلم الموزون، كما يقصدون بها أنها لغة يتلاقى فيها تعبير الحقيقة، وتعبير المجاز على نحو لا يُعهد له نظير في سائر اللغات "
‎أما إذا انتقلنا إلي اللغة العربية كلغة إبداع ، فنأمل أن يكون من المقبول ما ننادى به في كتاباتنا نحو توليد اللغة ، أو إسقاط النص في أرض الواقع في بعض مما يلي إذا ما حالفنا التوفيق في عرضه :.
‎أولا :. اللغة التى هى الحاضن والإطار أو الرحم الذى تسقط فيه الفكرة ( النطفة ) ويتم الإخصاب فإن توافقت الجينات وتعارفت بدأ الجنين ( المُنْتَج ) يتخلق طبيعيا دون أية تشوهات .
‎ولابد هنا من الفصل بين اللغة الشاعرة واللغة المعجمية :
‎" فلا شك يتفوق الشعر حسب عبد الحكم العلامي عند هذه الطبقة من الشعراء الذين تكون لغتهم على علاقة مباشرة وحميمية بالشعر على عكس أولئك الذين تكون لغتهم على علاقة مباشرة بالمعجم وحسب . " ( 2 )
‎ومرة أخري لا أجد غضاضة في أن أستحضر شاعرا غربيا مثل ت س إليوت
‎"حيث كان إليوت واحداً من أكثر الشعراء جرأة وإبداعاً في القرن العشرين. سار وفق منهج شعري رصين يتمثّل في رؤيته إلى أن الشعر ينبغي أن يستهدف تمثيلاً حقيقياً لتعقيدات الحضارة الحديثة في اللغة ، وهذا التمثيل بالضرورة يؤدي إلى صعوبة الشعر. وبالرغم من صعوبة رؤيته إلا أن تأثيرها على الحركة الشعرية اكتسح جميع التوقّعات وقتها وحتى اليوم " . ( 3 )
‎ثانيا :. كثيرون من محبِّي اللغة العربية ، ومجيديها ، وأصحابِ النبرةِ العالية في الحديث بها ـ وعنها - حجَّموا الإبداع في الفخيم والمعجميِّ منها ، فنتج عن ذلك التقوقعُ في قالبٍ محدد ، لغويٍ تارةً ، وموسيقيٍ تارة أخرى .
‎ورفضوا حتى مجردَ التفكيرِ في الخروج من هذه الغرفة ، حتّى وإن كان الظرفُ الأدبيُّ أو الحياتيُّ لا يستدعي هذه الفخامةَ وهذا الجرسَ ، فانغلقوا علي أنفسهم ، وأغلقوا أبواباً فاعلةً ، كان من اليسير عليهم أن يلِجوها ، فاتحين بها آفاقاً ومنعطفاتٍ شتَّى ، ومحدثينَ بها عصفاً ، وتوالداً لأجيالٍ لغويةٍ جديدةٍ تنتمي للغة الأمِّ ، متواصلاتٍ بحبلها السُّرِّيِّ ، حاملاتٍ جيناتها الأساسية ، ولكنها أكثر شباباً ، وتجدداً وطاقةً ، وخلايا ، وحيويةً ، ليصبَّ كلُّ ذلك فى خدمةِ الفكرةِ والطرح .
‎وكثيرون أيضا لم ينفتحوا على اللغةِ الفخيمةِ والمعجميةِ ، فتبسطوا حد الخلل ، وراحوا يبنونَ إبداعهم بشيءٍ من يسيرِ اللغة ، ومحدوديةِ الإتقانِ ، وانتفاءِ الجرسِ والموسيقي ، بل وحتى الإيقاعُ الداخلي لم يعد ملموساً .
‎وهذا التبسط ربما لم يكن عن عدم قدرةٍ معرفية وحسب ، بل ربما عن عداءٍ " نعم عداءٍ للغة " وهم كُثْر ، فقدموا إبداعاً أو كتاباتٍ هشَّةً ، تهبط باللغة وبهم ، وقد وقعوا فى النفقِ الهشِّ كما وقع أصحاب الفريق الأول فى النفق الفخيم والمعجمي ، وأعتقد أن كليهما أضرَّ وأضير . " هامش أ "
‎ثالثا :.
‎أما الذين تعاملوا مع اللغة ، على أنها الأداةُ ، والبَوصلةُ ، والدفَّةُ ، وقصَّاص الأثرِ ، وعجلةُ القيادة ، ليصلوا بكل هذا إلى الهدفِ الأخيرِ مباشرةً ، وعلموا أيضاً أن الإطار " الكاوتشوك " ليس هو الذى يحمل السيارة ، بل الهواءُ الذي يملأ هذا الإطار ،
‎هؤلاء هم الذين استطاعوا أن يمتطوا فرسَ اللغةِ ، فكانوا أسرعَ وصولاً ، وأصدقَ عاطفةً ، وأعظم احتكاكاً وتوهُّجاً ، فلمسوا الواقعَ المعيشَ والإنسانيَ ، دون أن ينفصلَ المتلقي عنهم ، أو ينفصلوا هم عن المتلقي .
‎بل واستطاعوا خلقَ كيمياءَ متجانسةٍ بينهم وبين المجتمعِ وقضاياه ، فتفرَّدوا ، وتجاوزوا ، وأصَّلوا ، وقادوا ، وصارت لهم وبهم مدارسُ جديدةٌ ، بل ومفرداتٌ تصكُّ بأسمائهم .
‎فتعددت الأجناس الأدبيةُ ، التي ربَّما هي الراكز الأساسيُّ فى الإبقاء على اللغةِ ، وتناميها وتحديث الـ software الخاص بها " إن جاز التعبير " .
‎ومحاولةُ الكتَّابِ السفرَ علي ومن خلالِ اللغةِ ، لعوالمَ أخرى رحبةٍ ، تخدمُ الذَّوقَ ، وتُعرِّجُ علي الهمِّ الإنسانيِّ الآنيِّ ، هي محاولاتٌ محمودةٌ ،
‎بل أتمني ألا أكونَ متجاوزاً إذا قلتُ هي فرضُ عينٍ علي كلِّ مبدع . " هامش ب "
‎وباختصار هي الضرورة الملحة لإسقاط النص في أرض الواقع ، لأن المبدع هو الذي يقود الثورة التي تشعل الفتيل لتفجير اللغة ، لتستدعي خلفها براكين ، تستخرج الأجيال القادمة منها بعد خمودها معادنَ نفيسةً وجواهرَ لا يستهان بها .
‎على أن الضررَ الذي أعنيه ؛ لا يتحمَّل تبعاتهِ المبدعُ فحسب ، ولكنَّ أصحابَ القرارِ المنوطَ بهم إدارةُ غرفة اللغة ، لا يقلِّون مسؤلية عن هذا .
‎رابعا :. فهناك مسؤولية استدعاء التراث ، على أن يُعرضَ بالشكل الذي يتتناسب و عصرِالمتلقي ، ومن المفيد هنا استدعاء دعوة الأستاذ الدكتور/ أحمد درويش لــ " تبسيط التراث القديم " لأنه حسب قوله " الكتلة تستعصي قليلا علي عمل الرافعة " ( 4 ) وفي محاضرته التاريخية فى نادي القصيم ، والتي كانت تحمل عنوان " آفاق النص الأدبي عند أمير الشعراء أحمد شوقي " قال إن مسرحا كبيرا مثل مسرح الكوميدى فرانسيس فى فرنسا وهي عاصمة كبرى من عواصم الثقافة العالمية لا يعرض إلا إنتاج الكلاسيكيين ، أمثال موليير ، و راسين ، و كورْنِييْ ، و لامارتين " ( 5) . و " هامش ج "
‎وبالطبع يعرض التراث بلغته القديمة بشيءٍ من التبسيطِ والمعاصرةِ ، فيربط هذا الجيل بمن سبقه وبلغته وتراثه .. حتي عند الكتابة النقدية عنها لابد كما قال الأستاذ الدكتور صلاح فضل " كما يقتضي بالإضافة إلى ذلك توسعا في استخدام المصطلحات العلمية ، وتوخيا لتبسيطها وتقريبها مما عهدناه ، حتي لا يصطدم القارىء بمصطلح مستوحَش يتأبي علي الفهم والقبول " ( 6 )
‎وإذا عدنا للدكتورأحمد درويش يقول " لكن هذا المجتمع نفسه حينما دخل مرحلة التدوين بعد المشافهة ، وإلي مرحلة المدينة والحاضرة بعد البادية ، وإلي مرحلة الاختلاط بالآداب الأخري ، والترجمات منها وإليها ، هذا الدخول هو نفسه الذي خلق المقامة في مرحلة ، وخلق آداب المجالس ، وخلق كليلة ودمنة ، ونوَّع حتي في إطار القصيدة القديمة ، فأصبحت قصيدةً تُكتب لمجتمع التدوين ، متطورة في كثير من خصائصها عن تلك التي كانت تُكتب في مجتمع المشافهة " .
‎ثم يقول " إنَّ أدباً ما يقدم مادته الخام ، مادته الفنية ، في إطار ما يسمي الآن " بأُفق التوقع " والأديب اللامعُ هو الذي يلتقط الحاجة الجديدةَ فيطورُ الإنتاج علي أساسٍ منها " وهو نفس المعنى الذي أشرت إليه من ضروة إسقاط النص في أرض الواقع ، أو ما أسميه فقه النصوص إن جاز التعبير ، مع التركيز على مفهوم الفقه ، حيث إن النص هو صاحب الأساس الفقهي ، يتبعه المتلقي بفقه التأويل ، بما يستدعيه من مكونات النص نفسه ، وأسسه التي يقوم عليها .
‎أخيرا : نقول ومن المعلوم من اللغة بالضرورة - و فقهاً - إن العربيةَ لم تتوقف يوما عن تطوير نفسها ، وكذلك الشعر فهو متجدد دائما ، فهل يمكن أن نقول إن العربية والشعر عند امرؤ القيس هي هى العربية عند المتنبي ، أو إن العربية عند الحُطيئةِ هي هي العربيةُ عند أبو تمام ، بل هل العربية عند شوقى هي هى العربية عند البحتري أو ابن زيدون ، اللذين عارضهما شوقي فى السينية والنونية على التوالي .
‎ونختم هذا المقال بما يقول به الأستاذ الدكتور محمد عبد المطلب أيضا " الأدب هو النص اللغوى ، ولا شيء سواه ، واللغة هي العنصر الأساسي ، هي الوسيلة والأداة ، فإذا لم تكن هناك وسيلة لاستيعاب اللغة أصلا ، فلا إمكانية لاستيعاب الأدب ولا لاستيعاب النقد أيضا
" . ( 7 )
كتبه / محمود حسن
‎الهوامش والمراجع
‎( 1 ) الحوار اليوم 8/12/2012 م حوار مع فولف ديتريش فيشر أجراه الدكتور ظافر يوسف .
‎( 2 ) دكتور عبد الحكم العلامي شاعر وناقد مصري معاصر .
‎( 3 ) الكاتب والمترجم السعودى د / شريف الشهرانى .
‎هامش أ ، ب ، ج فقرات من دراسة لي بعنوان " حسن طلب والانعتاق من لذة اللغة نُشر في مجلة العربي الكويتية عدد مارس 2018 م جمادي الآخرة 1439 هـ رقم 712
‎( 4 ) الأستاذ الدكتور أحمد درويش أستاذ الأدب والنقد بكلية دار العلوم .. جامعة القاهرة في حديثه للفضائية المصرية الثانية برنامج بنصبح عليك ١٧ مايو 2016 م .
‎( 5 ) الأستاذ الدكتور أحمد درويش في محاضرته بنادى القصيم بالسعودية 4 مايو 2013 م وقدم المحاضرة الدكتور حمد السويلم .
‎(6 ) الأستاذ الدكتور صلاح فضل في مقدمة كتابه " علم الأسلوب مبادئه وإجراءاته الطبعة الأولى 1998 م " .
‎( 7 ) الأستاذ الدكتور محمد عبد المطلب في حديثه لقناة الشارقة
الفضائية ٣ يناير ٢٠١٤ م

تلاشٍ/ الأديب : أ. عبد الجبار الفيّاض- العراق****


 

خاص ليوم اللّغة العربيّة

تَلاشٍ . . .
عشقتُها فيكَ
برائحةِ عنبرِكَ المَسفوحِ على سيقانِ سنابلِه
لم يَشممْهُ أحدٌ إلآ شُفيَ من كُلِّ داءٍ إلآ من مسٌّ عِشق . . .
بطعمِ تمرِكَ البرحيِّ هديةً من عمّةٍ كريمةٍ
أطعمتِ العذراءَ جَنيّاً من غيرِ مَنّ . . . ١
بتبرعُمِ الحياةِ على أكتافِ رافديْنِ تعانقا بقبلةٍ
لنْ يفترقا ما حَلِمَ ليلٌ بمطلعِ فجرِه . . .
. . . . .
إنّكَ أحياناً هي
في موكبٍ سومريّ
يستقرُّ في سُرّةِ الكونِ إلهاً
يهَبُ الجُلّنارَ لخدودِ عذارى زقّورةٍ عقُمتْ أنْ تلدَ كمثلِها عُصور . . .
نغَمٌ بحريّ على شفةِ الخليج
يهزُّ أشرعةَ الحَنين
لعودةِ نوتيٍّ أضاعَ ذاكرتَهُ في بحرٍ
يغتصبُ أمواجَهُ عاصفُ ريح . . .
لكنَّهُ عادَ لحبيبةٍ
غزلتْ أيامَ وحشتِها ثوبَ لِقاء . . .
. . . . .
أحببتُكَ فيها من ألفِكَ المُشرئِب ليائِكَ المُندَسِّ في حبلِ الوَريد . . .
عشقتُها
عشقيَ أثداءَ باسقاتِكَ بظلالٍ
يتوسّدُهُ عاشقٌ
يحلمُ بما تمنّعَ عليهِ في المنامِ معشوق . . .
بقبضةِ خِصبٍ
تحملُها عشتارُ ليبابٍ
يغزلُها المطرُ سنابلَ لجفافٍ
تنزّلُهُ السّماءُ سوطَ جوع . . .
لكنّكَ طاعمٌ على مدى ما كنتَ فيهِ تُزار . . .
. . . . .
ننّارُ ٢
تهبطُ . . .
تستحمُّ بلُجةِ هورِكَ الدّافيءِ بأنفاسِ قصبٍ
تداعبُهُ الرّيحُ مزاميرَ
تعزفُ البقاءَ
أنْ سلامٌ على سيّدِ النّور . . .
خرجَ منهُ
وإليهِ الأنبياء . . .
حنانيْكِ أيّتُها السّماء
هل أتاهُ زمنٌ
لا يهتفُ لهُ فيهِ صوتٌ إلآ صُلب ؟
. . . . .
بعيونِها
عشقتُ سوادَ ليلكَ العبّاسيِّ على أنغامِ وترٍ هاربٍ غيثاً لزمانِ وصلٍ في قُرطبة . . .
أراها في لياليكَ الألفِ
تمشّطُ لشهرزادَ جدائلَها على ضفافِ دجلتِكَ على وقعِ( لمّا بدا . . . ) . . . ٣
أتذوبان
أنتَ
هيَ
كما أذوبُ أنا
لرفيفِ جفونِ خَجلٍ تحتَ خِمار ؟
تُرى
أَيملُكُ العُشاقُ رهيفَ قلبٍ
يهزءُ بكُلِّ ما تستبطنُهُ جماجمُ
خلتْ من نافذة ؟
. . . . .
أتذكُرُ بلقيسَكَ المَلاك
لمْ يُنكّرْ لها عَرش
ما كشفتْ . . .
إذْ خطفَها على حصانِهِ الأبيضِ ذلكَ الدّمشقيّ الشّفيف ؟
لتكونَ أيقونةَ عشقٍ خالدٍ على صدرِ الموت . . .
جميلٌ أنتَ حتى به
تكونُهُ لتحيا !
الخالدون
لا يُريدونَ للشّمسِ أنْ تمُنَّ عليهم بضوء
فهم شموسٌ كذلك !
. . . . .
أعودُ إليكَ من رحلةِ عذابٍ
سُندُباداً مُحمّلاً بعاطرِ ما رقصتْ لهُ ثيابُ غانية . . .
فبصرتُكَ مع اللّيوة ٤
ترسمُ إيقاعَ أزمنةٍ بلونٍ سومريٍّ
تجودُ بهِ بيادرُ الحَصاد . . .
حينَ أراكَ على شفتيْها روجاً أحمرَ
لا أفقَهُ من صلاةِ العشقِ سوى تكويرةِ أشتهاء . . .
شطرانِ
يُولدُ الشّعرُ بينَهما رديفاً للحياة . . .
ليكنْ أيّكُما في قلبي
لا تكتملُ الصّورةُ إلآ بحضورِ غائبِه !
. . . . .
كيفَ لا أعشقُكَ وإيّاها في تجلّياتِ العَدويّةِ ؟
بما مزّقتْ بهِ العبّاسةُ خارطةَ العشقِ الممنوعِ تحتَ سطوةِ السّحابةِ الماطرة ؟
غنّاكَ على بعدٍ ابنُ كوفتِهِ الحمراءَ في بريدِ غُربتِه بصوتٍ رخيم ؟ ٥
قد تأخذُني إغفاءةٌ عابرة
غيرَ أنّي أراكَ في عينيْها
الصّديقَ في عُيونِ زُليخة !!
. . . . .
عبد الجبّار الفيّاض
كانون ١ / 2020
الرحمة والسلام إلى روح المعلم الذي أبصرت نور الحروف بين يديه المندائي المرحوم زكي زهرون في مدرسة التميمية الابتدائية في البصرة .
١ - (اكرموا عمتكم النخلة)
حديث نبوي شريف .
٢ - آلهة القمر عند السّومريين .
٣ - أحد الموشّحات ذائعة الصّيت .
٤ - رقصة بصريّة معروفة .
٥ - الجواهري .

أيا عاذلي بالغرام/ الشاعرة: بلقيس قاسمي ***



 ٱيا عاذلي بالغرام

كفى لوما و اعتذالا
فما علينا للحبيب
إلا طاعة أمر و امتثالا
و ما ٱلفنا منه إلا ساعة وصل لا اعتراضا
و يا طيرا بمواويل
الهوى مرسالا
عرج على ديار الأحبة
و أقر لهم مني سلاما
و أخبرهم أن الذي هاجر الديار
مستمسكا بعروة حبهم لا استسلاما
و أن هواهم في القلب
كشعلة المجامر تتقد إيمانا و احتسابا
بقلمي بلقيس قاسمي

في اليوم العالمي للغة العربية/ رئيسة رابطة النقد: أ. زينب الحسيني- لبنان***



 في اليوم العالمي للغة العربية.

رئيسة رابطة النقد/ أ. زينب الحسيني- لبنان.

"اللغة هي نسق من الإشارات والرموز, تشكل أداة من أدوات المعرفة, وتعتبر من أهم وسائل التفاهم والتواصل بين
أفراد المجتمع في جميع ميادين الحياة, وهي ترتبط بالتفكير ارتباطاً وثيقاً , وليس بمقدور أحد مطلقاً أن ينكر الأهمية القصوى للكلمات, فحتى التفكير المجرد, لا يدرك ما لم يتحوَّل مضمونه الغامض إلى فعل مادي , يصاغ بالألفاظ والكلمات."
ويرى بعض العلماء, أن الألفاظ ليست إلا رموزاً تعبيرية عن المعاني الكامنة في النفس, ويفسِّر علماء النفس , كيف يظل المعنى حائراً في الذهن , حتى يستقر في الكلمة المناسبة, فيعرف المُراد منه ويتَّضح, لكن لا يجوز أن نعتبر اللغة
أداة عقلية وحسب, فباللغة يستطيع الإنسان أن يعبِّر عن مكنونات نفسه وعواطفه وآرائه,لذا لن يستطيعَ أن
يعبِّر بوضوح عن مشاعره النفسية, ما لم يتقن أولاً التعبير اللغوي.
في الكتابات الأدبية, معرفة معنى الجمل وتحليل عناصرها النحوية, لا تكفي وحدها لاستخراج كل مكنوناتها,
بل يبقى بعد ذلك , تقدير قيمتها الانفعالية, لذا لن يبدعَ الكاتب في أية لغة على الاطلاق , كما يستطيع الابداع
في لغته الأم, التي بها ينطق ويصوغ كلماته والفاظه وفق أحاسيسه ومشاعره..
_ اللغة والحضارة:
"تتأثر اللغة _ أيُّ لغة_ بالروح السائدة للحضارة وإنجازاتها وآلياتها , وينعكس في اللغة النمط الحضاري السائد في مجتمع
ما, كما تتأثر الحضارة باللغة: بأنماطها التعبيرية وقدراتها الإبداعية, وقد وجد الفلاسفة وعلماء اللغة المحدثون, تأثيراً خفياً للُّغة
في طريقة تفكير الناس وتصوراتهم عن الكون والحياة" ( عن د. أحمد صبرة _ جامعة اسكندرية)
_ اللغة العربية:
هي إحدى اللغات الأكثر انتشاراً واستخداماً في العالم, لها أهمية كبرى لدى المسلمين, فهي لغة القرآن الكريم, ولا تتم الصلاة في الإسلام إلا بإتقان بعض من كلماتها, وهي لغة شعائرية رئيسية عند عدد من الكنائس المسيحية في العالم العربي,
وقد كُتبت بها الكثير من الأعمال الفكرية والدينية اليهودية في العصور الوسطى.
اللغة العربية لغة إبداعية بمختلف أشكالها وتلاوينها التعبيرية الشفهية والمكتوبة, الفصيحة والعامية .
وقد أثرت تأثيراً مباشراً أوغير مباشرفي كثير من اللغات الأخرى في العالم الإسلامي, كما أُثرت في
بعض اللغات الإفريقية والأوروبية المتوسطية.
بعد التطورات التكنولوجية الهائلة على الصعيد العالمي ,حصلت تغييرات في استخدام اللغة العربية, وحلَّت اللغات العالمية خاصة الانكليزية محل اللغة العربية في أشكال التواصل بمختلف مجالاته, وتناقص كثيراً استخدام اللغة الفصحى وساد
الاستسهال بعد أن أصبح عدد كبير من الناس يستخدم اللهجات العربية المحلية.
قديماً كان العرب أصحابَ السيادة في العالم القديم, فقد تأثروا بباقي الحضارات المعاصرة لهم, كالفارسية والهندية واليونانية, وأخذوا عن تلك الشعوب أفكارهم وعلومهم وأساليب حياتهم, ثم صاغوها بروح إسلامية مطعَّمة بسمات تلك الحضارات, ثم مجَّدوا لغتهم واعتبروها أفضل اللغات على الإطلاق (فكم من الكتابات تتكلم عن إعجاز القرآن الكريم)
ألفوا معاجم في اللغة ومعاجم كثيرة للمصطلحات , كما ألَّفوا معاجم لا تحصى في النحووغيره..
وعندما غاب الدور الحضاري العربي الفعال لأسباب كثيرة لا مجال لذكرها, بدأ الاهتمام باللغة يقل شيئاً فشيئاً,
" ومن يقرأ التاريخ الإسلامي جيدا, يجد أن توقُّف العرب عن الاهتمام بلغتهم, تزامن مع الانهيارالعام لكل مظاهر الحضارة التي أسسوها عبر مئات السنين"
في الوقت نفسه بدأت تتولد حضارة أوروبا بكل اختلافاتها, وتلتها بعد ذلك " العولمة" التي ظهرت في الأصل مع بداية الاستعمار الغربي لآسيا وأوروبا والأميركيتين, وارتبطت بتطور النظام التجاري الحديث في أوروبا,
تقوم العولمة على أسسٍ, منها: المنافسة الكبرى بين القوى العظمى العالمية, عولمة الانتاج والابتكار والإبداع التكنولوجي , والتحديث المستمر.
وقد فرضت العولمة شروطها السياسية التي تتجلى بالهيمنة المفروضة من قبل الدول العالمية القوية على الدول النامية
الضعيفة, من خلال تأثيرها في اقتصادها واختراقه, لجعلها خاضعة لها باستمرار وخادمة لمصالحها,
الأمر الذي يجعل الدول النامية ضعيفة, مضطربة, ومخلخلة باستمرار.
ا
بدأ يظهر عجز اللغة العربية عن توصيف مظاهرالحضارة العالمية , استمر الوضع بالتدهور,وكان مطلوباً أن تستطيع
اللغة العربية مواكبة العصربكل إنجازاته, لكن هذا لم يحصل..
ولعل ذلك يعود إلى أن العرب فشلوا حتى الآن أن يكونوا عنصراً فاعلاًومؤثراً في الحضارة , في حين نجح غيرهم من الشعوب , ظنّاً منهم أنهم لا يملكون القدرة على الأخذ من الغرب. وإحساسُهم بالضعف, زاد عندهم عقدة ما يسمى
"التماهي بالمتسلط" فصاروا يقلدون الغرب ويتماهون بلغته, وأكبر دليل على ذلك, هو استبدال اللغة العربية في التواصل
اليومي بلغات أجنبية كالانكليزية وأحياناً الفرنسية, مما اثر سلباً على اللغة العربية وأضعفها في آن.
مثلاً نجد في الانكليزية , عشرات الكتب والكراسات لتعليم الانكليزية التي تسود العالم حالياً, بينما لا نجد غير القليل القليل من كتب تعليم العربية للأجانب. في ألمانيا, تظهر كل عام طبعات جديدة من المعاجم الألمانية,فيها كل الألفاظ الجديدة
والمصطلحات الطارئة والتغييرات التي طرأت على استعمال اللغة, خاصة بعد توحيد ألمانيا.
أما في عالمنا العربي," فإن آخر معجم كبير, كان المعجم الوسيط الصادر عن مجمَّع اللغة العربية بالقاهرة,
وعلى الرغم من كل التغييرات الهائلة التي طرأت على اللغة بعد ظهور هذا المعجم ."
في هذه الذكرى المجيدة, وبعدما صارت مظاهر التدهور اللغوي تزداد حدَّة عاماً بعد عام, وفي كل المجالات,
نحن مدعوُّون أكثر من أي وقت مضى,وتقع علينا مسؤولياتٌ جسام, لمناقشة كيفية تمكين أكاديميات اللغة, لتعيد تعزيز اللغة العربية الفصحى, وصونها من "العُجمة " والضياع.
عسى أن يتيح هذا الاحتفاء باليوم العالمي للغة العربية, الاضاءةَ على أهمية وثراء اللغة العربية, في جميع أنحاء العالم.
ولا ننسى أن هذا الأمر ذو ارتباط وثيق بالتغيير الحداثي في المجتمعات العربية, الذي سينعكس بدوره ثراءً وإغناءً
للُّغة العربية نفسها.