الخميس، 24 ديسمبر 2020

قراءة في نص الأديبة زهرة خصخوصي/ قراءة : الشاعرة زينب الحسيني- لبنان***



 قراءة نقدية

بقلم زينب الحسيني.
النص : من العيون قفة...!
للأستاذة الأديبة زهرة خصخوصي.
النص:
كلّ الأدراج خاوية...
ترتطم يدها بالخشب البارد أنّى مدّتها، فتعود إليها موجوعة حانقة، ثمّ تعاودها الرّغبة في عناء البحث من جديد لتغرق في الفراغ...
تجمع أشلاء حيرتها وتنتصب واقفة.
"كم أجدني في قصر مداي قد استطلت !
كم أجدني في ضيق مداي قد اتّسعت !
فجأة أضحيت أتسمّر مكاني أخشى بالسّقف ارتطاما، أخشى بالجدار اصطداما، وتضيق حولي الدّائرة.
تضيق وتضيق وتضيق...
ولا ضلع في الدّائرة يسندني.
لا ضلع في الدّائرة..."
تمدّ يدها بحذر إلى يمينها، تتحسّس الفراغ، تحاول العبور إلى مكتبها المحشور في الزّاوية، آخر ملجإ لأسرارها الشّحيحة.
يئنّ الدّرج المنخور تحت قبضتها وهي تسحبه إليها، يُشرق وجهها بابتسامة ظفر، تسحب لفافة قطن، تتحسّسها كأنّها رضيع في قماطه، تفكّ عقدة صغيرة تلفّها، ثمّ تضمّ كفّها عليها كأنّها عصفور تخشى فراره.
ترفع كفّها واللّفافة القطنيّة، تقرّبها من وجهها، تتشمّها، فيغزو خدّيها توهّج فرح طفوليّ.
تضع في فمها حبة اللّبان المرّ وترتمي على أريكة باهتة الألوان، ألوان ما اغترفت منها نظراتها منذ الصّعقة والشّهقة وطوفان الشّتات...
حبّة اللّبان المرّ شهد يمحو لبرهة من الزّمن علقم الحياة الذي تكابده...
حبّة اللّبان المرّ حلوى الذّاكرة، فاكهة مجلس أمّها الحنون، تمائم العرس في كفّ الصّبايا، وباقة ورد في قفّة السّوق الأسبوعيّة...
وكم باتت حبّة اللّبان، في عتمة خطى يقين، مشاعل لمتاهات الحكاية... !
وكم صارت يقين تعشق كؤوس حبّات اللّبان !
طرقات خفيفة على باب الغرفة تنتزعها من تلك الأريكة البالية ومن متاهة الذّاكرة.
تتّبع صدى الطّرقات...
تسوس الطّرقات خطاها.
بصوت كالرّجيف تسأل:" من...؟"
صوت هامس رهيف يأتيها من خلف الباب:"يقين...؟"
يهتزّ قلبها لصدى الصّوت الهامس الرّهيف، تعضّ على شفتها، تشدّ قبضتها على فستانها، وتسند رأسها على الباب كالخدرة مردّدة:"من...؟ من أنت؟"
ويفترّ ثغرها بالضّياء، كأنّها ترى ابتسامته النّضّاحة عذوبة وهو يجيب:" أنا حلمي... زوجك أيقين، افتحي الباب."
تأسرها رعدة تجتاح كامل جسدها حتّى لكأنّها تسمع أسنانها تصطكّ.
"أوّاه...كم سنينا مضت تلتهم السّنين
وأنا أنتظر معجزة الإياب...
قالوا "مات"...
لم قالوا " قد مات"؟
لمَ ذريتني لقمة للشتات...؟
أنّى ذريتني وعانقت الغياب...؟
كم سنينا مضت...؟ كم ذريتني مضغة في فكّ السّنين... !"
تزداد حدّة الطّرقات، وحلمي خلف الباب ينادي:" أيقين افتحي الباب، أيقين..."
يزغرد المفتاح في أكرة الباب، وتفيض أنهار العناق.
ذات الرّائحة الحبيبة تؤوب إليها والصّوتَ الحبيب، والجسمُ النّحيل ذاته، كعهده، في العناق رحيب، وكثير من البكاء الغريب الغريب...
ويقين تمسي ذوبا في كفّ الوصال، ذوبا من حنين كم جمّدته بيض اللّيالي تعقلها مذ ذاك الخريف.
كان خريف...
والأخبار هلّلت لانتهاء القتال، الحرب لملمت أوزارها، تركت للرّياح أن تكنس أوراق الأزيز، أن تضمّد جراح الغيمات حتّى تعشق وجه الشّتاء...
وكانت الشّمس في خفر تقبّل ثغر الغروب
كانا معا، تحت جدار البيت يقصّان الخشب قطعا لمواقد الشّتاء
والشتاء مذ ذاك الخريف ما أتى...
كانا يقطعان الخشب المتيبّس، وفي رحم يقين قد شُدّ إلى المشيمة بذار فرح للرّبيع...
قال:" أسمّيه جمالا".
قالت:" أسمّيه ربيعا".
لكنّ قصفا جائرا شوّه ذاك الجمال، أجهض ذاك الرّبيع، وبسط رداءات الخريف على كلّ الخطى، واستيقظت يقين على جسد يخنقه البياض، على بصر يخنقه الظّلام، على خبر يقول:" زوجك ضمّه موكب الأموات..."
تتخلّل أصابع يقين شعر زوجها، تبتسم، تهمس:" الحمد لله أن ظللت حيّا سليما"
يتمتم:" ما أدراك أيقين؟
ألا ترين جزز الشّيب من هول أنياب الأسى ؟
الشّيب راية الألم، راية الوجع الدّفين...
وكم أثخنني مساء ذاك الخريف وجعا ! ثمّ ألا ترين سا..."
تلذعه سياط نشيجها، يبتعد عن حضنها قليلا، يمسح بكفّه دموعا حرّ وهو يهمس بصوت رجيف:" زال الخريف أيقين... ها قد عدت، ها نحن نجتمع من جديد...
مواجعُ الفقد تذبّها ساعة الوصال.
المواجعُ ريح يكسر أمواجَها دوامُ الحال من المحال، و لله الحمد أن ما دامت حال..."
يشتدّ النّشيج، يحتضنها حلمي من جديد، لكنّها تسحب نفسها منتفضة وهي تصيح:"أعماني ذاك المساء يا حلمي... إنّي عميت."
يتأمّل الزّوج عينين لا تريانه، يشرق فؤاده بالنّحيب، يعقل سيّاف الفرح لسانه.
"الوجع سيّاف الفرح يا عبارتي الهائمة...
الوجع، واحرّ قلباه، سيّاف الأوينات الحالمة..."
تكنس العينان المعتمتان ابتسامته وإشراقات النّظرة المشتاقة.
يتفحّص زوجته الضّريرة فلا يرى غير الأسى.
مشارط الآه تنقضّ على الفؤادين العليلين بلا رحمة.
يضمّ حلمي زوجته إليه ويمدّ رجله إلى الوراء ليغلق الباب. فجأة تدوّي قرقعة: تاك، تاك: تكككك"
تصرخ يقين:" ما هذا...؟"
يردّد حلمي:" لا تجزعي ، هي عصاي أتّخذها ساقا وبها أغالب الوهن..."
تشهق يقين فزعا ممّا سلبتها السّنين...
جزعا ممّا يحجبه عنها العمى، تشهق يقين...
تهمس:" لأراه... ربّاه، قفّةَ عيون"*
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــزهرة خصخوصي/ تونس
(*)إحالة على مثل تونسي ترجمته إلى الفصحى هي:" والأعمى يتمنّى قفّة عيون"
تمهيد .
اسهم الادب عبر العصور بدور كبير في كثير من التحولات التاريخية، وادى بما أبدعته اقلام كتاب عظماء إلى خلق حركات تغيير جذري في المجتمعات ، لم تكن تخطر على بال .
وعند قراءتنا اعمال تشيخوف الاديب الروسي الكبير ،والملقب ب"ملك القصة القصيرة" التي يحد البعض فيها "شيئا من الظلامية الواقعية وتصوير الملل وشظف العيش وعندما نتساءل عن جدواها،يجيبنا تشيخوف "لقد أردت أن أقول للناس بصدق وصراحة: انظروا
إلى انفسكم،كيف تحيون حياة سيئة ومملة،وعندما يفهمون،سيشيدون حتما حياة اخرى أفضل.."
وكأنه يصرخ :
حياتكم هذه ليست حياة لذا غيروها وتشبثوا بقوة، ببقايا حياتكم لتنقذوها"
وهكذا لعب الادب الروسي،
ادوارا هامة واعية في عصر القيصرية، ولدت عند الناس المضطهدين وعيا بضرورة التغيير ونبذ الظلم والاستعباد.
الأدب الحي إذن هو الذي ينبثق من المجتمع وهمومه وتوقه للتغيير والحرية ،والأدباء هم رسل المجتمع يهدون البشربما يمتلكون من قدرات ومواهب ويكون دورهم تحريضيا كاشفا للزيف، دون ان يخرج عن إطار ومقومات العمل الفني.
لأن الأدب هو ألصق الفنون بالحياة الإنسانية.
ولا يمكن للأديب أن يقف موقف المتفرج من كل ما يحدث أمامه، فكما يقول الفيلسوف الالماني نيتشة:
"من لم يكن يحيا لكشف الحقيقة كاملة، لن يكون ذلك كاتبا و إنما هو أفاك مزور لا قدر له ولا مقام"
بين أيدينا نص قصة قصيرة تثير فضولنا منذ العتبة الاولى، لأديبة متميزة عرف عنها شغفها بالهم الإنساني ،
لها اعمال إبداعية في القصة القصيرة و حضور مشرق كناقدة وشاعرة مبدعة .
فعندما أقدم قراءة نقدية لنصها هذا أحس بشيء من الإحراج، وسأجهد ان اخرج بقراءة موضوعية اتمنى أن تليق بنصها البديع.
- الحبكة وتسلسل الحدث الدرامي:
.
العتبة: "من العيون قفة" مثل شعبي تونسي, يوحي بطلب عزيزٍ عادة يتمناه الضرير للتعويض عن بصره المفقود بفيضٍ من العيون تأتيه في " قفَّة"
وهوأيضاَ, معنى مجازي يضم تحت عباءته كل ما يمكن أن يبلسم للمرء جراحه أو يعوِّضه خسارة, كي يستعيد استقامة حياته.
عنوان يستفزنا ويثير فضولنا لنعرف سبب هذا التمني.
في العنوان, تتقدم "العيون"
على المبتدأ " قفة" لصب اهتمام المتلقي على أهمية العيون, التي هي نافذتنا على العالم الخارجي والتي من خلالها
نرى ونؤوِّل المحسوسات لنخزِّنها رموزاً ودلالات في الذاكرة.
بدءاً من عتبة الاستهلال, التوصيف تفصيلي مؤثر, غني بإيحاءاتٍ ذات دوالٍّ توحي بحالة البطلة النفسية فهي:
( موجعة, حانقة, تتحسس الفراغ, تتلمس الأشياء بيديها..) وتخاف من الارتطام بالحائط, أول ما يمكن تكهنه, هو أن البطلة
ضريرة.. ونحس كأننا في قلب الحدث أو أن الكاتبة تنقله لنا عبر عدسة الكاميرا, وتلاحق البطلة شبراً شبراً.
نتابع المتن, فيستمر الحدث بالتقدم, وسرعان ما تقوى البطلة " فتجمع أشلاء حيرتها, وتنتصب واقفة"
وتناجي نفسها بمولوج داخلي مؤثر, يرفع معنوياتها المنهارة وتشكو قسوة وحدتها ولا سند يؤازرها .
طرقات الباب السريعة, وصوت الزوج "حلمي" , يشعرها بالخدر, فتتأزم حالتها,ويرتعد جسمها,
عندها تعود بنا الكاتبة ب"فلاش باك " إلى سنين غابرة , إلى زمن"ذاك الخريف"
الأسود الذي شكل نقطة انعطافٍ في حياة البطلة "يقين" , يوم اندلع القصف العشوائي , وفقدت جنيناً كان حلماً ربيعياً
تعيش على أمل انتظاره وزوجها الذي كان يشبعها حباً وحناناً .
من هنا تؤرَّخ المأساة , في تلك الليلة الشؤم, حيث يختفي زوجها ويقال " مات", لتبدأ حياتُها بالتعثر وتسودُّ الدنيا من حولها,
"فتصبح لقمة للشتات.. ومضغة في فك السنين.."
تشتد حدة الطرقات على الباب, ويزداد تأزم الحدث, وسرعان ما تنفرج العقدة, حين " يزغرد المفتاح في أكرة الباب"
و "تفيض أنهار العناق"فنشعر بشيء من الراحة,لكن الكاتبة ببراعةٍ, تباغتنا, ويصدق حدسنا الذي تكهنَّاه من خلال التوصيف
الدقيق الواقعي, بأن" يقين " ضريرة, فنشعر كأننا نشاهد فيلماً مثيراً أوكابوساً نتمنى منه خلاصاً, إذ تصيح يقين صارخةً:
"أعماني ذاك المساءياحلمي.. إني عميت.." وتستجدي من الله" قفة من عيون" علها ترى وجه زوجها الحبيب.
وهكذا تأتي القفلة مثخنة بالوجع, على عمرٍ ضاع في العذاب والانتظار والغياب...
وما أصعب أن تنتهي القصة بنشيج حلمي المتواصل , حين تكتشف يقين أن أحب الناس إلى قلبها,
يستعين بالعصا بدلاً عن ساقه المبتورة.
الشخصيات:
عرَّفتنا الساردة العليمة بالسرد، من خلال تصويرها الواقعي الدقيق لمشهدية الحدث, على الشخصية الرئيسية في القصة,
شحصية "يقين" ومأساتها الدرامية بفقد جنينها وزوجها و بصرها دفعة واحدة و بشكل مفاجىء.
الشخصية الثانية الرئيسية, هي شخصية "حلمي" زوج يقين, الحاضر / الغائب في النص عبر مونولوجات يقين , وكآبتها
وبقائها وحيدة بلا معين.. حلمي الذي حضر فجأة في القفلة المباغتة, ليزيد المشهد الدرامي مأساوية وتأثيراً.
المكان:هو الغرفة التي تعيش فيها يقين وحيدة .
الزمان: نجحت الكاتبة , أن تتلاعب بالأزمنة ما بين حاضرٍ وماضٍ وعودة إلى الحاضر بلعبة"فلاش باك"
ببراعة وتمكن, مما يدل على خبرة في البناء السردي القصصي وتمكن.
_خصائص اللغة السردية في النص : نحن أمام نص إبداعي حديث, وظفت الكاتبة فيه البلاغة ومحسناتها البديعية
واستعاراتها لتبني نصاً "شعري السرد" فهي التي تقول في نصٍّ لها
" تظل الاستعارة المتجذرة في الموروث اللغوي العربي،
أسَّاً رئيسياً في القول الإبداعي الحديث, يتجاوز حدود الصورة الشعرية إلى المشهدية السردية..
كما أن الاستعارة هي رافد عظيمٌ برحابته الدلالية. "
اللغة السردية في النص ثرية بالاستعارات والتشابيه التي لا حصر لها، فعلى سبيل المثال :
( تتحسسها كأنها رضيع في قماطه, حبات اللبان مشاعل لمتاهات الحكاية)
( تفيض أنهار العشق)
( يئنُّ الدرج المنخور،
يزغرد المفتاح) (انسنة)
النص ثري بالثنائيات الضدية (وكم أجدني في قصر مداي قد استطلت, وفي ضيق مداي قد اتسعت)
هناك تكرارفي أكثر من مقطع في النص, مثلاً " تضيق حولي الدائرة, تضيق وتضيق وتضيق..) تكرار فعل
" تضيق" ذو دلالة وإيحاءات حقيقية على مدى الضيق الذي تعانيه يقين, والذي وصل حد الاختناق,
بسبب كل ما تعانيه من فقدانها للبصر وحزنها العميق على فقدان زوجها وجنينها في آن معاً , وأيضاً لكونها
تعيش مُرَّ الحياة وحيدة بلا سندٍ ولا معين..
في النص نقط فراغية كثيرة, هي أشبه " بفواصل نصِّية مضيئة, تسهم في إضاءة الحدث وإبراز دراميته,
وكأن المد النقطي جاء عنصراً فاعلاً في تحريك المشهد من الداخل, ليدلل على الصراع الداخلي وعمق المأساة,
فيشرك الكاتبَ المبدعَ للنص والمتلقي معاً في تأسيس جماليات النص, مما يفسح للمتلقي مجالاً للتأويل، على اعتبار أن الصمت/ الفراغ, هو كلامٌ من نوع آخر يترك للمتلقي, فرصة تشكيل نصٍّ موازٍ للنص الأصلي" ( عصام شرتح)
وأهم ما في النص , ما يختزنه بين السطور والكلمات من تعابير شفيفة مشحونة بأحاسيسَ إنسانية, تجعلنا نعيش الجو المأساوي الذي تعيشه البطلة "يقين" وزوجها العائد من القصف والتشرد, وهو يتعكز على عصا أحزانه وخيباته بسندٍ مبتور الأحلام .
أخيرا أتمنى ان أكون قد وفيت بقراءتي هذه هذا النص الإبداعي الحداثي ببعض ما يختزنه من جماليات فتية بنيوية،بالإضافة لرسالة ارادت الأديبة المتميزة إرسالها ،
وهي بؤرة النص، وارادت منها ان تكون صوتا إنسانيا مدويا في وجه الحروب والتشرد والظلم الذي يهدم
مستقبل الإنسان ويشوه معالم الإنسانية ومبادىء السلام والتآخي بين بني البشر.
خالص الشكر والتقدير للأديبة المبدعة والناقدة الكبيرة الأستاذة زهرة خصخوصي على ما نصها البديع الذي أمتعتنا بقراءات متنوعة له في امسيتنا النقدية هذه .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق