السياب والحداثة.
نصف قرن مر على رحيل شاعر فذٍّ مبدع,عاجله القدر بالموت في ريعان الشباب, بعد معاناة طويلة مع المرض والعجز والفقر. كان له فضل الريادة في إطلاق شعلة الحداثة في الشعر العربي مع مجموعة من الشعراء العراقيين, أمثال:
نازك الملائكة وغيرها من الشعراء العرب.
منذ نعومة أظفاره, تأثر بأجداده في الشعر وبالقراءات القرآنية المتنوعة, ثم أولع بالثقافة الغربية وتأثر أشد الأثر بأدب
شكسبير, وبشعراء كثر امثال : ت. أس . إليوت واخذ عنه خبرته المعرفية وثراء صوره الشعريةخاصة اهتمامه بالأساطير . أبهرته الشاعرة الانكليزية "إيدِث سِتوِل" واستهوته كتاباتها الثرية بالاستعارات والمجازات والإيقاع الشعري
من خلال تآلف الألفاظ وموسيقى الكلمات..
وقد انعكس كل هذا في شعره الحديث شعر "التفعيلة" بتنويع طول الأبيات وقصرها أحياناً, مع احترام التفعيلة التراثية
دون الالتزام بالشطرين, وقد أبدع في ذلك,وتعلم التكرار, من قصائد "سِتوِل" كما يظهر هذا في معظم قصائده خاصة في "أنشودة المطر" تكرار : مطر... مطر... مطر.. وكأنَّ كلمة مطر عنده هي رمزٌ للخصب وللمرأة وللوطن في آن معاً .
كان منتفضاً ضد الأنظمة الاستبدادية, وكان ينشد للثوار وهم يحتجُّون ضد الطغيان والظلم والجوع.
كانت قصائده تلحَّن وتغنَّى في السجون والمعتقلات, لتزرع الأمل والعزم والصلابة في نفوس المحتجين, من خلال قصائده
الخالدة: المومس العمياء وحفَّار القبور و"أنشودة المطر"
_ تميَّزت قصائد السياب بالخروج عن القصيدة التقليدية وبالحزن يسكنها .
تميزت قصائد السياب بالخروج عن القصيدة التقليدية وبالحزن يسكنها, بسبب ظروفه الصعبة التي عاشها وبسبب
الداء العضال الذي أودى بحياته في سن مبكرة.
ومن أهم مميزات شعره :
أولاً : استخدام المجاز بكثرة, فهو يعرِّف الصورة الفنية بأنها صياغة جديدة تمليها موهبة المبدع وتجربته,
وفق تعادلية فنية بين طرفين هما : المجاز والحقيقة"
ثانياً: توظيف الأسطورة, ويعتبر السياب من أهم الشعراء الذين جعلوا الأسطورة رموزاً في اشعارهم,
أخذ هذه الرموز من حضاراتٍ مختلفة كالبابلية والرومانية والأشورية واليونانية والفرعونية, وقد رصَّعت قصائده
الرموز فزادتها جمالاً على جمال..
شعر السياب ثريٌّ بالإيحاءات والدلالات,وكتاباته مشحونة يالعاطفة الجياشة والثورة والشجن, وقد ساعدته ثقافته الواسعة أن يجسِّد في شعره معاناته الجسدية والنفسية خير تجسيد.
تعدَّدت موضوعاته الشعرية, وفاحت منها رائحة الموت والمنيَّة, والحزن والغربة ومن أهم تلك الموضوعات:
_ الحب والفقد: وقد كان فقده لأمه فقداً لأقوى حبٍّ في الوجود وهو القائل: " أماهُ ليتك لم تغيبي خلف سورٍ من الحجارة"
الغزل: وجد السياب في حبه للمرأة تعويضاً عن حبِّ الأم المفقود وهو في الرابعة من عمره, دمامته جعلت معظم النساء اللواتي أحببنه يتركنه, لكن َّ الخيبات العاطفية التي لاحقته في حياته, كانت إلهاماً فجر شاعريته ورصَّع قصائده بالألق.
الشعر الوطني : كان ثائراً في وجه الظلم والاستبداد فأحس بالغربة وهو يعيش في وطنه العراق, ونظم قصائد
للقضية الفلسطينية وحيَّا نضال التونسيين والجزائريينوالمصريين ضدالاستعماروالطغيان.
تكرر ذكر الموت في قصائد السياب وطغى على كل ماعداه من أشعار, فهو مثلاً يقول:
أهكذا السنون تذهب
أهكذا الحياة تنضب؟
أحسُّ أنني أذوب... أتعبْ
أموت كالشجرْ.
أريد الموت يا إله..
السياب تجاوز عمره القصير, واصبح علماً رائداً من أعلام الحداثة العربية, وموهبة يحق لنا أن نتباهى بها ونفخر .
حداثته لم تأتِ صدفة أو نزوة من النزواتْ, بل كانت نتيجة مخاض عسير ومعاناة في الحياة, تحمل في جذورها أحلام
التغيير والتميز والتفوُّق في الحياة الواقعية والنضال من خلال الفكر والشعر..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق