أدب الغزو من منظور ذرائعي
دراسة ذرائعيةمستقطعة على رواية ( اللحية الأمريكية) للكاتب العراقي عبد الكريم العبيدي
بقلم الناقد الذرائعية السورية
د. عبير خالد يحيي
لم يكن سقوط بغداد في العام 2003 سقوطًا لنظام وحلول نظام مكانه بقوة الغزو فقط, بل كان حتمية داخلية محكومة بمؤامرة خارجية كان ضحيتها الشعب العراقي بكل فئاته وأطيافه, والدليل على ذلك أن المؤامرة ما زالت مستمرة, وما كان الغزو الأمريكي إلّا بدعة من ضلال سنّتها أمريكا وقلّدتها بعدها العديد من الدول الكبرى بعد أن فتحت شهيتها للغزو والطغيان, رغم سقوط النظام, بقي حال الشعب العراقي يتردى من سيء إلى أسوء, ما زالت أذرع أخطبوط الشر تتراقص على أنغام ذلك السقوط, وكأنها معزوفة لا تنتهي, وما زالت الرؤوس الشيطانية تتمايل منتشية من مشاهد التفجيرات المعربدة في الساحات, وما زال الفقر والجهل والفساد يأكل الأجساد والعقول والنفوس, ومازالت الحرية وأصوات الحق ملجومة, ومازال الموت يعسكر في المدن والأصقاع, بل زاد الطين بلة تقسيم العراق إلى مثلّث طائفي, سني وشيعي وكردي, يُجدَول القتل بموجبه على الهوية...
بأكذوبة مفضوحة, تلخصت بتهمة ( امتلاك أسلحة دمار شامل) غزت أمريكا العراق, واستُؤنفت معزوفة السقوط التي بدأها بوش الأب بعاصفة الصحراء في العام 1991, وتابعها بيل كلنتون بالحصار والتجويع, ثم أكملها بوش الإبن في العام 2003بغزوه السافر للعراق, وعنونة المعزوفة ب ( معزوفة سقوط بغداد).
ولم يستطع الأدب إلا أن تهتز حروفه على إيقاعها البشع المرعب, فكانت الروايات تُكتب بحروف محترقة بنار المعاناة, وكانت القصائد مرثيات تبلّل اللحى وتلطم الوجوه...
وأرى أن هذا النوع من أدب الحروب ثيمته الرئيسية هي (الغزو ), وما يترتّب عليه من مآسي وأهوال إنسانية, ودمار عمراني وأخلاقي, كما سمعنا وقرأنا عن أهواله في الأوروبا في القرون الوسطى, والغزو العثماني ثم الأوروبي للبلدان العربية في مطلع القرن العشرين, وإلى الآن ماتزال البلدان التي تعرضت للغزو ترزح تحت تبعاته, رغم اندحاره منذ زمن, لذا سأطلق عليه مسمى ( أدب الغزو), وهو مصطلح جديد تبنته الذرائعية طبقًا لتوسّع القاعدة بالاعتداءات المتكررة التي حدثت في الشرق الأوسط, وتقاسم الغزو فيها أمريكا وتركيا وإيران وروسيا, وكانت ضحية الغزو العراق وسوريا واليمن ولبنان وليبيا, وهذه استعادة جديدة لاستعمار جديد في عصر التكنولوجية والتقدّم العلمي الذي يرجو فيه الإنسان التخلص من الظلم والطغيان نهائيًّا, والارتقاء لحياة رغيدة يفرش فيها العلم بساطه الأخضر الذي حوّله الغزو إلى بساط أحمر , وأنطلق من مفترض ومبدأ الذرائعية( الأدب عرّاب للمجتمع والنقد عرّاب للأدب), وبصفتي ناقدة ذرائعية,ألاحق خيوط الظلم في كل نسيج خشن لأنسجه من جديد ليكون ناعمًا لا يجرح أقدام الحفاة والفقراء.
أما الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين فهو النكبة التي مازالت جاثمة على صدر الأمة العربية, وكل ما يكتب فيها هو (أدب النكبة).
"كُتبت في ( أدب الغزو) العديد من الروايات, منها رواية ( حليب المارينز) للروائي العراقي عواد علي التي كتبها في العام 2006, ورواية ( حارس التبغ) لعلي بدر التي انتهج فيها البحث الصحفي, وهو الأسلوب الذي يميز هذا النوع تحديدًا من أدب الحرب, حيث تكثر فيه الخطابات التسجيلية والإخبارية التقريرية, وتعتبر رواية "الحفيدة الأمريكية" (2008 ) للروائية العراقية إنعام كجه جي ( وصلت هذه الرواية إلى القائمة القصيرة في جائزة البوكر العربية ) من أكثر الروايات العراقية التي تصوّر الواقع المؤلم للعراق بعد سقوط صدام, وكذلك الأمر مع رواية " ساعة بغداد" (2016) لشهد الراوي, و"خاتون بغداد" ( 2017) لشاكر نوري, و"مشرحة بغداد" (2012 ) لبرهان شاوي, كلها روايات تعكس أدب الحروب, وتحاول توضيح المعاناة المستمرة للمواطن العراقي, وتداعيات انهيار دولة النظام إبان دخول القوات الأمريكية" , وكلها تكشف الغطاء عن عراق ما بعد صدام, وتركّز على سقوط بغداد, وتعتبره الحدث الفاصل, وتؤرّخ به, فالعراق ما قبل سقوط بغداد غير العراق ما بعد سقوط بغداد, رغم أن العراق شهد قبل السقوط اثنتي عشر سنة عجاف من الحصار, وقبلها غزو أمريكي سابق في حرب الخليج في العام 1991, إلا أن سقوط بغداد في العام 2003 على يد الغازي الأمريكي كان كارثيًا بكل ما تعنيه الكلمة,حال من الفوضى العارمة والدمار والقتل والتشريد والتهجير الطائفي, لم يكن لها مثيل, أريق فيها الدم العراقي من عروق الناس الأبرياء والإرهابيين على حد سواء.
إلى هذه الثيمة تنتمي الرواية التي بين أيدينا والمعنونةب ( اللحية الأمريكية) للروائي العراقي عبد الكريم العبيدي وهي الرواية الفائزة بجائزة كتارا للعام 2018,