الجمعة، 25 ديسمبر 2020

إحتفالية الفيّاض في أمسية السيّاب/ شمس جيكور/ الشاعر د. عبد الجبار فياض - البصرة / العراق***

 


حتفالية الفياض)

السياب
لوفاته
في ٢٤/ كانون أول/ ١٩٦٤
(لعبة التشظي في النص الشعري الحديث)
/شمس جيكور للفياض
بقلم : سامية البحري / تونس
الإهداء : إلى روح فقيد المدرسة الشعرية الحديثة الشاعر الرائد بدر شاكر السياب
كلما قرأتك _يابن جيكور_ أستنشق عطر الوطن والقصيدة !!
أستعير من الشمس خيوطا من ضياء..لأنظم عقدا فريدا..!!
تصدير :
يرى بدر شاكر السياب أن الشعر الحديث طاقة إبداعية مختلفة إذ يعتبر أن الشعر الحر أكثر من اختلاف عدد التفعيلات بين بيت وآخر
و أنه بناء فني جديد و إتجاه واقعي جديد جاء ليسحق الميوعة الرومانتيكية و أدب الأبراج العاجية و جمود الكلاسيكية كما جاء ليسحق الشعر الخطابي الذي إعتاد السياسيون و الإجتماعيون الكتابة به.
________ في سفر الدخول /نبحث في المعنى عن المعنى :
*عند العتبة: شمس جيكور
للعنوان حضور بالغ الأهمية في النص الشعري الحديث ،فهو يختزل النص ويلمح إلى معالمه الكبرى
وفي استقراء العنوان نلاحظ انه ورد مركبا إضافيا يتكون من لفظين:شمس /جيكور
شمس___ مصدر الإضاءة بالنسبة إلى الأرض. .يعطيها الشحنة الحرارية التي تخصبها..ويذهب العتمة ..وهو دال على مكون ضمني هو النهار ..وكاشف لجدلية الليل والنهار ..وهي حكمة إلهية سطرها بمقياس ..
جيكور : إحدى مدن البصرة .وهي تحيل على تربة احتضنت عدة دلالات عبر الاحقاب التاريخية
يأتينا العنوان محملا بالرمز ..متوسلا الإيحاء. .لفتح إمكانات مختلفة لقراءات عديدة ..
وانخراط المركب في سياق الخطاب الشعري يجعل من المفردتين في انخراط مباشرة مع مع خصائص اللغة الشعرية التي تبطن أكثر مما تظهر ..وتخفي أكثر مما تقول..
عند إذن علينا أن نلملم ما تشظى في النص لنكتشف ملامح شمس جيكور وهويته ..
فهل سنعثر على تواشج بين العتبة والمتن..؟؟
عندما يلتقي الكبار :
بين الفياض والسياب وشائج وتناغم واختلاف وائتلاف...
بينهما برزخ..لكن يلتقيان ..
وذاك البرزخ ليس سوى الزمن ..فلكل زمانه..ولكل عصره
وذاك اللقاء كان عند نقطة اسمها العراق ..!!
وبين الزمان والمكان يولد المقصد
ويتجلى الجوى والهيام
وتكون المعشوقة واحدة ..!!
كيف يكون اللقاء ..والمعشوقة واحدة ..؟
وتلك المعشوقة "هم بها موج متصاب"
ما كانت بغيا
لكنها ذهبت معه إلى الضفة الأخرى
تلك هي القصيدة
وتلك هي المعشوقة التي هام بها الشعراء ..
وتسابقوا في سبيل الفوز بودها
فتأتيهم في كامل فتنتها بلا شرط ولا مهر
عندما تعشق القصيدة
تتعرى ....!!
أي صورة تربك العقل والفكر ؟
تتعرى القصيدة في حالة العشق
كأنها المغتسلة عند النواسي وهو يرقبها و يرتل :
نضت عنها القميص لصب ماء
فورد خدها فرط الحياء
وقابلت النسيم وقد تعرت
بمعتدل أرق من الهواء
وفي خضم هذه الصورة الاحتفالية بالقصيدة
تتآلف كل المكونات لتعضد هذه اللوحة المفعمة بالدلالات..
(الرطب /التوت الأسود / داليات الكرم ..)
ويخرج عصفوران ليلتحما بالمشهد بين الفجر وليل مخمور..
فينبثق الدال المركزي للنص برمته وهو "جيكور"
تتناسل منه كل المكونات ..
تلك هي لعبة التشظي في النص الحديث
عندما أتشظى ..أتناسل..من كل شظية تخرج خلية ..في كل خلية صوت متمرد..
هكذا حدثت القصيدة عند الفياض !!
ويشهد على هذا التشظي المتقن ذاك التلاحم بين علوم ومرجعيات مختلفة
ففي قصيدة الفياض يسكن التاريخ جنبا إلى جنب مع الأسطورة
تلتحم الأصوات الشعرية تراتيل سنفونيات قادمة من الزمن البعيد ..
تعاضدها الفلسفة والدين .
فكيف يتجاور كل هذا الزخم دون أن يكون الزلزال؟
وإذا زلزلت القصيدة زلزالها ثمة أفلاطون وأيوب والغفاري والذبيح ويوسف الجميل ..!!
في القصيدة فقط يلتحم الأنبياء بالفلاسفة..
لأن الفاعل هم الشعراء
فالشعراء يتبعهم الأنبياء والحكماء
وشمس جيكور ..نبي رحل ..ولم يمت ..ولن يأفل ابدا ..
لذلك لا رثاء ..لا رثاء..
فحروف الرثاء
لا تسد ثقوب رئة عاشقة
والفحم لا يرسم حمامة بيضاء
ولابد لبرومثيوس أن يفعل فعلته تلك..
برومثيوس سارق النار..أعطى الحضارة لإنسان يتدثر بالوحشية ويعتنق قانون الغاب ..
برومثيوس يتحدى كبير الآلهة زيوس ..فينتهي معلقا في جبال الالمب ينهش كبده نسر عظيم فتنبت من جديد
هكذا كان السياب ..هكذا كان شاعر المضطهدين..رغم الفقر ورغم المرض ..حمل الرسالة بكل صدق ..الرسالة بكل أبعادها الفكرية والاجتماعية
وانتهى وحيدا في غرفة فارغة بعيدا عن وطن عشقه عشقا عذريا
وما نال منه سوى التهميش والاغتراب ..رغم ثقل هذا الوطن حضاريا واقتصاديا
انتهى يصغي إلى أزيز الباب
ويرى وجه أمه المعفر بالتراب وهو يلوح بالرحيل ..
هكذا المخلصون في كل درب
وهكذا العاشقون الذين اعتنقوا الصدق والنقاء والطهر والبراءة
هكذا ينتهي الشعراء في بلاد العرب
وهكذا يقتحمهم الردى
تحت أسواط الغربة والفراغ والضياع ..وصوت الرياح ..وأزيز الباب ..
وتلك الأصوات القادمة من عمق الفجاج..!!
تخرم قلبه الذكريات
وغرام ملتصق بشناشيل البصرة
وهنا نصغي إلى "غربة الروح"
في آهات السياب في مجموعته الشعرية "شناشيل ابنة الجلبي "
يا غربة الروح في دنيا من الحجر
والثلج والقار والفولاذ والضجر
وتمتزج هذه الآهات مع آهة أخرى مثل الجمر في قصيدة غريب على الخليج
واحسرتاه...فلن أعود إلى العراق !
وهل يعود
من كان تعوزه النقود ؟
وأنت تأكل إذ تجوع؟ وأنت تنفق ما يجود به الكرام على الطعام؟
لتبكين على العراق
فما لديك سوى الدموع !!
وينعطف قلب الفياض الشاعر في هذه المنطقة من الخطاب الشعري ليلهج بالسؤال ،وفي القلب لوعة وفي النفس حسرة
كما كل عراقي كتب بدمائه عن الوطن والغربة والحرمان
بغداد
أين رقة لياليك الألف؟
أتضنين بما فوقها مرهما لجروح؟
..............
لست غريبا على الخليج.....!!!
وهنا يتراءى الجرح مفتوحا ..عميقا..عمق تاريخ بغداد
بين الشاعرين الفياض والسياب
شمس جيكور للفياض ..الشاعر الذي يتقن فلسفة الجملة الشعرية
يصوغها بأسلوب شعري يتماهى مع مع ما يتطلبه الشعر الحديث من تلوينات في منعرجات النص ..
قصيدة متدثرة بثقافة موسوعية ..ثرية كثراء التربة التي أنتجتها..
كتبت بفكر عميق وقدرة فائقة على توظيف الرموز ..
قصيدة تحتوي شمس جيكور بكل أبعاده. .
لحظة ..بلحظة..
وتغتسل بأنشودة المطر ..
مطر ..مطر..مطر..
في كل قطرة من المطر
وكل دمعة من الجياع والعراة
وكل قطرة تراق من دم العبيد
فهي ابتسام في انتظار مبسم جديد
يا بن جيكور !!
استفق ...انهض من غفوتك ..
ثمة قادم يقرأ تفاصيلك بلا عرافة ولا قارئة فنجان ..
هذا ابن اوروك يخلخل أبواب القصيدة ..يهز عرشها.. ويعلمنا أن النفاذ إلى عمق تلك المفارقات وضبط إرهاصات التحولات الكبرى التي ستشهدها القصيدة العربية بات أمرا ضروريا
وهذا الفيض من الفياض قد فاض على الساحة الثقافية
فهل يكون الطوفان؟ ؟
ذاك الطوفان الذي يطهر ..ليبني من جديد ..
كما رسم السياب غارسيا لوكا
في قلبه تنور
النار فيه تطعم الجياع
والماء من جحيمه يفور
طوفانه يطهر الأرض من الشرور
ضبط الفياض على قبر السياب ملتاعا..حزينا..
يرتل آيات ناي أوجعه الأنين. .
واحزن منزل الأقنان حين يفتقد الضياء
تنازعت مع البقاء من غير شهود
في ليل يضيق
كما ضاق بروحك العراق
مطر ..
مطر..
أحببته
أحبك المطر ..
سلاما
حين شيعك وحده المطر !
هكذا تلتقي الأعلام ..وهكذا تتحد الدوال في سبيل خلق جديد ..
وهكذا تتناغم المدارس الأدبية عندما تلتحم الكلمة بالكلمة بعيدا عن الصراعات بكل ألوانها
وبعيدا عن النكران والجحود. .
ثمة شاعر أعطى من روحه للشعر والوطن دون مقابل ..
ثمة شاعر أضاف للأدب العربي وللشعر العربي خاصة
فكان منارة اقتدى بها الكثير ..
بل كان مدرسة لها روادها وأعلامها
وثمة شاعر آخر تتلمذ في تلك المدرسة واعترف بالجميل..
وقرر أن يواصل المشوار بكل ثبات ودراية ومعرفة ..
وأن يمشي على الجمر ..ويتوغل في الواقع بكل تفاصيله ..ليعري ذاك القبح الساكن في أعماقه بطريقة فيها من الجمالية الكثير ..
وإذا كان هيدقير يقول " أن نتفلسف هو أن نتساءل عما هو خارج النظام"
فإني أقول "أن نشعر ..أن نمارس فعل الشعر هو أن نكسر النظام في ذاته ..لإعادة تركيبه وتنظيمه ..وأن نجرب كل المسالك الممكنة التي تؤدي بنا إلى عالم اللاممكن ..
فالقصيدة لابد أن تتحرك فوق الأرض المتحركة..ولا تخشى السير فوق الدروب الملغمة..
ثمة عوالم تحت تلك المناطق الوعرة لم تكتشف بعد ..
والقصيدة كفيلة بهذا الإنجاز العظيم
أحييك الشاعر الفيلسوف عبد الجبار الفياض
وأنت تحمل على عاتقك كل ثقل التجربة الشعرية الجديدة بكل ملامحها
وتثبت أن الشعر حي لايموت
وأن الشعر شجرة شامخة جذعها ثابت و أغصانها تعانق السماء
القصيدة إمرأة جميلة...متمردة ..
تحب الماء وتعشق الضياء
هكذا تكون ..أو لا تكون
فسبحان الإله وقد براها
كأحسن ما يكون ..!!
___________في سفر الخروج/ لا سبيل إلى الإمساك بالمعنى في النص الشعري :
لا سبيل للحديث عن المعنى الواحد في النص الشعري عامة وفي النص الشعري الحديث بصفة خاصة
فثمة معان متخفية في عمق النص ووراء الظلال ..
والبحث عن "معنى" في النص الإبداعي يجب أن ينطلق من التنكير لا التعريف ..
فمتى عرفنا "المعنى " قيدنا النص الشعري وأوثقنا قيده ..
في حين أنه فرس جموح يأبى اللجام..
ويعشق الارتحال في بيداء لا تعرف الحد ..
هكذا الشعر ولد ليكون صوت هذا الوجود ..
وهكذا هم الشعراء خلقوا ليطاردوا الفكرة في المطلق. .
بلا جدران ولا أسوار ..
وهكذا القصيدة مخاض شديد لاتعرف متى يأتيك ..
ومتى ينتهي ..!!
والشاعر السومري عبد الجبار الفياض شاعر ينتمي إلى هذه الطبقة من الشعراء ..
يمتلك القدرات الكاملة التي تمكنه من الخوض في النص الشعري الحديث بكل اقتدار ..
يمسك بالآليات الجديدة بحكمة ..
فيصرف الانزياح والصور والتكثيف واللغة والدهشة والغرائبية
والمرجعيات التاريخية والأسطورية والدينية ..تصريفا دقيقا ..
ويحسن توظيف اللغة الشعرية بما يليق بالمقام الذي يتحرك فيه ..
ولغة الشعر منغلقة..عادة..بلا تضاريس..فهي أقرب ما تكون إلى اللغة الكيميائية منها إلى اللغة باعتبارها اللسان المتفق حوله للتواصل بين أفراد المجتمع الواحد ..
وهو ما أثبته في مشروعي النقدي حول القصيدة العمودية المعاصرة
إذ كانت اللغة الشعرية هاجسي الذي دفعني إلى البحث والغوص في أغوارها ..
والنموذج في ذلك مدونة الشاعر العراقي الكبير ضياء تريكو صكر
"فالشعر عنده هو اللغة وقد أضاف إليها من صميم وجدانه وهو توغل في ما وراء اللغة ..
واللغة الشعرية هي عالم منفرد بذاته يقوم على جملة من الخصائص التي تميز الشاعر عن الآخر
وقد انتهيت إلى أنه ثمة لغة وراء اللغة لا يراها إلا من يكتب بمداد من الروح ويسافر في رحم الحرف ويتوغل وراء الكلمات ..
حتى أن النص الشعري يصبح بمثابة الطبقات المرتبة بانتظام ضمن نسيج النص الشعري ..
فهي كحبات العقد الواحد اذا سحبت حبة تناثر ما بقي ..
وانحل العقد ..وفي ذلك نظام محكم ..يؤكد أن الشاعر نظام ماهر ..ومهندس متقن لصنعته الشعرية ..
إذ اللفظ يجاور اللفظ في تناغم عجيب ..تربطه علاقة تركيبية ودلالية بالسابق واللاحق من الملفوظ الشعري في كليته.. "
( Le discours poétique entre la sémiologie et la chimie de l'esprit / le poète Dhia Seger /Acte2/ALWATeD/par Bahri samia)
ويبقى الرهان على قصيدة النثر
يتطلب قدرا كبيرا من التكوين العلمي الدقيق وإجادة اللغة والقدرة على التوغل في الواقع لترصد كل التفاصيل بعيون ثاقبة إلى جانب كل ذلك يجب اكتساب عدة آليات كالانزياح والتكثيف والدهشة والغرائبية وصناعة الصور الشعرية بطرق جديدة وغير مألوفة والاعتماد على ايقاعها الداخلي إذ لم تعد تستند إلى الإيقاع الخليلي الذي يتأسس على مفهوم البيت الشعري والقافية والروي ووحدة البحر بل كل لحظة من لحظات القصيدة الجديدة وكل تقنية من تقنياتها تصبح عنصرا مشاركا في تشكيل الإيقاع الداخلي ..
والنص الشعري عند الفياض مبحث كبير يستند إلى مرجعيات مختلفة ويقوم على جملة من الأسس الموضوعية والعلمية ويرسم مستقبله بكل إتقان وموضوعية
لذلك نرى أن الفياض يحمل لواء التجربة الشعرية الجديدة بكل ملامحها وهو يعتبر مرجعية هامة في المدرسة الجديدة أخذ يؤسس للواقعية الجديدة في الشعر
تلك الواقعية التي تمتزج بالغرائبية
إذ نرصد الغرائبي/ الفانطاستيكي في الواقع المترهل بأسلوب شعري دقيق ولفظ مبهر وعذوبة تصوير
ويعتبر هذا المزج بين السريالي والواقعي في قصائد الفياض تجاوز لكل المدارس السابقة له في الشعر ..
والجدير بالذكر أنه ينهل منها ويتجاوزها في آن ..
وهنا يكمن الإبداع والابتكار الذي يحمل الاضافة والتجديد
فكل جديد ينشأ وجوبا،في رحم القديم ..
ضمن تلاقح ثقافي فكري بين المدارس الإبداعية الأدبية
وهنا نؤكد أن مدونة عبد الجبار الفياض تفتح بابا بل أبوابا عديدة لمباحث نقدية تطبيقية أكاديمية يمكن أن تكون المنهل الثري للنقاد الأكاديميين
ومن أهم هذه المباحث
مبحث في النص الشعري عند الفياض: المرجعيات والآليات وأفق التوقع
وهو _لعمري_ مبحث غزير يمكن أن يثري المدونة النقدية العربية في قادم الأيام
لكنه يشترط أن يكون الباحث ناقدا أكاديميا ثريا معرفيا يعرف جيدا المدونة النقدية العربية ومنفتحا على المدارس الغربية بمختلف توجهاتها ..
وأدعو من هذا المقام النقاد الأكاديميين العرب إلى ضرورة الخروج من أسوار الجامعة وجدران المكاتب لانصاف هذه التجارب الشعرية الكبيرة بفرعيها الكلاسيكي والمحدث التي تقدمها المدرسة العراقية خاصة
هذه المدرسة الضخمة التي تعد المنجم الثقافي المدجج بالإبداع من القريض إلى النص الشعري الحديث. .
وهذا ليس بالغريب. .فالشعر أصله عراقي،قد شرب من النهرين حتى الثمالة ..وتغذى من الرطب الندي ...!!
تحية تقدير تليق بهذا المبدع الشاعر السومري عبد الجبار الفياض
وتحية شامخة للعراق الأبي
القلب النابض للأمة العربية
وتحية تقدير لكل من حمل القلم بصدق ..فكان قلمه في حدة السيف في ساحات الوغى ..!!
شكرا الشاعر الكبير عبد الجبار الفياض على هذا النص الفخم
هكذا يكرم الكبار الكبار! !
على ضفاف القصيدة:_____
تحية إلى رائد القصيدة الحديثة بدر شاكر السياب رحمه الله وأسكنه فراديس جنانه ورزق الشعر الحديث جميل الصبر والسلوان
وهو يتلوى من الأصوات الدخيلة
وقد أصبح مرتعا .. لكل من هب ودب ..
في زمن فوضى الكلام
قمر وبدر :
بالأمس حين مررت بالقصيدة
سمعتك يا بدر
وكنت دورة اسطوانة
دورة ممتدة رنانة
رأيت فيك وجوه الكادحين المعدمين
وسمعتك تنادي
أيتها الوردة البرية
أتقرئين ؟
أنشودة المطر الحزين
المعبد الغريق
الأسلحة والأطفال تشاهدين
وحفار القبور المتعب من الجثث
تهفو نفسي إلى الشناشيل
الشمس أجمل في قصائدك
والظلام ..!!
حتى الظلام في عينيك أجمل
فهو يحتضن الأنين
الناقدة والأستاذة الباحثة سامية البحري
. . . . .
شمسُ جيكور
جيكور
لدجلةَ غنّوا . . .
للنّيلِ رتّلوا . . .
لبردى صافحوا . . .
لكَ
جمعوا خضيلَ الشّعرِ باقةَ حُبّ . . .
أيُّها الصغيرُ بينَ الكبار
ولدتَ بحراً
فسقيتَ فرسانَ ضادِكَ حتى في أيام ٍ
ظمئَ فيها شطُّ العرب . . .
لبستَ ما يلبسون
غنمتَ ما غنِموا
وزدتَّ كيلَ بعير !
. . . . .
غُرفةُ الأنشودةِ الماطرة
كيفَ أباحوا لأنفسِهم أنْ يدخلوها دونَ سجدةِ شِعر ؟
جدرانُها مُشبعةٌ بأنفاسِ قصائدَ
توحّمتْ برطبٍ برحيّ
توتٍ أسودَ . . .
أثداءِ دالياتِ الكَرْم . . .
كانَ لا يدخلُها إلاّ رائحةُ الطّلع . . .
عصفوران يتسافدان . . .
فجرٌ مُتسلّلٌ من قبضةِ ليلٍ مخمور . . .
يتنفسُهُ قصيدةً
همَّ بها موْجٌ مُتصابٍ
ما كانتْ بغيّاً
لكنَّها ذهبتْ معهُ إلى الضّفةِ الأخرى . . .
عندما تَعشق القصيدةُ
تتعرّى . . .
. . . . .
جيكورُ
مرآةُ صباحِه
تقرأُهُ وجهاً مُنبعجاً بألآمِ الطّين
بأوجاعِ نازحٍ
تخرُمُ قلبَهُ الذّكريات . . .
انشطار
بينَ حبٍّ ضائعٍ في بغداد
وغرامٍ مُلتصقٍ بشناشيلِ البصرة . . .
يا ويحَ
مَنْ رفّتْ لهُ شعورُ غوانيه
ما حملتْهُ عطورُ نهودِهنَّ إلى الصّين . . .
أحرقَ زيتَهُ القَرويَّ ثوبٌ قشيب . . .
ما شاءَ أنْ يرى حولَهُ مشقوقَ لوز
نافرَ تفاح
فنناً
أسكرتْهُ ريحُ صِباه . . .
رُجَّ ما كان محبوساً تحتَ خجلِهِ الجنوبيّ
لينتهي كُلُّ شيءٍ إلى لاشيء . . .
لسنَ كصويحباتِ ابنِ أبي ربيعة
يطوقنْهُ قمراً لا يخفى . . .
بغدادُ
أينَ رقةُ لياليكِ الألف ؟
أتضنين بما فوقَها مَرهماً لجروح ؟
. . . . .
إيهٍ
أيُّها العاشقُ ظلَّ نخيلِه . . .
المسافرُ برائحةِ السّعفِ المبتلِّ بحباتِ المطر . . .
لا لعينِكَ أن ْ يُغادرَها دمعُ الرّحيل . . .
تسكبُ حُزنَكَ شعراً
في أعماقِ طقوسٍ ممنوعة . . .
ما كنتَ تعلمُ أن َّ مركبَكَ الذي أبحرَ بلا أشرعة
يعودُ من دونِ ربّانهِ إلى مرفأِ المعقل *. . .
يختصرُ آلامَ الزّمنِ الخائب قافيةً
تيبّست على شفاهٍ
صبغتْها سكرةُ موتٍ في منازلةِ سيفٍ وقصَبة . . .
. . . . .
فيكَ
تناهتْ خيبةُ عشبةٍ بابليّة
حتى طرقتَ بابَ أيوبَ النّبيّ . . .
هممْتَ أنْ تذهبَ للغفاريّ في عزلتِه
مُثقلاً بهمومِ وَطَنٍ
أحببتَهُ فضاءً
لا يحدُّهُ خيالُ افلاطون في مدينتِهِ الفاضلة . . .
لكنّهُ
أسفَاً
لم يمنُنْ عليكَ بقليلٍ من فيضِ رافديْه . . .
كنتَ صبوراً حينَ تَلَّكَ للذّبح
وما فَدّاك . . .
يا لعيونِ السّماءِ ترى
الأبناءَ يعقُّهم آباءٌ طيبون !
. . . . .
لستَ غريباً على الخليج
لكنْ
في نشيجِكَ تأوهاتِ وطن
تُمزّقُهُ رغائبُ ملوكٍ إذٌ يدخلونَ قرية توسّدت أحلامَاً بعينِ عاشق . . .
مَنْ لأنفاسِكَ المتقطّعةِ أنْ تَهَبَ لترابِ أُمِّكَِ سجدتَك الأخيرة ؟
الموتُ بعيداً دَيْنٌ لا يُوفّى . . .
حروفُ الرّثاء
لا تسدُّ ثقوبَ رِئةٍ عاشقة . . .
إنَّها طقوسٌ
تجمعُ غباراً بعدَ عاصفة . . .
وجهاً عن كذبِ أخوةِ البئرِ تشيح
ذلكَ حقّ
لولا أنَّ نزراً منهُ كانَ خفقةَ حبّ
لتغيّرَ مسارَ الألمِ الرّاقدِ على وسادةِ الشّفقةِ في مَشفياتِ الغُربة . . .
لكنَّ فحماًَ لا يرسمُ حمامةً بيضاء !
. . . . .
أوّاه
أبا غيْلان
اقتربَ ألم ُ برومثيوس من ذروتِه في روحِكَ المُتعبة
لم يسمعْكَ إلاّ الخليجُ صدىً
يبحثُ عن أُذن . . .
تنزعُ حزنَكَ الداكنَ على ساحلِهِ مرثيّةً
تُبكيكَ
ما بقيَ بيتُكَ الكبيرُُ يغرقُ في ظلام
أمسيتَ نسياً منسيّا
بجوارِ ابنِ سيرين الذي غمّهُ حلمُكَ المقبورُ معك . . .
. . . . .
انحدرتْ من رُبى جيكور شمس
تشربُ غروبَها الأخير . . .
أيُّها الرّاحلُ عبرَ صبرِ الأنبياء
أكذا ؟
في لحظةٍ
يتكوّرُ فيها العراقُ زفرةً
بعدَ شهقةِ احتضار . . .
هلآّ توانيتْ
فلَكَ شناشيلُ
قصائدُ
أمانٍ تحتَ شُرفةِ المطر . . .
أراكَ تُوصيها ليدٍ بحرقةِ قلبِ أُمِّ موسى تحتضنُ العراق !
. . . . .
وا حُزنَ منزلِ الأقنانِ حينَ يفتقدُ الضّياء
تنازعتَ مع البَقاء من غير شهود
في ليلٍ يَضيق
كما ضاقَ بروحِكَ العراق . . .
مطر . . .
مطر . . .
أحببتُهُ
أحبّكَ المطر . . .
سلاماً
حينَ شيّعَكَ وحدَهُ المطر !
عبد الجبار الفياض
كانون اول/ 2018
*إحدى مدن البصرة وميناؤها الأول.
___________

الخميس، 24 ديسمبر 2020

قراءة في / (عيناك ِ غابتا نخيلِ)/ الناقد: أ. سليمان جمعة- لبنان***



 قراءة في

"عيناك غابتا نخيل ساعة السحر
او شرفتان راح ينأى عنهما القمر '"
بدر شاكر السياب
.................
او شرفتان
راح ينأى عنهما القمر
الوقت ليل والقمر الضوء الفضي الناعس كلما ابتعد اغبر واسمر حتى العتمة الخفيفة حين غياب ..
ال شرفة من البيت كالعين في الوجه ..بيت يرى بشرفته خارج جدرانه وكذلك العين في الجسد /الوجه.
فكيف كانت أو التي دمجت الصورتان ..اي ككفتي معادلة هذه مثل
غابتا نخيل وقت السحر
رمادي يختلط فيهما الخضرة الداكنة وشيء من غبش الضوء .
.ولكن ليس الامر هنا
فعينا حبيبته
زماني يمتد من الليل الى اول الفجر /السحر ..
ليس في نهار
فالرؤية يسكنان ليلا..
فمن يحب غابة لا تبوح بما فيها لضبابية الرؤية
ولكثافة الشجر وتشابكه .
مما يبشر بذهاب القمر نأيا اي حتى الامل يهرب حين يأمل رؤية..
حبيبته تنأى وتغيب في غابة فكيف يراها ..
وتماهيها بالنخيل كرمز للوطن اي مكان اللقاء ..فكما يهوى وطنه كذلك يحب فتاته ..ولكن لا وضوح في الرؤية ..اي لا وصال بين قلبه المحب ومن يحب الحاجز ضباب وكثافة غموض.
مما يقول لنا
ان قلبه الذي يحلم بالسهر تحت ضوء القمر ..لانه وحد بين عينيه والمكان ..هذا السهر لن يكون لان القمر راح ينأى .. ..والمكان مزدوج بين شرفتين وغابتين فأين انت ؟
مما يخلق حيرة اين يلقاها ..هنا او هناك ..
محاولة لاستجلاء الصورة فهل تبوح بمجال الشاعر النفسي ؟
اي ننطلق من داخل اللغة
فتكون الصورة الحسية حسب المذهب التصويري
الذي اخذه عن ت.س.اليوت وباوند .. فبوح الصورة التي تعادل انفعاله اي ما افاده ايضا من المعادل الموضوعي الذي ارساه اليوت .
فوصف عيني حبيبته هي حاله مع حبه لوطنه كمكان وحبه لحبيبته ...اي حب من طرف واحد .. قبل الفجر وعند نأي القمر.
سليمان جمعة
Waleed Jassim Alzubaidy

ققج/ مطاردة/ القاصة: سعيدة سرسار****



 ققج:مطاردة

العيون التي كانت تستفزه وتلاحقه في كل مكان يفر إليه، اختفت، وقبل أن يلتقط أنفاسه، اكتشف أنها استقرت بداخله.

حلم طفولة/ الشاعرة: جميلة بلطي عطوي- تونس****



 .......حلم الطفولة ......

مذ قصقصوا أرجوحتي
ماعدت أهزج كالحمام
مذ داست الاقدام على براءتي
صرت حطاما
تبرأ مني الورد
سربلني الشوك
وصرت طينة اليتم اامبعثر
على الموائد
في ملاهي الظلم
بين اضراس اللئام
انا المشرد
انا المعذب
تهجرني الأماني
والحلم باع نومي
أرداني على ابواب مدن التسكع
سحقني ، حولني حطام
شبت يا دنيا قبل الاوان
وحتى الشيب ما أنصفني
قال انت من سلالة الحزن
لا تقف ببابي سائلا
إنسانيتك بيعت في المزاد
واشترو ا بها قردا للتلهي
يا كئيبا طردته الدنيا
بات جلدا وعظام
قلت: خسئت يا شيب الحيارى
سأظل رغم الضيم
رغم الظلم
في رحم الحياة بذرة
ستراني رغم انفك
رغم انف الظالمين
على اذني أعلق مشموم الياسمين
واغني
انا الصمود
من جديد سأعود
ساحررها طفولتي وأنادي
لن تميتوا البسمة على شفاهي
لأنني من طين سيزيف اظل
ويظل حلمي في تباه.
تونس .... 24/12/ 2020
بقلمي... جميلة بلطي عطوي.

لعلّ الله/ الشاعر: عباس الخزاعي- العراق***



 لعلّ اللهُ يُحدِثُ فيه أمرا

ويُبدلُ بالغنى ما كان فقرا
لعل الله يجزي كلّ قلبٍ
كواهُ الليلُ إشراقا وفجرا
لعل الله في كتب القضاء
سينشر للسعادة فيه سطرا
ليطوي صفحةزادت أسانا
ويفتح صفحة تزدان بشرا
ويمحو داء كورونا البغيض
ولايبقي لصوت الرعب عذرا
لعل الله يسحق كلّ طاغٍ
زنيمٍ عاثَ في الأرَضين كفرا
لعل الله يا عاماً تدانى
سيكتب فيك للمظلوم نصرا
وياعاماً تهادى للغياب
سيثبت فيك للمنكوب أجرا

قراءة في نص الأديبة زهرة خصخوصي/ قراءة : الشاعرة زينب الحسيني- لبنان***



 قراءة نقدية

بقلم زينب الحسيني.
النص : من العيون قفة...!
للأستاذة الأديبة زهرة خصخوصي.
النص:
كلّ الأدراج خاوية...
ترتطم يدها بالخشب البارد أنّى مدّتها، فتعود إليها موجوعة حانقة، ثمّ تعاودها الرّغبة في عناء البحث من جديد لتغرق في الفراغ...
تجمع أشلاء حيرتها وتنتصب واقفة.
"كم أجدني في قصر مداي قد استطلت !
كم أجدني في ضيق مداي قد اتّسعت !
فجأة أضحيت أتسمّر مكاني أخشى بالسّقف ارتطاما، أخشى بالجدار اصطداما، وتضيق حولي الدّائرة.
تضيق وتضيق وتضيق...
ولا ضلع في الدّائرة يسندني.
لا ضلع في الدّائرة..."
تمدّ يدها بحذر إلى يمينها، تتحسّس الفراغ، تحاول العبور إلى مكتبها المحشور في الزّاوية، آخر ملجإ لأسرارها الشّحيحة.
يئنّ الدّرج المنخور تحت قبضتها وهي تسحبه إليها، يُشرق وجهها بابتسامة ظفر، تسحب لفافة قطن، تتحسّسها كأنّها رضيع في قماطه، تفكّ عقدة صغيرة تلفّها، ثمّ تضمّ كفّها عليها كأنّها عصفور تخشى فراره.
ترفع كفّها واللّفافة القطنيّة، تقرّبها من وجهها، تتشمّها، فيغزو خدّيها توهّج فرح طفوليّ.
تضع في فمها حبة اللّبان المرّ وترتمي على أريكة باهتة الألوان، ألوان ما اغترفت منها نظراتها منذ الصّعقة والشّهقة وطوفان الشّتات...
حبّة اللّبان المرّ شهد يمحو لبرهة من الزّمن علقم الحياة الذي تكابده...
حبّة اللّبان المرّ حلوى الذّاكرة، فاكهة مجلس أمّها الحنون، تمائم العرس في كفّ الصّبايا، وباقة ورد في قفّة السّوق الأسبوعيّة...
وكم باتت حبّة اللّبان، في عتمة خطى يقين، مشاعل لمتاهات الحكاية... !
وكم صارت يقين تعشق كؤوس حبّات اللّبان !
طرقات خفيفة على باب الغرفة تنتزعها من تلك الأريكة البالية ومن متاهة الذّاكرة.
تتّبع صدى الطّرقات...
تسوس الطّرقات خطاها.
بصوت كالرّجيف تسأل:" من...؟"
صوت هامس رهيف يأتيها من خلف الباب:"يقين...؟"
يهتزّ قلبها لصدى الصّوت الهامس الرّهيف، تعضّ على شفتها، تشدّ قبضتها على فستانها، وتسند رأسها على الباب كالخدرة مردّدة:"من...؟ من أنت؟"
ويفترّ ثغرها بالضّياء، كأنّها ترى ابتسامته النّضّاحة عذوبة وهو يجيب:" أنا حلمي... زوجك أيقين، افتحي الباب."
تأسرها رعدة تجتاح كامل جسدها حتّى لكأنّها تسمع أسنانها تصطكّ.
"أوّاه...كم سنينا مضت تلتهم السّنين
وأنا أنتظر معجزة الإياب...
قالوا "مات"...
لم قالوا " قد مات"؟
لمَ ذريتني لقمة للشتات...؟
أنّى ذريتني وعانقت الغياب...؟
كم سنينا مضت...؟ كم ذريتني مضغة في فكّ السّنين... !"
تزداد حدّة الطّرقات، وحلمي خلف الباب ينادي:" أيقين افتحي الباب، أيقين..."
يزغرد المفتاح في أكرة الباب، وتفيض أنهار العناق.
ذات الرّائحة الحبيبة تؤوب إليها والصّوتَ الحبيب، والجسمُ النّحيل ذاته، كعهده، في العناق رحيب، وكثير من البكاء الغريب الغريب...
ويقين تمسي ذوبا في كفّ الوصال، ذوبا من حنين كم جمّدته بيض اللّيالي تعقلها مذ ذاك الخريف.
كان خريف...
والأخبار هلّلت لانتهاء القتال، الحرب لملمت أوزارها، تركت للرّياح أن تكنس أوراق الأزيز، أن تضمّد جراح الغيمات حتّى تعشق وجه الشّتاء...
وكانت الشّمس في خفر تقبّل ثغر الغروب
كانا معا، تحت جدار البيت يقصّان الخشب قطعا لمواقد الشّتاء
والشتاء مذ ذاك الخريف ما أتى...
كانا يقطعان الخشب المتيبّس، وفي رحم يقين قد شُدّ إلى المشيمة بذار فرح للرّبيع...
قال:" أسمّيه جمالا".
قالت:" أسمّيه ربيعا".
لكنّ قصفا جائرا شوّه ذاك الجمال، أجهض ذاك الرّبيع، وبسط رداءات الخريف على كلّ الخطى، واستيقظت يقين على جسد يخنقه البياض، على بصر يخنقه الظّلام، على خبر يقول:" زوجك ضمّه موكب الأموات..."
تتخلّل أصابع يقين شعر زوجها، تبتسم، تهمس:" الحمد لله أن ظللت حيّا سليما"
يتمتم:" ما أدراك أيقين؟
ألا ترين جزز الشّيب من هول أنياب الأسى ؟
الشّيب راية الألم، راية الوجع الدّفين...
وكم أثخنني مساء ذاك الخريف وجعا ! ثمّ ألا ترين سا..."
تلذعه سياط نشيجها، يبتعد عن حضنها قليلا، يمسح بكفّه دموعا حرّ وهو يهمس بصوت رجيف:" زال الخريف أيقين... ها قد عدت، ها نحن نجتمع من جديد...
مواجعُ الفقد تذبّها ساعة الوصال.
المواجعُ ريح يكسر أمواجَها دوامُ الحال من المحال، و لله الحمد أن ما دامت حال..."
يشتدّ النّشيج، يحتضنها حلمي من جديد، لكنّها تسحب نفسها منتفضة وهي تصيح:"أعماني ذاك المساء يا حلمي... إنّي عميت."
يتأمّل الزّوج عينين لا تريانه، يشرق فؤاده بالنّحيب، يعقل سيّاف الفرح لسانه.
"الوجع سيّاف الفرح يا عبارتي الهائمة...
الوجع، واحرّ قلباه، سيّاف الأوينات الحالمة..."
تكنس العينان المعتمتان ابتسامته وإشراقات النّظرة المشتاقة.
يتفحّص زوجته الضّريرة فلا يرى غير الأسى.
مشارط الآه تنقضّ على الفؤادين العليلين بلا رحمة.
يضمّ حلمي زوجته إليه ويمدّ رجله إلى الوراء ليغلق الباب. فجأة تدوّي قرقعة: تاك، تاك: تكككك"
تصرخ يقين:" ما هذا...؟"
يردّد حلمي:" لا تجزعي ، هي عصاي أتّخذها ساقا وبها أغالب الوهن..."
تشهق يقين فزعا ممّا سلبتها السّنين...
جزعا ممّا يحجبه عنها العمى، تشهق يقين...
تهمس:" لأراه... ربّاه، قفّةَ عيون"*
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــزهرة خصخوصي/ تونس
(*)إحالة على مثل تونسي ترجمته إلى الفصحى هي:" والأعمى يتمنّى قفّة عيون"
تمهيد .
اسهم الادب عبر العصور بدور كبير في كثير من التحولات التاريخية، وادى بما أبدعته اقلام كتاب عظماء إلى خلق حركات تغيير جذري في المجتمعات ، لم تكن تخطر على بال .
وعند قراءتنا اعمال تشيخوف الاديب الروسي الكبير ،والملقب ب"ملك القصة القصيرة" التي يحد البعض فيها "شيئا من الظلامية الواقعية وتصوير الملل وشظف العيش وعندما نتساءل عن جدواها،يجيبنا تشيخوف "لقد أردت أن أقول للناس بصدق وصراحة: انظروا
إلى انفسكم،كيف تحيون حياة سيئة ومملة،وعندما يفهمون،سيشيدون حتما حياة اخرى أفضل.."
وكأنه يصرخ :
حياتكم هذه ليست حياة لذا غيروها وتشبثوا بقوة، ببقايا حياتكم لتنقذوها"
وهكذا لعب الادب الروسي،
ادوارا هامة واعية في عصر القيصرية، ولدت عند الناس المضطهدين وعيا بضرورة التغيير ونبذ الظلم والاستعباد.
الأدب الحي إذن هو الذي ينبثق من المجتمع وهمومه وتوقه للتغيير والحرية ،والأدباء هم رسل المجتمع يهدون البشربما يمتلكون من قدرات ومواهب ويكون دورهم تحريضيا كاشفا للزيف، دون ان يخرج عن إطار ومقومات العمل الفني.
لأن الأدب هو ألصق الفنون بالحياة الإنسانية.
ولا يمكن للأديب أن يقف موقف المتفرج من كل ما يحدث أمامه، فكما يقول الفيلسوف الالماني نيتشة:
"من لم يكن يحيا لكشف الحقيقة كاملة، لن يكون ذلك كاتبا و إنما هو أفاك مزور لا قدر له ولا مقام"
بين أيدينا نص قصة قصيرة تثير فضولنا منذ العتبة الاولى، لأديبة متميزة عرف عنها شغفها بالهم الإنساني ،
لها اعمال إبداعية في القصة القصيرة و حضور مشرق كناقدة وشاعرة مبدعة .
فعندما أقدم قراءة نقدية لنصها هذا أحس بشيء من الإحراج، وسأجهد ان اخرج بقراءة موضوعية اتمنى أن تليق بنصها البديع.
- الحبكة وتسلسل الحدث الدرامي:
.
العتبة: "من العيون قفة" مثل شعبي تونسي, يوحي بطلب عزيزٍ عادة يتمناه الضرير للتعويض عن بصره المفقود بفيضٍ من العيون تأتيه في " قفَّة"
وهوأيضاَ, معنى مجازي يضم تحت عباءته كل ما يمكن أن يبلسم للمرء جراحه أو يعوِّضه خسارة, كي يستعيد استقامة حياته.
عنوان يستفزنا ويثير فضولنا لنعرف سبب هذا التمني.
في العنوان, تتقدم "العيون"
على المبتدأ " قفة" لصب اهتمام المتلقي على أهمية العيون, التي هي نافذتنا على العالم الخارجي والتي من خلالها
نرى ونؤوِّل المحسوسات لنخزِّنها رموزاً ودلالات في الذاكرة.
بدءاً من عتبة الاستهلال, التوصيف تفصيلي مؤثر, غني بإيحاءاتٍ ذات دوالٍّ توحي بحالة البطلة النفسية فهي:
( موجعة, حانقة, تتحسس الفراغ, تتلمس الأشياء بيديها..) وتخاف من الارتطام بالحائط, أول ما يمكن تكهنه, هو أن البطلة
ضريرة.. ونحس كأننا في قلب الحدث أو أن الكاتبة تنقله لنا عبر عدسة الكاميرا, وتلاحق البطلة شبراً شبراً.
نتابع المتن, فيستمر الحدث بالتقدم, وسرعان ما تقوى البطلة " فتجمع أشلاء حيرتها, وتنتصب واقفة"
وتناجي نفسها بمولوج داخلي مؤثر, يرفع معنوياتها المنهارة وتشكو قسوة وحدتها ولا سند يؤازرها .
طرقات الباب السريعة, وصوت الزوج "حلمي" , يشعرها بالخدر, فتتأزم حالتها,ويرتعد جسمها,
عندها تعود بنا الكاتبة ب"فلاش باك " إلى سنين غابرة , إلى زمن"ذاك الخريف"
الأسود الذي شكل نقطة انعطافٍ في حياة البطلة "يقين" , يوم اندلع القصف العشوائي , وفقدت جنيناً كان حلماً ربيعياً
تعيش على أمل انتظاره وزوجها الذي كان يشبعها حباً وحناناً .
من هنا تؤرَّخ المأساة , في تلك الليلة الشؤم, حيث يختفي زوجها ويقال " مات", لتبدأ حياتُها بالتعثر وتسودُّ الدنيا من حولها,
"فتصبح لقمة للشتات.. ومضغة في فك السنين.."
تشتد حدة الطرقات على الباب, ويزداد تأزم الحدث, وسرعان ما تنفرج العقدة, حين " يزغرد المفتاح في أكرة الباب"
و "تفيض أنهار العناق"فنشعر بشيء من الراحة,لكن الكاتبة ببراعةٍ, تباغتنا, ويصدق حدسنا الذي تكهنَّاه من خلال التوصيف
الدقيق الواقعي, بأن" يقين " ضريرة, فنشعر كأننا نشاهد فيلماً مثيراً أوكابوساً نتمنى منه خلاصاً, إذ تصيح يقين صارخةً:
"أعماني ذاك المساءياحلمي.. إني عميت.." وتستجدي من الله" قفة من عيون" علها ترى وجه زوجها الحبيب.
وهكذا تأتي القفلة مثخنة بالوجع, على عمرٍ ضاع في العذاب والانتظار والغياب...
وما أصعب أن تنتهي القصة بنشيج حلمي المتواصل , حين تكتشف يقين أن أحب الناس إلى قلبها,
يستعين بالعصا بدلاً عن ساقه المبتورة.
الشخصيات:
عرَّفتنا الساردة العليمة بالسرد، من خلال تصويرها الواقعي الدقيق لمشهدية الحدث, على الشخصية الرئيسية في القصة,
شحصية "يقين" ومأساتها الدرامية بفقد جنينها وزوجها و بصرها دفعة واحدة و بشكل مفاجىء.
الشخصية الثانية الرئيسية, هي شخصية "حلمي" زوج يقين, الحاضر / الغائب في النص عبر مونولوجات يقين , وكآبتها
وبقائها وحيدة بلا معين.. حلمي الذي حضر فجأة في القفلة المباغتة, ليزيد المشهد الدرامي مأساوية وتأثيراً.
المكان:هو الغرفة التي تعيش فيها يقين وحيدة .
الزمان: نجحت الكاتبة , أن تتلاعب بالأزمنة ما بين حاضرٍ وماضٍ وعودة إلى الحاضر بلعبة"فلاش باك"
ببراعة وتمكن, مما يدل على خبرة في البناء السردي القصصي وتمكن.
_خصائص اللغة السردية في النص : نحن أمام نص إبداعي حديث, وظفت الكاتبة فيه البلاغة ومحسناتها البديعية
واستعاراتها لتبني نصاً "شعري السرد" فهي التي تقول في نصٍّ لها
" تظل الاستعارة المتجذرة في الموروث اللغوي العربي،
أسَّاً رئيسياً في القول الإبداعي الحديث, يتجاوز حدود الصورة الشعرية إلى المشهدية السردية..
كما أن الاستعارة هي رافد عظيمٌ برحابته الدلالية. "
اللغة السردية في النص ثرية بالاستعارات والتشابيه التي لا حصر لها، فعلى سبيل المثال :
( تتحسسها كأنها رضيع في قماطه, حبات اللبان مشاعل لمتاهات الحكاية)
( تفيض أنهار العشق)
( يئنُّ الدرج المنخور،
يزغرد المفتاح) (انسنة)
النص ثري بالثنائيات الضدية (وكم أجدني في قصر مداي قد استطلت, وفي ضيق مداي قد اتسعت)
هناك تكرارفي أكثر من مقطع في النص, مثلاً " تضيق حولي الدائرة, تضيق وتضيق وتضيق..) تكرار فعل
" تضيق" ذو دلالة وإيحاءات حقيقية على مدى الضيق الذي تعانيه يقين, والذي وصل حد الاختناق,
بسبب كل ما تعانيه من فقدانها للبصر وحزنها العميق على فقدان زوجها وجنينها في آن معاً , وأيضاً لكونها
تعيش مُرَّ الحياة وحيدة بلا سندٍ ولا معين..
في النص نقط فراغية كثيرة, هي أشبه " بفواصل نصِّية مضيئة, تسهم في إضاءة الحدث وإبراز دراميته,
وكأن المد النقطي جاء عنصراً فاعلاً في تحريك المشهد من الداخل, ليدلل على الصراع الداخلي وعمق المأساة,
فيشرك الكاتبَ المبدعَ للنص والمتلقي معاً في تأسيس جماليات النص, مما يفسح للمتلقي مجالاً للتأويل، على اعتبار أن الصمت/ الفراغ, هو كلامٌ من نوع آخر يترك للمتلقي, فرصة تشكيل نصٍّ موازٍ للنص الأصلي" ( عصام شرتح)
وأهم ما في النص , ما يختزنه بين السطور والكلمات من تعابير شفيفة مشحونة بأحاسيسَ إنسانية, تجعلنا نعيش الجو المأساوي الذي تعيشه البطلة "يقين" وزوجها العائد من القصف والتشرد, وهو يتعكز على عصا أحزانه وخيباته بسندٍ مبتور الأحلام .
أخيرا أتمنى ان أكون قد وفيت بقراءتي هذه هذا النص الإبداعي الحداثي ببعض ما يختزنه من جماليات فتية بنيوية،بالإضافة لرسالة ارادت الأديبة المتميزة إرسالها ،
وهي بؤرة النص، وارادت منها ان تكون صوتا إنسانيا مدويا في وجه الحروب والتشرد والظلم الذي يهدم
مستقبل الإنسان ويشوه معالم الإنسانية ومبادىء السلام والتآخي بين بني البشر.
خالص الشكر والتقدير للأديبة المبدعة والناقدة الكبيرة الأستاذة زهرة خصخوصي على ما نصها البديع الذي أمتعتنا بقراءات متنوعة له في امسيتنا النقدية هذه .

جدليةُ الجاحظ/ الشاعر: محمد علي الشعار***



 جَدليَّةُ الجاحظ

سقطتْ رفوفُ الكُتْبِ فوقَ رُواتِها
وبكى على حِبْرِ المِدادِ الجاحِظُ
لم يُبدِ ذا مُتحفِّظاً ... بُخلاؤُهُ
هُمْ وحدَهم إثرَ التغيُّبِ لاحظوا
خرجت من الوَرَقِ الجميلِ تزورُه
ويفوحُ منها للمودةِ حافِظُ
سنعيشُ بعدَك سيدي طولَ الزما
نِ ويزدهي في كلِّ حرْفٍ لافِظُ
صكَّتْ لواعجُنا الظلامَ أَهلَّةً
والنجمُ من بدرِ الأحِبَّةِ غائِظ
حملوا إليهِ هديةً ذهبيةً
فالبخلُ ذنبٌ والتكرُّمُ واعِظ
نزفتْ مَدامِعُ روحِه وتجمَّدتْ
والحرفُ في جوفِ القوافي قائِظُ
صرخَ اليراعُ من الأسى حتى اقشعرَّ ...
بسَطْرِه . فَقْدُ الأحِبَّةِ باهِظُ .
محمد علي الشعار
٢٢-١٢-٢٠٢٠

منْ للعراق/ الشاعر: إدريس الرقيبي- المغرب*****



 مَنْ للعراق بعدك يا عراق..

أوَ ما تزال تنتظر الرياح
تَقرعُ بابَك في الليلِ العميقْ..
أَوَ ماتزال تحلُم بالعراقْ
شوقاً وجوعاً كالغريقْ
يهفُو للهواءْ..
أنتَ الذي تزدادُ جِذْوةُ حُبِّكَ للسفارِ
كُلمَا شَمَّر سندبادُ للرحيل بُكُورَهُ
ويخْبُو فيك وهجُ الرجوعِ
كلما حلَّ المساء. .
مَنْ للصغار بعدك حين يزدجر المساء
والأُمُّ عند الشاطئ الممتد من العراق إلى العراقِ
تنتظرُ انبلاجَ فجركَ كي تعودْ
ستون عاما
والريح تعوي تنذر بالهَباءْ
والأرضُ كالافقِ العريض غَيَّبَهُ السرابْ
وهذي السفائن لا تلوحْ..
في ليلك الشَّتَوي
يمتدُّ طَلُّ القرى البعيدة
يخترق المفاوز والوهاد
وصدى الغزاة يجلجل في الدروب
لو تدري يا سيابُ
ما حلَّ بعدك بالعراق،
والفرح الخفي غيبه الضباب
ونحن ما لدينا سوى الدموع
وسوى انتظارنا دون جدوى للرياح للقلوع.
إدريس الرقيبي/المغرب

أريد أن أحضن كلماتي/ الشاعرة : زكية العوامي***



 أريد أن أحضن كلماتي

أرويها من دقات قلبي
حتى أخرج منها كل مشاعري
فبدونها أعيش يتيمة
أنسج من شعري حضارة
أجوب البحر وإخضرار المروج
حتى أسبح في هدير من الكلمات
أمسك فراشاتي الطائرة البهيه
أريد أن أسير في مسار البحور
وأكتب شعر للمحبين
تكون لغتي منار للعابرين
أريد أنثر أوراقي وأقلامي على طاولة العمر
أصنع الى نفسي قهوة تشاطرني ذائقة الكلم
أنسى معها تقاويم الأشهر والأيام
أسمع صهيل الفرس تشاطرني جمال المعنى
أدوّن مع زرقة البحر كتابة الشعر
حب قيس و ليلى عنترة وعبله جولييت وروميو
على لوح غارق بالقصائد
ليجوب عالم الحب
تستلهم كتابات كتبت من حبر المقل
ينتشر أريجها بين السموات والأرض
ليبقى نقاء شعري بين أنامل رسائل المحبين
أسطورة يتغنى بها كل من مر عليها
ترفرف الحمائم مستبشرة بسلام الحب وجماله
أريد أن أُغير شرائع العالم الردي
فيكون شعري للقلوب الحانيه لحن منفرد لا يحيد
أصنع لغة حب الى كل لغات العالم
يسبح في كوكبنا الفوضوي
حتى تتحرر النفوس من حب الأنا
وتتبخر تلك السحب السوداء الطاغيه
يكون أجمل ما كتبت في الحب النقي
فيرسي بظلاله على شراع القلوب المحبه مطمئنه
زكية العوامي