في اليوم العالمي للغة العربية.
رئيسة رابطة النقد/ أ. زينب الحسيني- لبنان.
"اللغة هي نسق من الإشارات والرموز, تشكل أداة من أدوات المعرفة, وتعتبر من أهم وسائل التفاهم والتواصل بين
أفراد المجتمع في جميع ميادين الحياة, وهي ترتبط بالتفكير ارتباطاً وثيقاً , وليس بمقدور أحد مطلقاً أن ينكر الأهمية القصوى للكلمات, فحتى التفكير المجرد, لا يدرك ما لم يتحوَّل مضمونه الغامض إلى فعل مادي , يصاغ بالألفاظ والكلمات."
ويرى بعض العلماء, أن الألفاظ ليست إلا رموزاً تعبيرية عن المعاني الكامنة في النفس, ويفسِّر علماء النفس , كيف يظل المعنى حائراً في الذهن , حتى يستقر في الكلمة المناسبة, فيعرف المُراد منه ويتَّضح, لكن لا يجوز أن نعتبر اللغة
أداة عقلية وحسب, فباللغة يستطيع الإنسان أن يعبِّر عن مكنونات نفسه وعواطفه وآرائه,لذا لن يستطيعَ أن
يعبِّر بوضوح عن مشاعره النفسية, ما لم يتقن أولاً التعبير اللغوي.
في الكتابات الأدبية, معرفة معنى الجمل وتحليل عناصرها النحوية, لا تكفي وحدها لاستخراج كل مكنوناتها,
بل يبقى بعد ذلك , تقدير قيمتها الانفعالية, لذا لن يبدعَ الكاتب في أية لغة على الاطلاق , كما يستطيع الابداع
في لغته الأم, التي بها ينطق ويصوغ كلماته والفاظه وفق أحاسيسه ومشاعره..
_ اللغة والحضارة:
"تتأثر اللغة _ أيُّ لغة_ بالروح السائدة للحضارة وإنجازاتها وآلياتها , وينعكس في اللغة النمط الحضاري السائد في مجتمع
ما, كما تتأثر الحضارة باللغة: بأنماطها التعبيرية وقدراتها الإبداعية, وقد وجد الفلاسفة وعلماء اللغة المحدثون, تأثيراً خفياً للُّغة
في طريقة تفكير الناس وتصوراتهم عن الكون والحياة" ( عن د. أحمد صبرة _ جامعة اسكندرية)
_ اللغة العربية:
هي إحدى اللغات الأكثر انتشاراً واستخداماً في العالم, لها أهمية كبرى لدى المسلمين, فهي لغة القرآن الكريم, ولا تتم الصلاة في الإسلام إلا بإتقان بعض من كلماتها, وهي لغة شعائرية رئيسية عند عدد من الكنائس المسيحية في العالم العربي,
وقد كُتبت بها الكثير من الأعمال الفكرية والدينية اليهودية في العصور الوسطى.
اللغة العربية لغة إبداعية بمختلف أشكالها وتلاوينها التعبيرية الشفهية والمكتوبة, الفصيحة والعامية .
وقد أثرت تأثيراً مباشراً أوغير مباشرفي كثير من اللغات الأخرى في العالم الإسلامي, كما أُثرت في
بعض اللغات الإفريقية والأوروبية المتوسطية.
بعد التطورات التكنولوجية الهائلة على الصعيد العالمي ,حصلت تغييرات في استخدام اللغة العربية, وحلَّت اللغات العالمية خاصة الانكليزية محل اللغة العربية في أشكال التواصل بمختلف مجالاته, وتناقص كثيراً استخدام اللغة الفصحى وساد
الاستسهال بعد أن أصبح عدد كبير من الناس يستخدم اللهجات العربية المحلية.
قديماً كان العرب أصحابَ السيادة في العالم القديم, فقد تأثروا بباقي الحضارات المعاصرة لهم, كالفارسية والهندية واليونانية, وأخذوا عن تلك الشعوب أفكارهم وعلومهم وأساليب حياتهم, ثم صاغوها بروح إسلامية مطعَّمة بسمات تلك الحضارات, ثم مجَّدوا لغتهم واعتبروها أفضل اللغات على الإطلاق (فكم من الكتابات تتكلم عن إعجاز القرآن الكريم)
ألفوا معاجم في اللغة ومعاجم كثيرة للمصطلحات , كما ألَّفوا معاجم لا تحصى في النحووغيره..
وعندما غاب الدور الحضاري العربي الفعال لأسباب كثيرة لا مجال لذكرها, بدأ الاهتمام باللغة يقل شيئاً فشيئاً,
" ومن يقرأ التاريخ الإسلامي جيدا, يجد أن توقُّف العرب عن الاهتمام بلغتهم, تزامن مع الانهيارالعام لكل مظاهر الحضارة التي أسسوها عبر مئات السنين"
في الوقت نفسه بدأت تتولد حضارة أوروبا بكل اختلافاتها, وتلتها بعد ذلك " العولمة" التي ظهرت في الأصل مع بداية الاستعمار الغربي لآسيا وأوروبا والأميركيتين, وارتبطت بتطور النظام التجاري الحديث في أوروبا,
تقوم العولمة على أسسٍ, منها: المنافسة الكبرى بين القوى العظمى العالمية, عولمة الانتاج والابتكار والإبداع التكنولوجي , والتحديث المستمر.
وقد فرضت العولمة شروطها السياسية التي تتجلى بالهيمنة المفروضة من قبل الدول العالمية القوية على الدول النامية
الضعيفة, من خلال تأثيرها في اقتصادها واختراقه, لجعلها خاضعة لها باستمرار وخادمة لمصالحها,
الأمر الذي يجعل الدول النامية ضعيفة, مضطربة, ومخلخلة باستمرار.
ا
بدأ يظهر عجز اللغة العربية عن توصيف مظاهرالحضارة العالمية , استمر الوضع بالتدهور,وكان مطلوباً أن تستطيع
اللغة العربية مواكبة العصربكل إنجازاته, لكن هذا لم يحصل..
ولعل ذلك يعود إلى أن العرب فشلوا حتى الآن أن يكونوا عنصراً فاعلاًومؤثراً في الحضارة , في حين نجح غيرهم من الشعوب , ظنّاً منهم أنهم لا يملكون القدرة على الأخذ من الغرب. وإحساسُهم بالضعف, زاد عندهم عقدة ما يسمى
"التماهي بالمتسلط" فصاروا يقلدون الغرب ويتماهون بلغته, وأكبر دليل على ذلك, هو استبدال اللغة العربية في التواصل
اليومي بلغات أجنبية كالانكليزية وأحياناً الفرنسية, مما اثر سلباً على اللغة العربية وأضعفها في آن.
مثلاً نجد في الانكليزية , عشرات الكتب والكراسات لتعليم الانكليزية التي تسود العالم حالياً, بينما لا نجد غير القليل القليل من كتب تعليم العربية للأجانب. في ألمانيا, تظهر كل عام طبعات جديدة من المعاجم الألمانية,فيها كل الألفاظ الجديدة
والمصطلحات الطارئة والتغييرات التي طرأت على استعمال اللغة, خاصة بعد توحيد ألمانيا.
أما في عالمنا العربي," فإن آخر معجم كبير, كان المعجم الوسيط الصادر عن مجمَّع اللغة العربية بالقاهرة,
وعلى الرغم من كل التغييرات الهائلة التي طرأت على اللغة بعد ظهور هذا المعجم ."
في هذه الذكرى المجيدة, وبعدما صارت مظاهر التدهور اللغوي تزداد حدَّة عاماً بعد عام, وفي كل المجالات,
نحن مدعوُّون أكثر من أي وقت مضى,وتقع علينا مسؤولياتٌ جسام, لمناقشة كيفية تمكين أكاديميات اللغة, لتعيد تعزيز اللغة العربية الفصحى, وصونها من "العُجمة " والضياع.
عسى أن يتيح هذا الاحتفاء باليوم العالمي للغة العربية, الاضاءةَ على أهمية وثراء اللغة العربية, في جميع أنحاء العالم.
ولا ننسى أن هذا الأمر ذو ارتباط وثيق بالتغيير الحداثي في المجتمعات العربية, الذي سينعكس بدوره ثراءً وإغناءً
للُّغة العربية نفسها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق