الأربعاء، 5 أغسطس 2020

القاصة/ د. سميرة مصلوحي/&&


قصة قصيرة
لقاء صامت
بقلم : الدكتورة سميرة مصلوحي

كان الزحام شديدا والركاب قد تكدسوا في ممرات عربات القطار، فاليوم هو أول أيام العودة بعد عطلة استمرت لأسبوعين؛ اختلط المسافرون العائدون إلى رتابة حياتهم بمرتادي القطار الدائمين الذين باتوا يعرفون بعضهم بعضا ... حتى إنك تتساءل في بعض الأحيان ما الذي أخر فلانا أو فلانة ؟ لعل المانع خيرا؟
كانت روح من رواد هذا الفضاء اليومي، اعتادت على روتينه وألفت أجواءه، لكنها على غير عادتها اليوم أحست بضيق كبير لأنها كانت تنوي أن تتم قراءة روايتها في ركنها المعهود الذي أصبح يشكل جزءا منها ومن حياتها حتى تغوص في عالم "أناّ " بعيدا عن ضوضاء الواقع الكئيب. أصبحت تعشق فترة الذهاب والإياب لأنها كانت تمنحها لحظة للغوص في عالم ترقص فيه الكلمات على إيقاع سمفونية حيوات مزركشة بالخيال والأحلام. حاولت أن تستعيد بسمتها وتطرد هواجسها التي لازمتها منذ البارحة خصوصا بعد النقاش الذي دار بينها وبين ابنها الذي لم تتصور يوما أن يكبر معه حلمها الجميل فيصبح كابوسا يطاردها.
لم يكن "يحيي" شابا وسيما وخلوقا فقط ، بل كان نقطة من العسل تتحرك في قلبها، لم تستسغ فكرة ابتعاده عنها وهو الذي لم يتجاوز عقده الثاني بعد ... لقد كانت مجرد فكرة التفكير في ابتعاده عنها تحيل الدنيا سوادا يكتم أنفاسها .....فكيف الآن وهو يستعد للطيران بعيدا... هناك حيث لن تراه إلا بعد سنين...وهي التي اعتادت على مشاكساته التي تملأ حياتها حبورا.
أي نعم، هو يريد أن يذهب للدراسة ...لكن إحساسها خبرّها أن طائرها الصغير قد عزم على هجر وكره الدافئ ليرمي بنفسه في حضن براثن الدنيا اللعوب. حاولت أن تقنعه وتثنيه عن عزمه لكنه كان مصمما لدرجة اليقين، حبست دموعها في دواخلها وأرخت العنان للواعج الشوق تأكلها قبل بداية مسلسل العبور.
كانت تقف قبالة الشرفة تراقب تَسارُع مرور الأشجار في تأمل كبير وصدى حروف روايتها تطرق مسمع أذنيها وكأنها تسير على سكة الحديد:" كل العائلات السعيدة تتشابه، لكن لكل عائلة تعيسة طريقتها الخاصة في التعاسة". مر ببالها سنوات عمرها التي انطوت بسرعة القطار لتجد سؤالا ملحا يراودها ترى أين ستكون محطة النزول بعد أن غادر حياتها راكبها الجميل؟؟
وبينما هي غارقة في أفكارها المشوشة لاح لها من بعيد طيف شخص بهندامه المرتب الجميل ، كان يقف باستقامة عجيبة يحمل في يده حقيبة سوداء ويتطلع إلى الأفق بابتسامة المتفائل بالغد الجميل ؛ تنحنحت في وقفتها من التعب وحاولت أن تمد رأسها لتسترق منه بصيصا من أمل الصباح. تحركت بخطى خفيفة فإذا بها تجده هو ...نعم إنه هو ....ّذلك النبيل الذي يسكن في قلب كل كبير وصغير ، كل طفل وطفلة ، كل شاب وشابة ، زارع الأمل والمبشر بالغد الجميل؛ كانت تعرفه من خلال الأصداء التي تصلها عن فكره الجميل وعن مبادراته الجريئة من أجل بعث قيمة الحب وإشاعة نورها في سماء الأفق الذي يِؤمن بغده المشرق.
عرفته من نظرته المشعة من وراء نظارتيه اللتين تخفيان عينين عسليتين فيهما دفئ يسع العالم الكبير . كانت شعيرات رأسه الفضية اللامعة مرتبة بعناية تنبئ بمظهر الوقار الكبير. وقعت عيناها في عينيه فأومأ لها برأسه بالتحية فعجز لسانها عن ردها ، لم تعرف ما الذي حدث ولكنها أدركت أنها كانت على موعد مع شيء منها كان هناك ينتظرها في سحر عينيه.
أسرعت الخطى في النزول وكأنها هاربة من قدر مجهول ، أرادت أن تقول له كثيرا من الأشياء لكن خطاها تحالفت مع قدرها المشؤوم، لتذعن لمنبه إعلان محطة الوصول على الرغم من أنها أرادت عدم النزول.
سحبتها رجلاها على عجل وكأنها تهرب من لقاء قٌدِّر له أن يبقى في عالم المجهول، للمضي قدما إلى اللامجهول المعلوم، دون أن تدري كيف قطعت المسافة بلا تأفف من ضجر السيارات أو شعور بثقل حقيبتها التي كانت تشتكي دوما من الألم الذي تسببه ليدها من جراء حملها ...لقد وجدت نفسها قد بلغت وجهتها في غيبة منها .... فنفسها قد بقيت عالقة هناك أمام قدرها المحتوم.
وبّخت نفسها كثيرا على تضييعها فرصة حوار تمنته منذ مدة ، وقناعتها بلقاء صامت لغته غذَّتها نظرةُ عيون.، كانت تأمل أن تتحدث إليه ...أن تستفسره عن سر بهائه الدفين؟ فلطالما أرق بالها سؤال احتار عقلها في الإجابة عنه: يا ترى ...من أين له هذه الطاقة العجيبة على العطاء؟ أتراه يحيا في عالم غير عالم الأحياء؟ أم أنه يتنفس شيئا آخر غير الهواء؟ ...أو يكون من المعقول أن اختيار بذل الحب ديدنا في الحياة يجعل منها عشقا لذيذا تذوب في ثناياه كل المشاكل والآهات؟
تمنت لو استطاعت أن تمسك بيده لتسترق منها شحنة أمل تعينها على مواصلة سيرها نحو محطة الوصول ....وصول نحو بر الأمان ، لكن هذه المرة تريده وصولا اختياريا لا تفرضه نهايات اختيار الطريق، ولا أوجاع بدايات النهايات.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق