الأحد، 13 ديسمبر 2020

اللغةُ العربيةُ وشعريّةُ السّرد/ الأديبة: أ. زهرة خصخوصي- تونس****

 


*** اللّغة العربيّة وشعريّة السّرد،

هويّةُ "سديم إصداريّ"
**زهرة خصخوصي/ تونس
تصدير: "أوصيكم باللّغة العربيّة خيرا" ــــــــ توفيق بكّار*
مدخل:
العنوان " بمثابة الرّأس للجسد والأساس الذي يبنى عليه" كما يعرّفه محمد مفتاح(2)، فهو العتبة الأولى المفضية إلى الخطاب، الضّابطة انسجامَه، التي منها يتولّد المتن ويتنامى.
من هنا كان انتقائي " اللّغة العربيّة وشعريّة السّرد، هويّة سديم إصداريّ" عتبةً عنوانَا لمقالتي هذه التي تنشغل بالقول في الاستعارة أُسًّا مركزيا من أسس شعرية السّرد في التّجريب الرّوائي، به تتفرّد الكتابة الأدبيّة النّثريّة العربيّة أو تكاد، وتتشكّل فيها مشهديّات سرديّة يتعالق فيها الكاتب بخلفيّاته ومرجعيّاته المتمظهرة من خلال اختياراته البلاغيّة، والقارئ بآليّاته الاستقرائيّة ومنطلقاته التّأويليّة، والنّصّ ببنيتيه السّطحيّة والعميقة التي تهبهما إيّاه التّراكيب الاستعاريّة المخاتلة المثقلة تكثيفا وإيحاء يشحنان النّصّ بضياء الإبداع ، ليضحي سديما إصداريا).2)
1/ الاستعارة وشعرية السرد:
إذ تخصّ نظريّة التّلقّي، في النّقد الحديث، القارئ بالاهتمام وتعيد إليه مركزيّته في العمليّة الإبداعيّة، شريكا في تشكيل نصّيّة النّصّ بضفّتيها:الكاتب مُنشئا المتنَ مرسلا إيّاه، والقارئ مستقرئا النّصّ متقبّلا إيّاه تقبّل الشّريك المتفاعل "الذّكيّ "(3)، فإنّها تمنح العمليّةَ النّصيّة التّصوّرَ الاستعاريّ أُسّا مركزيّا لشعريّة السّرد فيها.
والاستعارة بما تعنيه من انتقال بالعبارة من حقلها الدّلاليّ الأصليّ إلى حقل دلاليّ آخر مُصطنَع، تتضافر فيه جملة من المفردات قد تتباعد حدّ التّنافر لكنّها تلتقي في تشكيل الصّورة الشّعريّة أو المشهديّة السّرديّة وصفا أو سردا، لتقدّم للقارئ معنًى يعسر إدراكه دون مفاتيح التّفكيك والتّأويل الاستقرائيين، ترتقي بالنّصّ السّرديّ من دنى رتابة الحكاية المقصور مقصدُها على القارئ المستهلك العابر إلى ذُرى ثرائها الموهوب لمتلقٍّ مسكون بالسّؤال، مفتونٍ بالبحث في ما أضمره الكاتب، مشحونٍ بطاقة تأويلية تتّخذ من تداوليّة الخطاب مطيّة نقديّة للتّفاعل الإيجابيّ مع النّصّ.
والنّصّ في مقولة التّناصّ كما تعرّفه جوليا كريستيفيا " لا ينبجس من فراغ، إنّما هو ثمرة تفاعلات نصّيّة تسكن ذاكرة الكاتب وتشكّل لوحة ثقافته الفسيفسائيّة، تختمر عمرا ثم تتشكّل نصّا جديدا لا تخلو فرادته من تعالقٍ خفيّ جليّ في آن، من ذاك التّفاعل حدّ التماهي. وهذا ما يجعل النّصّ السّرديّ الحديث المنبني على شعريّة السّرد النّاهلة من الاستعارات مشهديّاتها السّرديّة ولوحاتها الوصفيّة ومقاطعها الحواريّة، جمّاع استعارات، حمّال دلالات تتنامى بتنامي القراءات وتختلف باختلافها وتتصارع بتصارعها حتّى أنّ النّصّ السّرديّ يمسي، وقد ولج عوالم التّلقّي، مسرحا للرّؤى الفكريّة والأطروحات الإيديولوجيّة والأنساق السّياسيّة التي منه تمتح مشروعيّة حضورها وعليه تنتسج مسارات وجودها.
ولعلّ لاتّساع المدى التّأويليّ في بلاغة اللّغة العربيّة دورا بارزا في نهل السّرد التّجريبيّ الحديث من معين الاستعارة. فهذه الظّاهرة البلاغيّة التي تغني شعريّة السّرد بإيقاع الصّورة وجماليّة المشهد، تظلّ مرتبطة وثيق الارتباط بسياقات التّخاطب ومقاماته لتمثّل مؤشّرات فنّيّة دالّة على مقاصد الذّات المخاطِبة منشئة النّصّ، قصد التّأثير في القارئ بالتّوجيه أو الإخبار أو الإقناع ، هذه المقاصد التي يظلّ المتلقّي سيّد عمليّة استنباطها قدر ما تسمح له به آليّات الاستقراء التي بها يتوسّل. وهو ما يرتقي بالاستعارة من منزلة العتمات اللّغويّة المضمّخة النّصَّ السّرديّ بالغموض، إلى منزلة العتبات الدّلاليّة التي تيسّر للقارئ العاديّ والقارئ النّاقد معا، الظّفرَ بمفاتيح الولوج إلى العوالم الدّلاليّة للخطاب السّرديّ الحديث
2/ الاستعارة وإيقاع النّثر:
ظلّ الإيقاع مفهوما لصيقا بالشّعر مقصورا عليه حتّى دفع هنري ميشونيك(4) بنظريّة الإيقاع الجديدة التي تخرج به، أي الإيقاع، من حدود الشّعر الضّيّقة إلى فضاء الخطاب الرّحب وتحرّره من أسر الوزن العروضيّ إلى رحابة التّعالق بين اللّغة كلمات وتراكيب وصورا بلاغيّة، والفكرة الثّاوية في عمق النّصّ، هذا التّعالق الذي يخلق بتكرّرالظّاهرة اللّغويّة أو البلاغيّة موسيقى تضفي على الخطاب جماليّة توسّع مداه السّيميائيّ الدّلاليّ ، بما تحقّقه من تأثير في نفس المتلقّي وفي فكره، تأثيرا يوجّه مسار استقرائه الدّلالات والمعاني الكامنة فيه.
ولعلّ المشهديّة السّرديّة المنبنية على أسس استعاريّة حسب خطاطة ما، تخلق إيقاعا مأتاه حركة في النّصّ يتقفّاها المتلقّي تصعّدا أو تنزّلا (الخطاطة العموديّة، مثال:رفرف الحلم/ هوت كلّ انتظاراته...)، ابتعادا أو اقترابا (خطاطة المسار، مثال: آب إلى عزلته/ هجر السّكينة إلى مضارب الحيرة الحارقة...)...إلخ
هو إيقاع يشحن النّصّ السّرديّ الحديث بموسيقى تقرّبه من الشّعر حتّى تكاد تمحو الحدود بينهما، تُمتع المتلقّي وتستنفر فيه قدرات التّسآل والاستقراء، وتشحذ توقه إلى مكاشفة الدّلالات الخبيئة عميقا في بنيته.
فشعريّة السّرد التي باتت وجها من وجوه الحداثة الأدبيّة في القصّ القصير جدّا والقصير والرّواية، وإن متحت المفهوم والمصطلح من الحداثة النّقديّة الغربيّة، فإنّ جذورها ضاربة في اللّغة العربيّة، ضاربة ضرب الهويّة في البلاغة العربيّة، لكنّ وجوه توظيفها تجدّدت بفعل تطوّر الفكر الإنسانيّ وتجدّد الوعي بالذّات المبدعة وعيا يشحنها بالقدرة على مجاراة حركة الحداثة التي لا تهدأ، بآليّاتها اللّغويّة الذّاتيّة الرّاسخة فيها دون انسلاخ عنها أو تنصّل منها، بآليّاتها التي ظلّت صامدة أمام الرّؤية الحداثيّة ليوسف الخال(5) وسعيد عقل اللّذين في جموح افتتانهما بالحداثة الغربيّة خالا كلّ ماهو كلاسيكيّ تقليديّ في موروثنا الأدبيّ العربيّ عائقا أما التّحديث، حدّ الدّعوة إلى التّخلّي عن اللّغة الفصيحة واستبدالها باللّهجات العاميّة(يوسف الخال) أو الحروف اللّاتينيّة (سعيد عقل).
هكذا تظلّ الاستعارة المتجذّرة في الموروث اللّغويّ العربيّ أسّا رئيسيّا في القول الإبداعيّ الأدبيّ الحديث، يتجاوز حدود الصّورة الشّعريّة إلى المشهديّة السّرديّة وموسيقى النّصّ النّثريّ.
خاتمة:
للّغة العربيّة سرّها العظيم الذي تتفرّد به عن اللّغات الأخرى ومنه تمتح خلودها المتجدّد، ولعلّ الظّاهرة البلاغيّة المتمثّلة في الاستعارة، التي صارت رافدا هامّا من روافد شعريّة السّرد الحديث، تُعدّ أحد وجوه هذا السّرّ أو لنقل أبرزها.
وشعريّة السّرد الحديث، هذا "السّديم الإصداريّ" الأدبيّ البديع، بفضل الاستعارة،هذا الرّافد العظيم برحابته الدّلاليّة وأبعاده الإيقاعيّة، تظلّ تختلف باختلاف الرّؤى الإبداعيّة النّصّيّة بدءا، وباختلاف الرّؤى الإبداعيّة الاستقرائيّة التّأويليّة النّقديّة منتهًى. ولعلّ هذا الاختلاف يظلّ نبع حداثة لا تهدأ حركة مجراها، تثري المدوّنة الأدبيّة والنّقديّة وتجعلهما منفتحتين دائما على التطوّر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*توفيق بكّار ناقد تونسيّ
(1)محمد مفتاح: تحليل الخطاب الشعري، المركز الثقافي العربي، بيروت- لبنان- البيضاء، ط1، 1985، ص 133.
(2)السديم الإصداري هو كتلة منتشرة من الغبار النجمي والغاز، يضيء جراء إصداره للضوء أثناء إعادة الارتباط بين الإلكترونيات والبروتينات من أجل تشكيل ذرات الهيدروجين. وتتأتى مشروعية الاستعارة هنا من متجانسة النص الاستعاري في النثر العربي للسديم الإصداري من حيث كونه كتلة نصية مكونة من شتات ما رسخ في ذاكرة الكاتب من معاجم لغوية وصور شعرية وأمثال شعبية تتفاعل فيما بينها لتصدر ضياء النص إبداعيا.
(3)"القارئ الذكي" عبارة للناقد ريفاتير، اصطنعها لوصف المتلقي الإيجابي المتفاعل مع النص تسآلا وتأويلا.
(4)Gerard Dessons. Henri Meschonnic, Traité du rythme Des vers et des prose (ce que la théorie nouvelle du rythme doit reconnaitre, c’est tout ce qu’il ya aussi dans la langage et qui est de l’ordre du contenu, entre le corps et la langage, entre une langue et une littérature, entre une langue et une ponsée),p38 .
(5) يوسف الخال مؤسّس مجلّة "شعر" ( امتدّت أعدادها من العدد الأوّل شتاء 1957 إلى العدد 44 خريف1970)، وقد نظّر فيها للحداثة الشّعريّة التي نشأت في الغرب، متأثّرا بمجلّة شعر الأمريكيّة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق