كان الزحام شديدا والركاب قد تكدسوا في ممرات عربات القطار، فاليوم هو أول أيام العودة بعد عطلة استمرت لأسبوعين؛ اختلط المسافرون العائدون إلى رتابة حياتهم بمرتادي القطار الدائمين الذين باتوا يعرفون بعضهم بعضا ... حتى إنك تتساءل في بعض الأحيان ما الذي أخر فلانا أو فلانة ؟ لعل المانع خيرا؟
كانت روح من رواد هذا الفضاء اليومي، اعتادت على روتينه وألفت أجواءه، لكنها على غير عادتها اليوم أحست بضيق كبير لأنها كانت تنوي أن تتم قراءة روايتها في ركنها المعهود الذي أصبح يشكل جزءا منها ومن حياتها حتى تغوص في عالم "أناّ " بعيدا عن ضوضاء الواقع الكئيب. أصبحت تعشق فترة الذهاب والإياب لأنها كانت تمنحها لحظة للغوص في عالم ترقص فيه الكلمات على إيقاع سمفونية حيوات مزركشة بالخيال والأحلام. حاولت أن تستعيد بسمتها وتطرد هواجسها التي لازمتها منذ البارحة خصوصا بعد النقاش الذي دار بينها وبين ابنها الذي لم تتصور يوما أن يكبر معه حلمها الجميل فيصبح كابوسا يطاردها.
لم يكن "يحيي" شابا وسيما وخلوقا فقط ، بل كان نقطة من العسل تتحرك في قلبها، لم تستسغ فكرة ابتعاده عنها وهو الذي لم يتجاوز عقده الثاني بعد ... لقد كانت مجرد فكرة التفكير في ابتعاده عنها تحيل الدنيا سوادا يكتم أنفاسها .....فكيف الآن وهو يستعد للطيران بعيدا... هناك حيث لن تراه إلا بعد سنين...وهي التي اعتادت على مشاكساته التي تملأ حياتها حبورا.
أي نعم، هو يريد أن يذهب للدراسة ...لكن إحساسها خبرّها أن طائرها الصغير قد عزم على هجر وكره الدافئ ليرمي بنفسه في حضن براثن الدنيا اللعوب. حاولت أن تقنعه وتثنيه عن عزمه لكنه كان مصمما لدرجة اليقين، حبست دموعها في دواخلها وأرخت العنان للواعج الشوق تأكلها قبل بداية مسلسل العبور.
كانت تقف قبالة الشرفة تراقب تَسارُع مرور الأشجار في تأمل كبير وصدى حروف روايتها تطرق مسمع أذنيها وكأنها تسير على سكة الحديد:" كل العائلات السعيدة تتشابه، لكن لكل عائلة تعيسة طريقتها الخاصة في التعاسة". مر ببالها سنوات عمرها التي انطوت بسرعة القطار لتجد سؤالا ملحا يراودها ترى أين ستكون محطة النزول بعد أن غادر حياتها راكبها الجميل؟؟
وبينما هي غارقة في أفكارها المشوشة لاح لها من بعيد طيف شخص بهندامه المرتب الجميل ، كان يقف باستقامة عجيبة يحمل في يده حقيبة سوداء ويتطلع إلى الأفق بابتسامة المتفائل بالغد الجميل ؛ تنحنحت في وقفتها من التعب وحاولت أن تمد رأسها لتسترق منه بصيصا من أمل الصباح. تحركت بخطى خفيفة فإذا بها تجده هو ...نعم إنه هو ....ّذلك النبيل الذي يسكن في قلب كل كبير وصغير ، كل طفل وطفلة ، كل شاب وشابة ، زارع الأمل والمبشر بالغد الجميل؛ كانت تعرفه من خلال الأصداء التي تصلها عن فكره الجميل وعن مبادراته الجريئة من أجل بعث قيمة الحب وإشاعة نورها في سماء الأفق الذي يِؤمن بغده المشرق.
عرفته من نظرته المشعة من وراء نظارتيه اللتين تخفيان عينين عسليتين فيهما دفئ يسع العالم الكبير . كانت شعيرات رأسه الفضية اللامعة مرتبة بعناية تنبئ بمظهر الوقار الكبير. وقعت عيناها في عينيه فأومأ لها برأسه بالتحية فعجز لسانها عن ردها ، لم تعرف ما الذي حدث ولكنها أدركت أنها كانت على موعد مع شيء منها كان هناك ينتظرها في سحر عينيه.
أسرعت الخطى في النزول وكأنها هاربة من قدر مجهول ، أرادت أن تقول له كثيرا من الأشياء لكن خطاها تحالفت مع قدرها المشؤوم، لتذعن لمنبه إعلان محطة الوصول على الرغم من أنها أرادت عدم النزول.
سحبتها رجلاها على عجل وكأنها تهرب من لقاء قٌدِّر له أن يبقى في عالم المجهول، للمضي قدما إلى اللامجهول المعلوم، دون أن تدري كيف قطعت المسافة بلا تأفف من ضجر السيارات أو شعور بثقل حقيبتها التي كانت تشتكي دوما من الألم الذي تسببه ليدها من جراء حملها ...لقد وجدت نفسها قد بلغت وجهتها في غيبة منها .... فنفسها قد بقيت عالقة هناك أمام قدرها المحتوم.
وبّخت نفسها كثيرا على تضييعها فرصة حوار تمنته منذ مدة ، وقناعتها بلقاء صامت لغته غذَّتها نظرةُ عيون.، كانت تأمل أن تتحدث إليه ...أن تستفسره عن سر بهائه الدفين؟ فلطالما أرق بالها سؤال احتار عقلها في الإجابة عنه: يا ترى ...من أين له هذه الطاقة العجيبة على العطاء؟ أتراه يحيا في عالم غير عالم الأحياء؟ أم أنه يتنفس شيئا آخر غير الهواء؟ ...أو يكون من المعقول أن اختيار بذل الحب ديدنا في الحياة يجعل منها عشقا لذيذا تذوب في ثناياه كل المشاكل والآهات؟
تمنت لو استطاعت أن تمسك بيده لتسترق منها شحنة أمل تعينها على مواصلة سيرها نحو محطة الوصول ....وصول نحو بر الأمان ، لكن هذه المرة تريده وصولا اختياريا لا تفرضه نهايات اختيار الطريق، ولا أوجاع بدايات النهايات.
الأربعاء، 5 أغسطس 2020
القاصة/ د. سميرة مصلوحي/&&
الشاعرة/ مريم خضراوي*&&
&انقلاب&
الناقدة/ سهيلة بن حسين حرم حمّاد/&&&&
قراءة : وحدة العتبات وتماسك الق ق ج
عِزّة.
كتبتْها والدّموع مدرارة عبر وجنتيها، تطلب مساعدة.
عندما مرّرت لسانها على حواف المغلّف، لسعتْها أمواج حارقة تطفو عليها كلمات شامخة أبت السّفر إليه.
روزيت حدّاد
سوريا
=======
===========
قراءة :وحدة العتبات وتماسك الق ق ج
وحدة العتبات وتماسك الققج :
العنوان : عزة
الاستهلال : كتبتها والدّموع مدرارة...
القفلة : أبت أن تسافر إليه ...
القفلة والعنوان، في تناغم تامّ ...
عزة : تعني أنفة كبرياء... يقابلها أبت أن تسافر إليه. أي الرسالة لم ترسلها ....
الاستهلال: كتبتها والدّموع مدرارة. شوق جراء بعاد... هجر ... أو فراق ...أو ..فاستغاثة ...
القفلة حافظت على عنصر الدّهشة من حيث احترام عنصر الإبهار من جهة. وتماسك وحدة الموضوع من من جهة أخرى . حيث أن عزة نفسها منعتها من أن تفصح عن ضعفها رغم شدة ألمها المعبّر عنه بالدّموع المدرارة...
آليات القصّ عالية جدا، امتازت بحرفيّة. بدا المشهد بسيطا، موجزا، حيث اعتمدت صاحبته تقنيّة انتقاء اللّفظ، وتبئير المعنى الإيحائي، بدلا من استعراض تبئيريٍ نمطي، لتفسير حالة البطلة النّفسيّة، عن طريق الهواجس والمنولوج، كحوار داخلي توضيحي، يَعبُرُ بنا تلك اللّحظة الزّمنية التي التقتطتها القاصّة. فجنّبها ذلك الإطناب و السّقوط في الخاطرة . باستعمالها لضمير الغائب المؤنّث الهي عوضا عن الأنا . فصارت " الهي" أنثى كونيّة كلّيّة تصوّر الأنثى، في بعدها المترفّع في كبرياء، وعزّة. تلك "الهي " التي تأبى على نفسها استجداء شفقة الآخر وعطفه لذلك نراها آثرت الصّبر بدلا من إرسال رسالة تعبّر بها عن ما تشعر به ...
اعتمدت القاصّة على حسن انتقاء اللّفظ، و الحذف، والاختصار، والإيجاز و التّكثيف، والحركة المبنيّة على تسريع الأفعال مع توصيف دقيق لم يهمل الجزئيات من دون إطناب فرفعت بذلك العمل... حيث جعلت من المشهد لوحة بالي، يرسم تناغم الحركات التعبيريّة، لكلّ فعل ماض، فيّاض، مولّد للصّور و للمشاهد فشدّت بذلك انتباه المتلقّي و أثارت شعوره، و دغدغت مخياله، فانساب في مُجاراة النّّغم عن طواعيّة، يرقص و يرسم أفعالا لسيناريوهات ، تتماهى، تتماشى، وتتناغم، و إيقاع الشّعور والاختلاج، الّذي ارتأته القاصّة في توصيف للمشهديّة، و لنبض ولأنفاس البطلة فصيرته لاهثا يتبع البطلة ويتابعها في شغف ليفتح نافذة من الاحتمالات اللّامتناهية ....
الحبكة كانت على درجة عاليّة من الإتقان ألّفت بين الحبكة السّردية والفعل الحكائي، فأضفت حياة وروحا لعمليّة القصّ ما يعبّر عنه بالنّزعة الحكائية القصصيّة ...
قصّة عميقة،وهادفة احترمت تقريبا كل مقوّمات القصّة القصيرة حيث حافظت على عنصر القصّ، والتّشويق والتّكثيف، والإبهار، وقد زادها رونقا تلك الجمل الإنشائية عالية الجودة، الّتي لم تغفل عن جودة السّرد والقصّ الحكائية .
الأسلوب بسيط شاعري فصيح بليغ وعميق ....
سهيلة بن حسين حرم حماد
سوسة في 04/08/2019
الكاتبة/ خيرة الساكت&&
ثلاثية " قطط في مهب الريح " ( ققج )
~ أرق ~
أقض مضجعي صوت عراك قطط
عنيف في الزقاق .ظننت السبب الرغبة في الحصول على أنثى .عزوت الأمر إلى الطبيعة.
أغلقت أذني بقطعتي قطن .
التقط أنفي رائحة عفونة نتنة .
لم أعرف كيف أنأى بنفسي عن هذا العراك و قد كان سببه بقايا أسماك ..
===========
~ شغف ~
أنهت القطط وليمتها. اجتمعت للاستماع إلى وعظ كبيرها.
ما أن تنحنح و وضع مؤخرته على كيس قمامة حتى سقط أحد القطط صريعا يتخبط. علقت الأشواك ببلعومه. فنفق .
هجمت عليه القطط .كل منها ازدرد جزء من الجثة.
صاح الواعظ :
- من منكم الذي سرق البلعوم ؟
و لكنه توقف عن طرح السؤال و واصل إلقاء مواعظه عندما لحظته أنثاه بغنج و هي تقرمش الأشواك التي استخرجتها من البلعوم .
===========
~ اعتلاء ~
في ليلة عيد ميلاد الواعظ الكبير أعدت أنثاه عشاء فاخرا ..يربوع كبير مات مسموما من صاحب مخزن.. جلبه لها صديقها المقرب.. التهم كبير القطط العشاء ممنيا نفسه بعشاء آخر و متعة أخرى.
ظلت أمنيته معلقة بين القمامة و السماء.
لم يفتح القطط تحقيقا لمعرفة سبب موت كبيرهم لأنهم انشغلوا بإقامة احتفال لتنصيب الأنثى واعظة جديدة يستمعون إليها بأعينهم.
الثلاثاء، 4 أغسطس 2020
الشاعرة/ ملكه محمد أكحيل*&&
حفر دربي
بقلم الشاعرة ملكه محمد أكجيل
الشاعر/ وليد البهرزي*&&
وليد البهرزي
2020/8/4
الاثنين، 3 أغسطس 2020
الشاعرة/ وردة علي عبد القادر&&
🌿🌿 قمري 🌿🌿
الشاعرة/ روزيت عفيف حداد&&
الأحد، 2 أغسطس 2020
القاص/ محمد المسلاتي*&&&
• أطفال آخر الليل/ قصّة قصيرة
بقلم / محمد المسلاتي - ليبيا
.. آخر الليل ..
بعد أن تسرّب الهدوء إلى شوارع المدينة الكبيرة، ونفث صدرها أنفاس يوم مشبع بالأتربة ،والغبار، والدخان ، زحف النوم على الأعين المجهدة الهاربة من ضجيج نهار طويل..
سكنت الحركة إلاّ من هفيف رياح خفيفة تهبّ بين الحين والآخر فتكنس بقايا الورق، وعلب البضائع الفارغة، والأكياس، تدحرجها إلى زوايا الشَّوارع والأزقة ..
وقتئذ تحرك الطفل الضاحك بسنيه الوحيدتين، المرسوم على اللافتة الضخمة المشدودة فوق مدخل محل بيع الملابس .تلفّت يمينًا، يسارًا ، اطمأن إلى أن الشرطي، وخفير المحلات العجوز قد سرقهما النوم، وأن أحداً لا يراقبه ..
غادر المربع "البلاستيكي " الذي يحاصره من جميع الجهات..
تسلل منزلقًا إلى تحت، ساحبًا جسده الصغير نصف العاري على عمود الكهرباء الأملس..
حطّت قدماه فوق الرصيف الإسمنتي . .
تنهّد بعمق ، شدّ حزام سرواله القصير ..
بهدوء مشى محاذيًا أبواب المحلات المقفلة ..
عندما وصل إلى محل بيع ملابس البنات توقّف !
همس للبنت الصغيرة القابعة في ركن اللافتة المضيئة ..
أثار انتباهها، نظرت إليه، دهشت، همّدت رموشها على عينين بريئتين مفتوحتين باتساعات الشوارع المتداخلة ..
ابتسمت من خلف أضواء النيون !!
جذبت ثوبها الأبيض القصير ، المنثور بورود حمراء،وصفراء حتى غطّى ركبتيها..
أصلحت جدائل شعرها المبعثر في وجه الريح ..
خجلًا نظرت إلى قدميها الحافيتين..
زمّت شفتيها..
أدرك الطفل ما تفكّر فيه !!
لوّنت وجهه ابتسامة ، قال هامساً :ـ
- لا تقلقي، سأحصل لك على حذاء جميل من المحل المجاور .
هبطت إلى جانبه على جناحي فرح ..
ضمّ يدها عصفورة بين أصابعه الطرية ..
فناوشهما الدفء..
وانطلقا يمشيان مبتسمين !
*********
وقف الطفل عند باب محل لبيع الأحذية ..
رمق اللافتة المرصعة بعشرات الأحذية الأنيقة ..
صفّر صفيرًا خافتًا.لملمت الأحذية نفسها، هوت على الأرض دفعة واحدة ، أجلس البنت على حافة الرصيف..اختار حذاءً أبيض تزينه فراشات ملوّنة . قلّبه أمام عينيها عدة مرات..
همسًا طلب منها أن تُدخل قدميها الصغيرتين في الحذاء.قبل أن تفعل، نفضت عنهما ذرات التراب..
أمست قدماها فراشات تذرع الطرقات..
وأجنحة تعكس أضواء المصابيح المعلّقة على أعمدة الشوارع توهّج وجه الطفل ..
زغردت عصافير الغبطة في أعماق البنت ..
ثم مشيا مبتسمين !
*********
نظرت إليه فجأة !
توقّف حيث هدّأت قدميها، بادلها النظرات مشدوهًا.حملقا معاً إلى أعلى !
انطلقت ضحكة، هربت بعيداً، عبرت صمت الليل تخطّت الشرطي والخفير العجوز النائمين ، تجولت عبر فضاءات المدينة اصطدمت بأبواب النوافذ الموصدة، إلى أن تلاشت ذائبة في قلب السكون..
استقرت أعينهما على الدمية المنقوشة على لافتة محل لبيع اللعب..
تسلّق الطفل حامل المظلة الحديدي !
كاد يسقط ..
ندت عن الطفلة صرخة واهية ..
تشجّع مواصلاً الصعود ..
عيناها تلاحقانه بشغف وحذر شديدين..
ما لبث أن أحضر الدمية ..
بسط يديه الاثنتين، عرض الدمية، انبهرت عيناها، لمعت ببريق خفي، صاحت بولَه :ـ
- يا إلهي. . ما أجملها !
انحنى في هدوء، قال مفتخرًا :ـ
- إنها لكِ .
احتضنتها ممتنة، قبّلتها، ألصقتها على خدّها ..
ثم مشيا مبتسمين !
**********
قفزت البنت في الهواء صاحت :ـ
- عصفور ، عصفور .
سارع النظر حيث أشار إصبعها المرتعش..
رأى عصفورًا صغيرًا ملونًا ملتصقًا رسمًا باللافتة الحديدية المنتصبة على قمة محل بيع العصافير ..
ناغم الطفل العصفور الصامت، فرد جناحيه المطبقتين، طار نحوهما، دار حولهما دافعًا هواء بارداً إلى وجهيهما ..
ابتعد قليلًا حتى كاد يغيب، ثم نزل على كتف البنت . نقرها بمنقاره مداعبًا .. مررت أصابعها على ريشه الناعم . استكان العصفور ونام !
صدحت الفرحة في قلبها ..
مرقت عشرات العصافير الحبيسة ..
شكرت الطفل بعينيها الخجولتين، لم يعلّق ..
ثم مشيا مبتسمين !
*********
- انتظر ! انتظر !
باغته الصوت ..
سأل الطفل :ـ
- ماذا دهاك؟ .
أجابت :-
- ياله من حمل وديع ، رائع !
غازلت عيناها صورة الحمل المتأهّب للفرار من إطار اللافتة ذات الأضواء المتوالية الوميض المثبتة أعلى محل القصاب..
قال الطفل :ـ
- حقاً إنه رائع ، سيكون صديقنا .
وشرع يهمس مناديًاحاجزًا شفتيه بكفيه ..
نطّ الحمل تاركًا اللافتة، التصق بالأرض.. مأمأ مرتين ،تمسّح بثوب البنت .. مسّدت صوفه الأبيض الوفير، جرى يسبقهما يتماوج ككتلة زَبَد هاربة من بحرها ..
ضحك الطفل والبنت كثيرًا..
ثم مشيا مبتسمين ..
**********
قبل أن يصل الطفل، والبنت، والحمل إلى نهاية الشارع الكبير..
وقبل أن تقترب خطواتهم المتئدة من مكان الشرطي، والخفير العجوز الغائبين في نومهما العميق، وقبل أن تفطن البنت المنشغلة بملاحقة الحمل، وثب الطفل بخفة مثل قطّ مشاكس، صعد إلى أعلى،وطفق يجمع الزهور المتناثرة على اللافتة العريضة، التقطها زهرة زهرة ،،
قبض عليها بأصابع إحدى يديه..
فغدت باقة زهر !
انحدر نازلًا مستخدمًا يدًا واحدة ..
انتبهت إليه البنت! سرقتها الدهشة، صاحت وهي تمعن النظر نحو باقة الزهر :ـ
- يا إلهي! ما أينعها، ما أجملها !
سلّ إحدى الزهرات من الباقة ..
غرسها وسط شعرها الفاحم بسرعة خاطفة..
فانفسح قلبها حديقة ..
مأمأ الحمل . تململ الشرطي، والخفير العجوز الصامتان، ثم عادا إلى نومهما..
فرّت نظرة من عينيّ البنت، استأذنت الطفل، فهم ما تريد،،
غمز بإحدى عينيه.
ركضت تزرع زهرة وسط سحب الصوف!
مأمأ الحمل من جديد، وانطلق يجري إلى الأمام !
هزّت رأسها، نظرت إلى الطفل، نظر إليها..
ثم مشيا مبتسمين !
************
.. فضّ الصباح ستارة شمس يوم جديد..
فاصطبغت السماء بحمرة خفيفة..
ما لبثت أن تلاشت، فسطع نهار مُضيء..
دبّت الحركة في أوصال المدينة، وشوارعها الواسعة الكبيرة وميادينها الفسيحة، تنفست صخبها المعتاد، وضجيجها اليومي.تنشق صدرها الأتربة، والغبار، والدخان..
عندئذ لاحظ الناس أن لافتات محلات المدينة الكبيرة المصنوعة من مادة البلاستيك، والمطاط، والنحاس، والحديد، والزجاج، والزنك أصبحت خالية من الأطفال، والزهور والعصافير، وكل الرسومات الجميلة الملوّنة التي كانت منقوشة على مساحاتها!!
لاحظوا ذلك !!
لكن أحدًا لم يعرف السبب !!
_______
هامش / من مجموعتي القصصيّة [ تفاصيل اليوم العادي ] 2006 - إصدارات مجلس الثقافة العام. #محمد_المسلاتي












