دراسة نقديّة في القصّة القصيرة
• شمس / قصّة قصيرة
بقلم / محمد المسلاتي
.=======
==========
• شمس / قصّة قصيرة
. في مواسم الشِّتاء، مع أطفال شارعنا ، كنتُ أنا وشمس أختي التي تصغرني بثلاثة أعوام ، نلون عيوننا بقوس قزح، نمدّ أيدينا نتسلق امتدادات تقوساته، تصطبغ خداها بحمرة الخجل، تقول لي:-
- اختر لونك
- الأحمر .
- وأنتِ ؟
تصمت قليلاً ثم تقول :-
- البرتقالي
تلك الليلة سمعتُ أبي يخبر أميّ بأنه لم يعد يحتمل البقاء في هذه البلاد ، عجز عن توفير اللقمة، يتمزق قلبه لأنين أخي الصغير ، مرضه مزمن، طرق مكاتب المسؤولين، لم يلتفت إليه أحد، قرر الرَّحيل مثل زميله في العمل، سارقت النظر من وراء اللحاف، أبصرتُ وجه أمَّي شاحبًا، ظلت واجمةً بينما واصل أبي حديثه :-
- اتفقتُ مع أحدهم أن يرتب لنا إجراءات السفر على متن قارب إلى إحدى الجزر الإيطالية، دفعت له المبلغ، غدًا صباحًا سنتحرك . فجراليوم التالي ايقظتنا أميّ . جهزّت حقيبة دفنت داخلها ملابسنا المهترئة ، وصرّة معقودة على ما تبقى من طعام ، وزجاجات ماء، قدمت الحافلة تقافزنا إلى جوفها المحشور بأجساد ضامرة نتأت منها رؤوس لوجوه شاحبة محفورة بعيون يسكنها النعاس . شعرتُ بخوف ينتابني، علّقت بصري بأمِّي التي احتضنت أخي الصغير بينما التصقت بها أختي شمس مثل قطة . أما والدي جلس إلى جانب السائق صامتًا ينظر إلى البعيد . عبرتني المسافات، أدخلتني إلى عتمة الليل حين وقفت بنا الحافلة بقرب رصيف قديم ، ثمة رجال ملثمون يحركون أيديهم طالبين منَّا الإسراع ليتلقفنا قارب مطاطي شبه دائري بدا لي مثل فم حوت مفترس يعج بعشرات الأسماك المنتفضة، لها وجوه رجال نساء أطفال، التصقت بأمّي، وأخي، وشمس ، طوقنا أبي بذراعيه حمايةً لنا من ضغط الأجساد المتلاصقة، تمايل القارب مهتزًا وسط الأمواج ، تقيّأت شمس في حجر أمّها ، شعرتُ بدوار ، سماء وبحر ، الموج يهدر ، دوامات من الزبد ، فجأةً علا الصياح ، أعقبه عويل أشخاص يتناثرون وسط البحر ، الماء المالح يملأ فمي، شعرتُ بالاختناق ، أغوص إلى القاع . عندما فتحتُ عينيّ، لم أكن في القارب ، ولا في بيتنا ، أجساد على أسِرّة ، ملاءات بيضاء ، تلفّتُ حولي ، رأيت أمّي على السرير المجاور ، سألتها بصوت مبحوح :-
- ماذا حدث ؟
- تمتمت بوهن :-
- الحمد لله على السلامة .
- أدرت ُبصري حولي ، سألتها :-
- أين أبي ، أخي ، أين شمس ؟
- لم تجب ، انتبهت إلى أن أمّي تخبئ في عينيها ما يشبه المطر .
تتعاقب المواسم ، يضئ الأفق بأقواس قزح ، شمس غائبة، انتظرتها فلم تأت . بحر عميق يتعقبني ، القارب الحوت يشق أحلامي بأمواجه ، يطاردني بفكّيه المشرعين ، ظللت مهووسًا بالمراكب ، والسفن الورقية ، في المدرسة أسحب الكتب، الكرَّاسات من أدراج التلاميذ ، أحولها إلى سفن ، ومر اكب ، في البداية نشرتها في كلّ الشوارع ، وبعد أن أخذوني إلى هذا المكان بأسواره العالية علّمتُ رفاقي -الذين لا أعرفهم - كيف يصنعونها ، ويطلقونها تبحر عبر سيول المياه المتدفقة من صنابير أفتحها لهم ، تبتل مناماتهم البيضاء الموحدة ، وعندما تزورني أميّ أطلب منها أن تحضر لي معها في كلِّ زيارة كمية من الورق .
لم أعرف لماذا انقطعت زياراتها منذ فترة ؟!
لكنني ظللت أصنع عشرات السفن الورقية، أطلقها مع تيارات المياه العابرة ، أتابع الغيمات ، أفتش السماء لعلّ أبي يعود برفقته أخي ، أرنو إلى أقواس قزح ، ألاحقها ربما تكون شمس مختبئة خلف أطيافه ، تخضّب أناملها باللون البرتقالي، وتغزل جدائل شعرها بألق الضوء ، لعلّها تجيء في سفينة من سفائني المبحرة ، أو مع الغيم عند تساقط المطر .#محمد_المسلاتي
========
===========
* شمس : العنوان شمس يحمل في طيّاته النّور و الضّياء، الأمل،و الأشعّة و الإشعا، والطّاقة، والتجدّد والكينونة، التي تضمن استمرار الحياة على الأرض و الكون واستمرار اللّيل والنّهار ... إذن عنوان مفتوح من الصّعب أن يوجّه القارئ ويقوده نحوى مرفإ، باعتبار أنّه شحنة ولّادة من الدّلالات، التي لا يمكن حصرها، ولا عدّها، أوّلها أنّه نجم تدور حوله 7 كواكب أهمّها الأرض، تركيز العين أو عدسة كاميرا على القرص قد يجهر الرّؤيا، إذن نحن أمام عنوان منير و مظلّل...
فهو لا يساعد القارئ ليستنير بنوره ذلك أنّ التّركيز عليه مبهر ومؤذ للعين ...
لنمرّ إلى الاستهلال علّه يحتوي على دليل تنفتح به المغالق...
،". في مواسم الشِّتاء، مع أطفال شارعنا ، كنتُ أنا وشمس أختي التي تصغرني بثلاثة أعوام ، نلوّن عيوننا بقوس قزح، نمدّ أيدينا نتسلّق امتدادات تقوّساته، تصطبغ خدّاها بحمرة الخجل.."
* من خلال الاستهلال:
عرفنا أنّ (شمساً) أخت الأنا المتكلّم يمرحان بمعيّة أطفال الجيران يتطلّعون جميعهم إلى غد أفضل ينظرون ويرنون إلى السّماء التي زيّنها قوس قزح بألوانه، يلعبون يحلمون، وتشعّ منهم رائحة الأمل ، يحملون معهم طموحهم، يقفزون، ويرسمون مستقبلهم، بألوان قوس قزح..
يجلبنا التّكثيف، من حيث تكثيف الألوان في ذكره ل "قوس قزح"
يليه تكثيف فعل التّلوين، في "نلوّن" ونتسلّق والمقصود بالذين يقومون بفعل التّلوين والتّسلّق هو السّارد وأخته شمس وبقيّة أطفال الحيّ كذلك .
يتواصل التّكثيف فيطال الأيادي والعيون في "أيدينا " و في "العيون" ...
يعترضنا التّكثيف في" ثلاث سنوات".
ثم يليه تكثيف المعنى الإيحائي مشفوع بثلاث نقاط ...
" تصطبغ خدّاها بحمرة الخجل.."
الخجل مرتبط بوعي بخجل من ارتكاب خطإ أو بحياء واستحياء، وأين لبنت الثّلاث سنوات بهذا الوعي؟...
هذا التّكثيف كأنّه الطَّرق بمطارق الحداد ونفخ كير، في إيقاع يتسارع فتتسارع معه دقّات قلوبنا، يذكّرنا بموسيقى السّرك أثناء عرض خطير، وقفز على الحبال ، أو بصفّارة إنذار قبل القصف إبّان الحرب...
حدّد السّارد الزّمان، فعَرفنا الفصل: موسم شتاء، والتّوقيت قبل المغيب.
أمّا المكان ف "شارعنا"
فصارت بذلك المقدّمة إطارا وتأطيرا للزّمان والمكان، لتصبح بذلك لوحة اتحد فيها ثالوث الزّمان والمكان والأشخاص، الذين وظّفوا أحسن توظيف، في تكثيف الفعل والاستعانة بالوصف، الذي يهيئ للحدث، كما وظّفت الألوان لتهيئء القارئ لأمر جلل، فتركيزه على الألوان هو إيقاع ونذير وإنذار قد يوحي بقادم انفعالات، وإعلان بخطر قادم، الغرض منه جذب القارئء ولفت انتباهه وشدّه لملإ الفراغات، وإطلاق عنان خياله ومخياله ليكون طرفا للسّعي لملإ ما بين السّطور وما لم يقل للتتبّع الحكي وفكّ اللّغز، كلّ هذا من دون شكّ، سبب يولّد لدى القارئ توتّرا و قلقا، خاصّة وإنّ استعمال اللّون الأحمر، هو لون الورود والدّماء، فأبّهما سيكون أقرب؟ باقة ورد أم حصد رؤوس؟!.
فعل اصطبغ لا ينبئ بالخير فهو للدّم والتّخضيب أقرب ...
اللّوحة في حدّ ذاتها، بمثابة ثقب في الذّاكرة اقتنصها السّارد من الزّمان الهارب، بقبضة يده المجروحة، كأنّهُ اقتنصها بكاميرات فوتوغرافية يدويّة...
يقع المشهد والحدث في مجتمع ما، عيِّنة من فئة توحي بأنّها مقهورة، انعكس على البياض نصّا، رصّعه وزوّقه بما يليق بالحدث، راسما صورة مشهديّة مكثّفة فبثّ فيها من روحه فتحرّكت الصّورة في ذهن المتلقّي ....
فالأطفال كانوا صورة مصغّرة لما يقع في الأحياء الشّعبية في الهنا والهناك ..
المدهش والملفت للانتباه هي تلك الحمرة التي اصطبغت بها خدي شمس، "حمرة الخجل المرسومة على خدي شمس "
* نص الخاتمة :
"لكنني ظللت أصنع عشرات السّفن الورقيّة، أطلقها مع تيّارات المياه العابرة ، أتابع الغيمات ، أفتّش السّماء لعلّ أبي يعود برفقته أخي ، أرنو إلى أقواس قزح ، ألاحقها ربّما تكون شمس مختبئة خلف أطيافه ، تخضّب أناملها باللّون البرتقالي، وتغزل جدائل شعرها بألق الضوء ، لعلّها تجيء في سفينة من سفائني المبحرة ، أو مع الغيم عند تساقط المطر" .
القفلة جاءت امتداد للاستهلال بحيث ربطت الماضي بالحاضر، بلذّة الحرف، والنّص، ومتعة الكتابة، ورائحة الدّم، فغابت شمس وتوارت تحت الغيوم، إلى الأبد، وتبدّد حلم الأب في تغيير واقعه، فغاب الأب العائل...وهكذا ينسدل السّتار على آخر فصل، في مسرحيّة، لحياة موتى، فوق الأرض، لتنتهي بفقد ورائحة شذى وردة مخضبة بالدّم وغيوم، رمز حزن متجدّد، وتساقط مطر، كانهمار دموع من المُقل ..
نهاية حزينة مؤلمة للأسف تعكس واقعا مريرا لا زال يتكرّر في الهنا والهناك، تاركا حُرقة من أثر حَرقَة، على إثر محرَقة وإبادة جماعيّة تشيط فيها الأكباد وتتلظى، حرقا وغضبا، وأطياف وسفن تتابع رحلة بين ضفتن ضفّة الشّرق والغرب ضفة الهنا والهناك، ضفّة الشّمال والجنوب، ضفّة الحياة والموت، ضفة، بين مغيب شمس و انبلاج صبح .وبين كابوس و حلم تغيب شمس هنا و تظهر هناك ..
الموضوع: رحلة غير شرعيّة عبر قارب مطاطي، بالبحر يحمل عوائل ضاق بها العيش في وطن خيّب انتظاراتهم، لم يوفّر لهم أبسط مقوّمات العيش الكريم، فهجّوا إلى البحر، يتوقون إلى العبور من أجل الخلاص، من الشّقاء، باحثين عن محطّة أخرى، يحطّون عليها رحالهم ليضربوا في الأرض، غير أنّ الموت كان أسرع، إذ ابتلع البحر بعضهم، للأسف مات العائل الوتد، فانطفأ النّور وغابت شمس،وأخاها الصّغير وبقيت ذكراهم ذكرى لم تمّح جعلت من سفن الورق إشارة ورسالة، وهمزة وصل بين ضفّتين ضفّة الحياة والموت، وألوان قزح، و الخيط الفاصل بين الظّلام والعتمة.. وخبر وإخبار، لمن صوته غير مسموع... لمن "طرق مكاتب المسؤولين"و" لم يلتفت إليه أحد."
لم يذكر لنا السّارد الأنا بدقّة ملامح كل من أبيه و أمّه واكتفى عن قصد بذكر شحوبها ووجومها بالرّغم من أنّه كان بإمكانه ذلك، فعيناه كانت كعدسة كميرا مثبتة على أمّه من زاوية وراء اللّحاف:
"سارقت النّظر من وراء اللّحاف أبصرت وجه أمّي شاحبا ظلت واجمة بينما واصل أبي حديثه
لتكون رمزا لكل أمّ مكلومة مهزومة بفعل غُلبِ الزّمان وقهر الرّجال، قهرها مضاعف بابن مريض وزوج يتّخذ قرارا بمفرده، جاعلا إيّاها أمام الأمر الواقع، فتنصاع لأوامره، بدون تردد ولا نقاش، كانه اصابها الصّمم، فتركب قارب الموت قاربا مطّاطيا "بلما"- كرواية البلم لمحمد دعفيس السّوري -
فيتركها مع ابنها السّارد .في منتصف الرّحلة مغيّرا وجهته، مصطحبا معه ابنته شمس، وابنه المريض، لتكمل طريقا فُرض عليها بدون شراع ولا سند. صحيح خفّ حملها، ولكن أثقل كاهلها فقد ثلاثتهم، وسؤال ابن، لم ييأس يوما من عودتهم إلى أن انقطعت زياراتها هي الأخرى.
٢
قصة اتكأت على الواقع نقلته عبر مخيال الكاتب قصّة كاملة الأوصاف فكرة ناضجة تصلح رواية سكبها في قالب موضوع قصة قصيرة أحكم بناءها واتقن حبكة الصراع بشكل جعل القارىء يصدّقه، زاده التشويق، و رونق الحكي، بفضل غناء المعجم، وسلاسة تعبير، وانتقاء اللفظ الذي يتماشى مع إيقاع النص المضمر في فيض معنى وتدفّق صور تتناغم مع الملفوظ والمسرود نتيجة الإيهام بواقعية القصّة التي لا تتحمل الترهّل بتأثيث التفضية والضدية في كامل أبعدها زادُه صدق مشاعر، و كذلك الإيحاء خدمه التّكثيف، والاختزال، وأنّقته البلاغة، ورقّة الحسّ وانفتاحه على الفنون المجاورة كاللّوحة والرّسم، والنّحت، و اللّعب بالظلّ والضّوء والإخراج المسرحي والتقطيع السّينمائي وتركيب المشاهد والمونتاج مع تشريك اللمتلقّي، في جلب ألوانه لإكمال اللّوحة.
فالمشهديّة كانت على درجة عالية من الجودة، فقد تلاعب القاصّ بدرجات الضّوء والإضاءة والظلّ والظّلال، واختيار زوايا النّظر،مع تدرّج في الألوان من الأحمر إلى البرتقالي وصولا إلى الأبيض ومن ثم الرّجوع إلى قوس قزح من جديد تماشيا مع تقوّسات ألوان قوس قزح، رقصا على نغمات إيقاع "تصمت و تقول " وحركة المدّ والتّسلّق والرّكض وظلال القوس المنعكسة، على عيون الصّبية، وظل أحمره على خدي الطّفلة.
ونستدل على ذلك بالنّص من خلال ما ورد في قوله
🐦"نلون عيوننا بقوس قزح،"
نمدّ أيدينا نتسلق امتدادات تقوساته، تصطبغ خداها بحمرة الخجل"
"اختر لونك
- الأحمر .
- وأنتِ ؟
تصمت قليلاً ثم تقول :-
- البرتقالي "
"نركض غزالين شاردين تحت المطر"
"كل قطرة"
-
"غيمة مسافرة .."
"نفتح
"ملاءات بيضاء"
"تبتل مناماتهم البيضاء الموحدة "
ثم تعود "أقواس قزح ، يلاحقها ربما تكون شمس مختبئة خلف أطيافه ، تخضّب أناملها باللّون البرتقالي، وتغزل جدائل شعرها بألق الضّوء."
إذن كما نلاحظ فقد استعمل الضّوء والألوان والظّلال وانعكاسها على العيون والنّفوس والاختلاج موقّعا بإيقاع البيئة، كبرواز يؤطّر الحدث، حدث السّفر بالبلم أو قارب الموت المطاطيّ .. حتى يوجّه القارئء ويستقطب كلّ انتباهه...
يتسارع الإيقاع الصوت ك "ها" و"كما " وفي التّكرار و في تكثيف الأحداث والشخوص واختزالها فيدبّ في ذهن المتلقّي حراك لصور تُبث فيها حياة جراء دقّة الوصف، وحسن انتقاء اللّفظ الموحي ببقيّة المشهد المشحون، بفيض معنى، ونقل للأصوات والرّوائح والذّوق والارتواء، والحسّ والحدس، واللّمس والبلل والعزف والسّمع ك:
"نركض غزالين شاردين تحت المطر ، نحتفي بهطوله ، نفتح أكفّنا نصافح كلّ قطرة تزورنا من غيمة مسافرة، حطّت على رؤوسنا ، بلّلت ملابسنا، روت أجسادنا، نهتف في آنٍ واحد حين يشتدّ عزف الرِّيح، على وجوهنا بقطراته ، نتذوّق بشفاهنا طعم السّماء ، وعندما تطفح السّيول، تحفر مساراتها في أرض شارعنا التّرابيّة ، أصنع سفينة من ورق ، تقول لي وهي تمسح ضفائر شعرها المبتلّ"
خدم الحوار أيضا الحدث الفرعي، الذي تضمّنه التّقديم، لحدث امتطاء القارب رحلة الألم والأمل في تغيّر المصير من حيث التّكثيف والاختزال ودقّة الاعتناء بالمفردات، وبالسّياق وببيئة النّص فأنتج هو أيضا مشهد سينمائيّ، لا يقل جودة عن السّرد ...
"- فلتصنع لي مثلها ، أريدها أن تبحر ، وترسو مع سفينتك .
- تغترف بكفيّها ماء المزاريب ، تنثره شلالات على وجهي ثمَّ تجري مبعثرة ضحكتها عبر الشَّارع قبل أن تسبقني إلى البيت ، وتنال حصّتها من توبيخ أمنِّا بعبارتها المكرّرة :-
"- ماذا دهاكما ؟ بللتما ملابسكما . ليس لكما غيرها ، سأحبسكما في الحجرة إلى أن تجف."
٣
"ظل السّارد مهووسا بالمراكب والسّفن الورقيّة في المدرسة "يسحب الكتب والكرّاسات من أدراج التّلاميذ، فيحوّلها إلى سفن ومراكب" وفي المعتقل كان (يعلّم رفاقه الذّين لا يعرفهم كيف يصنعونها ويطلقونها تبحر عبر المياه المتدفّقة من صنابير يفتحها لهم تبتلّ مناماتهم البيضاء الموحّدة )
وكأنّنا بالسّارد صار له وعي بحقيقة "الشيء " و "الأشياء" بالسفينة و"المسافرين" و"المهربين" و ما يدور في العالم، وكيف تدبّر الأمور، من الدّاخل والخارج، و في دول الجوار، مناطق العبور، تفاوض في السّر والعلن، وعلى قدر تلبية رغباتها، وتعثّر المفاوضات، تفتح الصّنبور وتُغلق، فتتدفّق أمواج الهجرة أو تتوقّف، وما الملثّمين أصحاب البلم، إلّا أدوات تنفيذ بيادق تحركهم بلدان ومنظّمات دوليّة، من مصّاصي دماء يتاجرون بالخلق.. يستغلّونهم كورقة ضغط للتفاوض
٤
"ظل السّارد مهووسا بالمراكب والسّفن الورقيّة في المدرسة "يسحب الكتب والكرّاسات من أدراج التّلاميذ فيحوّلها إلى سفن ومراكب" وفي المعتقل كان (يعلّم رفاقه الذّين لا يعرفهم كيف يصنعونها ويطلقونها تبحر عبر المياه المتدفّقة من صنابير يفتحها لهم تبتلّ مناماتهم البيضاء الموحّدة )
وكأنّنا بالسّارد صار له وعي بحقيقة "الشّيء " و"الأشياء" بالسّفينة و"المسافرين" و"المهرّبين" و ما يدور في العالم، وكيف تدبّر الأمور، من الدّاخل والخارج، و في دول الجوار، مناطق العبور، تفاوض في السّر والعلن، وعلى قدر تلبية رغباتها، وتعثّر المفاوضات، تفتح الصّنبور وتُغلق، فتتدفّق أمواج الهجرة أو تتوقّف، وما الملثّمين أصحاب البلم، إلّا أدوات تنفيذ، بيادق تحرّكهم بلدان ومنظّمات دوليّة، من مصّاصي دماء يتاجرون بالخلق.. يستغلونهم كورقة ضغط للتّفاوض.
٥
ظِلُّ نحس، قدر وشقاء، ظِلُّ ظَلَّ يلاحقهم من ضفة إلى أخرى، يصاحبه عويل، مرض، فقد، مواجع، وفواجع وذكريات مريرة، هي صورة واقع معكوسة، ظلاله على أمواج البحر، في الهنا والهناك ، وحكايات بؤس ، متشابهة تتغيّر أبطالها، وديكور ركح مسارحها أسماءها و أمكنتها ، ومنذ أن تفاقمت البطالة و عجزت الأنظمة عن تلبية حاجيات مواطنيها نشط بعض من مصّاصي الدّماء ممن يتمعّشون من مآسي الآخرين الذين يستغلّون نقطة الضعف هذه لمزيد ابتزاز العباد.
نص ثقافيّ الحدود محدّدة معالمه، في برواز آلام رحلة الألم، والفقد و خيبة المسعى وانقطاع الرّجاء من مجتمعات وأنظمة غربية صدّعت العالم على المنابر، بدفاعها عن الإنسان والانسانيّة واحنرامها لحقوق إنسان...
تجمّعت شخوصه على ظهر قارب الموت، حتى حقائبهم دَفنت حاجاتهم في حياتهم، ذلك أنهم أموات ظلوا طريق قبورهم...فأمنها لهم قارب الموت طعاما للحيتان ذلك أن الأرض لفضتهم فوقها وفي ببطنها فاستضافهم الحوت في بطنه وجبة شهيّة موفرا عليهم النزاع....
الأسلوب جاء بسيطا بليغا فصيحا موشح ببالمجاز والبديع والموزون المنغم الشعري الإنشائي وكذلك لم يخل من التسجيلي
كان عبارة على سنفونيّة من الأصوات
سهيلة بن حسين حرم حماد
الزهراء تونس /09/072020