انتفاضة تشرين في مرآة الشعر العراقي الحديث
قراءة في المنجز الشعري المطبوع في
ديوان (مرايا وطن) اختيارًا
د. وسام حسين جاسم العبيدي
كلية الإمام الكاظم (ع) للعلوم الإسلامية الجامعة
ملخص البحث
بدءًا نقرّ بحقيقة لا
يمكن التغاضي عنها، وهي أنّ النصّ لا يمكن له أنْ يكون نصًا بمعزل عن القارئ،
فالقارئ يمثّل ركنًا أساسيًا في استكناه النص والوقوف على أبعاده الجمالية التي
تميّزه عمّا سواه، وهنا يتبدّى لنا بوضوح الأثر الذي يتركه القارئ في النص من خلال
العُدّة المعرفية التي يشتغل عليها لأجل تلك المهمّة المسمّاة بـ(القراءة) وليست
القراءة غير فعل إنتاج دلالي للنص. عبر هذا المنطلق سنحاول ترسّم أبعاد المنطقة
الجمالية لنصوص مجموعة (مرايا وطن) من خلال قراءة تستجلي أبعاد ذلك المنجز بمجمله
في إدراج ملاحظات نقدية تقف في منطقة الوسط منه، فتقرأ ما يحسَب لذلك المنجز
المطبوع وما يحسب عليه، ولم تفرّط هذه القراءة بما دخل مُسهِمًا في إنتاج دلالة
هذه المجموعة من حيث العتبات النصّية وغيرها، فكان للرسومات التي تزيّنت غلاف
المجموعة والتي رافقت توزيع نصوص المجموعة، نصيبٌ من تلك القراءة الفاحصة، بما
يمكن أنْ نخرج به دالاًّ على إنتاج المعنى الكلي للمجموعة، كل تلك الأنشطة
القرائية مورست على هذه المجموعة؛ لأجل الخروج بما له قيمة تصبُ في الموضوع والظرف
الذي أولد من رحمه هذا المنجز، وهو الظرف التشريني، ذلك الحدث السياسيّ الفارق من
بين الأحداث التي مرّت بتاريخ العراق بعد سقوط النظام الشمولي في 2003م ومؤسسا
لوعي أكثر عمقًا واستجابةً لتلك المتغيرات.
- البحث -
تشكّل
الثورات والانتفاضات مادة غنية للشعر منذ العصور السابقة وحتى عصرنا الحالي، ولعل
إشارة الجمحي الخاطفة في طبقاته إلى العلاقة بين قلة الشعر لقلّة الوقائع – أي
الأحداث- كانت السبب في التجاء بعض تلك القبائل إلى انتحال الشعر، بقوله:
"فأرادوا أَن يلْحقُوا بِمن لَهُ الوقائع والأشعار فَقَالُوا على أَلْسِنَة
شعرائهم"[1]،
تكفي دليلاً على كون الشعر ليس إلا خطابًا يُنتجه الظرف الذي يعيشه الشاعر بوصفه
المؤهّل أكثر ممّن يعيشون حوله من أبناء بيئته، بما لديه من إمكانات لغوية وحساسية
مفرطة لقراءة الأحداث واستشراف بداياتها وحتى نهاياتها، بما يُجعله يتعامل معها
بطريقته المعبّرة عن خصوصيته فضلاً عن أثر خلفيّته ومتبنّياته التي تتمظهر عبر ذلك
الخطاب الشعري المتعالي عن لغة الحقيقة..
أسوق تلك
المقدّمة لقراءة مجموعة شعرية مشتركة أصدرها اتحاد أدباء وكتّاب بابل بعنوان رئيس
هو (مرايا وطن) وعنوان ثانوي شارح له هو (نصوص وقصائد بابلية لانتفاضة تشرين) وقبل
الخوض في قراءة المحتوى الشعري لهذه المجموعة، ينبغي أنْ نؤشّر عدّة أمور تكشف من
خلالها أهمية قراءة هذه المجموعة دون غيرها:
- تعدّ هذه المجموعة الشعرية أولى وثيقة تاريخية شعرية
تبنّاها اتّحاد أدباء وكتاب بابل بطبعه لها، عبر دعوته شعراء محافظة بابل حصرًا؛
لبيان أثرهم في هذا المعترك التشريني الذي صبغ الحياة العراقية بصبغة الحراك
الإصلاحي لجميع محافظات الوسط والجنوب تحديدًا من محافظات العراق.
- تمثّل هذه المجموعة بمضمونها دعوةً لتحشيد الخطاب
الشعري وجعله منساقًا والأحدث السياسية المتسارعة التي تعصف بالمشهد العراقي
الراهن، بما يصبّ ونزعة الالتزام التي كثيرًا من أدعياء الحداثة وما بعدها، التي
تدعو إلى أنْ يكون الشعر معبّرًا عن قضايا تخدم المصلحة العامة، وليس صوت الشاعر
الملتزم إلا صوت الأمّة التي يعيش الشاعر -مثل غيره من أبناء جلدته- ما يقع عليها
من آلام وتحديات ومصائب، فمن هذه الناحية، أصاب الموقف الثقافي العراقي الراهن
بانتمائه إلى الوطن بوصفه الحاضنة الأساس لإنتاج خطابه التنويري، ومرتكزًا يؤكّد
هويته الوطنية.
- لا نُنكر ما لمنصّات التواصل الاجتماعي – على
اختلافها- من أثرٍ في تحشيد الرأي العام المناهض للأداء الحكومي البائس في كل
مرافق الدولة، لكن أنْ يتصدّى اتحاد أدباء وكتاب بابل لتدشين الجانب الورقي بإصدار
مجموعة شعرية مشتركة تحفل بالأصوات الشعرية الشابة فضلاً عن الأصوات التي لها
تجربة امتدت لأكثر من خمسة عقود وجمعهم في بودقة واحدة تمثّلت عبر هذه المجموعة
الورقية، فهذا يمثّل التحام المشهد الثقافي العراقي في القضايا المصيرية التي لا
تستثني أحدًا من تبعاتها.. كذلك ما للنشر الورقي من خصوصية الحفظ والإيداع التي تعمل
على تثبيت المواقف للمشاركين في هذا العمل، فرقم الإيداع لدى دار الكتب والوثائق
مثبّت في الكتاب، بما يزيد هذا العمل رصانةً في الموقف المعارض لخطاب السلطة غير
العابئ بمطالب المتظاهرين، بخلاف المواقف المرتجلة عبر مواقع التواصل الاجتماعي
التي بإمكان أصحابها أنْ يحذفوها أو يقوموا بتعديلٍ عليها بتغيّر الظروف
والأحوال.. فهنا كانت الدلالة الورقية معبّرة عن ثبات الموقف للتاريخ وللأجيال
التي ستطّلع على هذا النتاج الشعري.
وإذا تمّ
لي بيان أهمية الموجّهات الخارجية الحافّة بهذه المجموعة وقراءتها ثقافيًا، أرى
الآن أنْ أقرأ دلالة العنوان الرئيس لهذه المجموعة، بوصفه كاشفًا عن مخبوء
الدلالات الفرعية التي توزعتها نصوص المجموعة بالكامل، فكلّ نصٍّ من تلك النصوص –
بحسب الفرض- لا تخرج عن كونها مرآة انعكست من خلالها صورة الوطن التي بثّها كل
مشتركٍ في تلك المجموعة. وليس لأحدٍ أنْ يدّعي تغريده خارج السرب، فالهمُّ الوطني
جمع كلّ أولئك المشتركين، ودفعهم أنْ يصدحوا للوطن فيما يمرُّ به من أحداثٍ جسام
أودت أنْ يصل الحال المأساويُّ فيه إلى انهيار شبه كامل لمؤسساته الخدمية وغيرها
بما سيؤدّي إلى ضياع فكرة الوطن والوطنية بوصفها المكوّن الأساس لهوية الإنسان في
هذا الحيّز الجغرافي من العالم.. فنصوصهم كانت بلا شكّ معبّرةً عن الوطن، ويؤكّد
اندكاك كل تلك الأصوات في بودقة الوطن. فهي بمجموعها مرآة كبيرة ضخمة تنعكس على
سطحها أحاسيس كل من استشعروا قيمة الوطن وأرادوا أنْ تبقى له السيادة ليعيش أبناؤه
كرامًا أعزّة يسترخصون لأجله كل غالٍ ونفيس.. ويصوّرون تلك المشاهد الصادقة لأبناء
وطنهم في مظاهراتهم الاحتجاجية السلمية التي التقطتها باصرتهم الشعرية؛ لتكون
نهجًا يُحتذى لآخرين لم يلحقوا بهم، فليس غير تلك المظاهرات ما يمكّن أنْ نجد فيه
تمثيلاً صادقًا لتغيير الواقع المتردّي من كل النواحي، فضلاً عمّا يعنيه تكثيف
اهتمام أولئك الشعراء بصورة الاحتجاجات السلمية، من دلالة لتحضّر الوعي المناهض
للسلطة، واستجابته لمتغيّرات العصر الثقافية. ويمكن أنْ نجد مخرجًا دلاليًا لتعدد
تلك المرايا ونسبتها إلى وطنٍ واحد بحسب العنوان (مرايا وطن) بما تمثله من خصوصيات
فرعية توحي لاختلاف الأجناس الشعرية التي جمعتها المجموعة شكلاً، وتوحّدها
مضمونًا، يُضاف إلى ذلك، ما يمكن أنْ تجده من اختلاف زوايا التقاط المشاهد التي
رصدها كل مشاركٍ من تلك المجموعة، فمن مشاهد تعبّر عن تلاحم مختلف طبقات الشعب
العراقي لتعبر عن رفضها الفساد الحكومي، ومن مشاهد تعكس لنا مشاعر أولئك المشتركين
في هذه المجموعة، لتحكي لنا عن صميمية انتمائهم إلى الوطن، كلٌّ بحسب ثقافته
وقراءته للمشهد الراهن. فهي مرايا مختلفة في انعكاساتها على الرغم من توحّدها
مضمونًا.
أما تحليل
الصور التي رافقت هذه المجموعة، فتحليلها يأتي على نحوين:
الأول: صورة الغلاف: وهي لوحة رسمها الفنان د. عاصم
الأمير، وقد جسّدت إجمالاً الانتفاضة بعفويّتها من خلال تشتيت التخطيطات المعبرة
عن عجلات هنا وهناك، ولعل ثمة إشارة إلى تلك العجلات؛ لتعبر عن الحركة والاستمرار
الذي تُضفيه تلك الاحتجاجات لتنقل حال البلد من وضعٍ إلى آخر، ويظهر في أسفل
الصورة وسيلة النقل التي تسيّدت مشهد المظاهرات وهو (التكتك) الذي اختصر الطريق
لنقل جرحى المتظاهرين إلى المستشفى، أو لإيصال المتظاهرين لسوح التظاهر، بعد أنْ
عجزت غيره من وسائل النقل عن أداء دوره، وفي ذلك دلالة ثقافية عميقة، تتجسّد في
انتصار الثورة بالبسيط المتداول عند عامة الناس من وسائل نقل أو غيرها، وأنه
بالإمكان تحقيق ما عجزت عنه الحداثة التكنولوجية التي احتكرتها الطبقات المترفة من
الحاكمين وغيرهم الذين استفادوا على أنقاض الفساد المستشري في البلد عبر هذه
الوسيلة الرخيصة الثمن، فكان لها أنْ تدخل التاريخ وتُسلّط عليها أضواء الإعلام
بما قدّمه أصحابها من شباب بُسطاء في معاشهم. وبهذا تكون دلالة التكتك متحققة
بتحقيق المستحيل من صمود يقف إزاء موانع كثيرة وضعتها السلطة لتحدّ من حراك
المنتفضين وتطفئ غليانهم الشعبي.
ولا يخفى
لمن يشاهد اللوحة أنه يجد اللون الأحمر متسيّدًا وسط اللوحة، ومعلوم أنّ اللون
الأحمر يرتبط بالحرية وبالدماء التي تسيل في سبيل تحقيقها، والثورة – كلُّ ثورة-
تسعى لتحقيق إرادة الشعوب، هذا إذا آمنت بحرّيتها وأنها ليست مستعبدة، فتسعى
لتحقيق إرادتها وإنْ كلّفها ذلك تضحيات بالأرواح، ولأجل هذه الغاية تكون الدماء
سبيلاً لنيل المطالب المشروعة.
أما
الرسومات التي تخلّلت المجموعة فهي للرسام البابلي سمير يوسف، فهي رسومات بالأسود
والأبيض، تعبّر في أكثرها عن تلاحم طبقات الشعب ووقوفهم صامدين بوجه القمع من
أجهزة الأمن المكلّفة بردع التظاهرات وإنهائها، فكانت الأيدي والسواعد في أكثر
الصور مرتفعة للأعلى معبّرة عن الإرادة الصلبة والتصميم على إنهاء الظلم المتسلطّ
على رقاب الناس، فالأيادي ترتفع بوجه الظلم لتضع له حدًّا، وتردعه من التمادي في
ظلمه، وهذه الدلالة يمكن أنْ نستجليها في أكثر صور المجموعة الداخلية.
بقي لنا
الآن مقاربة النصوص التي أُودِعت بين دفّتي هذه المجموعة، وهنا لا بدّ من إبداء
ملاحظات قد تكون عابرة لأول وهلة، ولكنها تُشكّل فيما بعد صميم رؤيتنا النقدية
لتلك النصوص، وهي كالآتي:
- كان العنوان الثانوي - الشارح- مُلبِسًا بتفريقه بين
النص والقصيدة، فهل ثمة حدود أجناسية قارّة عند المختصّين من نقاد الأدب بين النص
والقصيدة..؟ وهل كل نصٍّ لا يمكن أن نصفه بالقصيدة وكذلك العكس..؟ ولعلّ ثمّة
إجابة نجدها لمن وضع العنوان، لكنّي لا أجد الفروق واضحة وجوهرية بين النص
والقصيدة.
- كان لبعض النصوص الشعرية – بالمعنى العائم لمصطلح النص-
أنْ تخرج؛ لكونها مكتوبةٌ من قبل أصحابها قبل الحدث التشريني، وليست من صميمه
حصرًا، بل هي – بحسب اطّلاعي عليها من قبل- تناولت الوضع العراقي المأزوم سياسيًا
والمختنق بدخان الاحتراب الداخلي طائفيًا أو سياسيًا بما مرّ من أحداث في السنوات
السابقة.. وهذا ما يجعلها خارج قوس عن موضوع المجموعة الذي يُفترض أنْ تكرّس فيها
كل النصوص التي قيلت في هذا الحدث الفاصل الذي انماز عن سابقه من احتجاجات كونه
الأكثر مصداقيةً في شعاراته. فهي نصوص – بغضّ النظر عن قيمتها الفنية- لا يمكن
تسليط الضوء عليها؛ لحشرها في مجموعة اقتصرت على الحدث التشريني فحسب دون ما سبقه
من أحداثٍ ألمّت بالواقع العراقي.
- لم أجد ثمة مسوغًا لترتيب النصوص في المجموعة، فقد خضع
ترتيبها وفقًا لاعتبارات خارجية لا تمتّ إلى أي اعتبار فنّي، فتجد أنّ النصوص
النثرية قد انتظمت في أوّل المجموعة، في حين جاء بعدها النصوص الموزونة من القصيدة
النمطية ذي الشطرين، فضلاً عن حشر نصٍّ ينتمي لجنس شعر التفعيلة بين تلك القصائد
ذي الشطرين. وكان يُمكن أن تُوزّع النصوص بأكثر من طريقة لها مسوّغ إما فنّيٌ
تاريخيٌّ بوضع القصائد ذي الشطرين أولاً باعتباره النمط الأكثر تسيُّدًا في
المدوّنة الشعرية العربية والأوّل ظهورًا عن سواه. أو ليكون المسوّغ فنيًا فكريًا
ينتمي للحدث التشريني المعبّر عن صوت الشعب بمختلف طبقاته، فلو انتظمت تلك النصوص
بطريقة لم تفصل بينها فنيًا بعزل القصائد النثرية عن القصائد ذي الشطرية، أو
لتقدّم الكبار من الشعراء على الكهول والشباب منهم لكان أفضل، بما يوحي أنّ لا
تقديم شاعر على آخر أو جنس فني على آخر
يُترجم توحّدها صوتًا رافضًا بوجه السلطة. وليس ثمة حواجز فنية أو عمرية أو غيرها
تفصل بين شعبٍ وحّدته مطالبه المندّدة بالفساد والمطالبة بالإصلاح، وهنا بحسب رأيي
أجد العشوائية في ترتيب النصوص ذا مغزىً فكريّ عميق يهدف إلى إلغاء كل الحواجز
والاعتبارات الشكلية التي لا موجب لها في حدثٍ وطنيٍّ كبير أذاب الفوارق ووحّد
الشعب. والشاعر مرآة الشعب المعبّر عنه في كلّ حدثٍ يمرُّ عليه.
ولو استعرضنا
بعضًا من تلك النصوص، لوجدنا تفاوتًا بينها من حيث التناول، وسنقتصر على بعضها من
تلك النصوص التي اقتصرت على التقاطها المشهد التشريني، وأبدأ بنص الشاعر جبار
الكواز (ما قاله الغيم للعراق) وفيه من اللغة الشعرية القائمة على السرد بلغة
الراوي المشارك في التعرف على الحدث وصناعته، فيقول[2]:
وحينما..
/ اصطفاهم الغيم. / كانت رؤوسهم ملبّدةً بالنشيد / وراياتهم يبلّلُ عطرُها الثرى /
وكلماتهم شلال ضوءٍ / يتوّجُ خطاهم
منًا
وسلوىً ووطنًا / أشقُّ طريقي بساقين
احترقتا / تحاذران نيران صديدهم / مشاعلنا تسقي عثراتي بكفٍّ / عبرتُ النهرَ دونما خوفٍ
وقاب
قوسين / أو أدنى / كنتُ أشمُّ الموت
وهو نصٌ غير مباشر تحتشدُ فيه دلالات
الرفض والتغيير، ويبدو الوصف – وإن كان مضبّبًا شيئًا ما- لأولئك الشباب المنتفضين
الذين استرخصوا شبابهم لنيل طموحهم النبيل في تلبية نداء الوطن، فكان له - الشاعر-
أنْ ينخرط في حشودهم ويعبر النهر متخلّيًا عن كل ما يعيقه عن الوصول إليهم،
باعتبار أنّ الموت يحلّق فوق رؤوسهم، وليس من رائحة قربهم سوى الموت.. ويمضي
الشاعر متحدّثًا عن أجواء بغداد بتلك اللغة الرامزة القريبة من رؤى المتصوّفة،
بدليل استدعائه الحلّاج مترحّمًا عليه، ولا يخرج عن طوق رؤاه؛ لما يجده في استدعاء
بطولاته التي حكاها التاريخ لنا معبّرة عن صموده بوجه السلطة التي هالها أنْ يكون
شيخًا من أقطاب الصوفية يدعو الناس إلى الله بطريقة لا تنسجم ومصالح السلطة، فكان
للشاعر أنْ يخيط من ذلك المشهد جبّةً يفرشها لرؤاه الحالمة بمستقبلٍ زاهر يعيد له
ولو أمانيًا تلك الأحلام الواعدة بحرّية شعبٍ من قيود ظالميه، فيقول[3]:
كيف أكسرُ طوق الرؤيا / وأرشّهم بماء كوثرها ؟! / دمعةٌ منه تكفي متراسًا /
الكوثر ؟! / كوثرها بغدادُنا / ما إن يُطفئَ جسدك / حتى تتصاعد روحك فداءً رغم دخانهم / ياااااه !! / يا له من
رؤيا نصيبٍ موؤد ! / أتراني بغداد وأنا فوق عقال (زقورتها) ؟!
إلى آخر النص المعبّر عن لسان حلاج بغداد
تارةً وبلسان أهليها المستضعفين الحالمين بوطنٍ سعيد خالٍ من ظلم.. وبهذا يكون
النص محايثًا بين زمانين: زمان الفجيعة بقتل الحلّاج، وزمان الفجيعة بقتل الشباب
الحالمين بحرّيةٍ وحقوق سليبة. مضمّنًا عبر دلالات ذلك الخطاب توقه لتحقيق ما عجز
عنه السابقون من حياة كريمة لا تليق إلا بالأحرار.
أما نص (دمٌ في العراق)[4]
للشاعر شكر حاجم الصالحي، ففيه من المباشرة بتكرار كلمة (دم) في كل مقطع ما يجعل
الرتابة سمةً بادية في جميع نصوصه، فضلاً عن التزامه القافية في الأشطر الأربعة
الأولى ثم يختم بجملة (ألا لعنة الله والشعب على الظالمين) وتتغير آخر كلمة من هذه
الجملة في كل مقطع بكلمة مرادفة أخرى مثل (السارقين، الفاسدين، المارقين،
المرجفين، الساقطين.. الخ) بما يُضيع على القارئ دهشة النهايات التي ينبغي أنْ
تبتعد عن التقريرية، ناهيك عن ابتعاد الشعر عن اجترار الولولة والندب، فالشعر الذي
ينطلق في رحاب انتفاضة شعب آمن بالتغيير على الرغم من بطش السلطة وأحزابها، لا بدّ
أنْ يستلهم تلك المعطيات فيضخّها في تضاعيفه معبّرة عن ذلك النفس الثوريِّ المحتدم
بالعنفوان والخارج عن نواميس القنوط والاكتفاء بالدعاء، فهذا سبيلٌ لا يُفضي إلا
لتقوية الظلم وتمكينه في الواقع. وهو أبعد ما يكون عليه الشاعر الوطنيّ المؤمن
بقضية شعبه العادلة.
أما نص (جواد سليم يعود من موته) للشاعر
عبد الأمير خليل مراد، وهي من نصوص شعر التفعيلة، ففيها من الجدّة والطرافة، بما
وظّفه الشاعر من استدعاء لأحد رموز الفن العراقي الحديث وهو النحّات جواد سليم
الذي ترك "نصب الحرية" في بغداد معلمًا زاهيًا معبّرًا عن الثورة، فضلاً
عن المكان الذي انتصب فيه ذلك المعلم، الذي صار مركزًا لانطلاق هذه الحراك الشعبي
وكأنّ الشعب يرى في ذلك النصب مُلهمًا له في صنع التغيير. يبدأ النص مخاطبًا
الشاعر بقوله[5]:
ليُهنِكَ أنني في ساحة التحرير/ أُمرّغُ وجهِيَ المقدودَ بالحِنّاءِ
والرجوى/ وأقرأ في بقايا عمرنا المأسور: (موطني.. موطني الجلال والجمال والسناء
والبهاء في رُباك.. في رباك) فيأتي صوتُك الأبهى بطيئًا مثل آهاتٍ تلاشت في تخومِ
النُصبِ أو في بهجة التصوير/ أنا جواد بن سليم / أهيّئُ قامتي للريح والمنفى / وأُشعِلُ
في ضميري آية التكبير / هنا أبكي، وناياتي أبعثرها / دثارًا في دجى البلوى / وعند
المرتقى سأعود من موتي / وأعلن تلك أسمائي / على الجدران يحفرها الدم المهدور /
هنا سأحطّ فُرشاتي / وأنثرُ جثّتي في المرسم المهجور / هنا سأقوم مطعونًا ولوحاتي
يُدحرجها الصدى في رعشة الناعور/ أنا شرقٌ وتاريخٌ وأسرارٌ/ أناملُ من حجولٍ..
أيُّ كفٍّ / مثل هذا الكفّ في أرجوحة المهموس والمكنون والمنثور... الخ
يقف الشاعر في مفتتح نصّه مُخاطبًا روح جواد السليم قبل أنْ يحطّ بروحه
وينقل لنا ما استلهمه من نداءٍ تخيّله قادمًا من وراء الحُجُب، فلم يجد طريقةً
يستنطق بها روحه غير النشيد الوطني، فكان باعثًا لسماع صوته الممتزج بآهات المثقل
بهموم وطنه، ثم سرد على لسانه ما يُعرب به عن طموحه بإكمال ما تبقى من رسوم ونقوش،
ولا يُخفى أنّ الشاعر أفلح في أسطرة الشخصية، وجعلها متاخمةً لأجواء الملاحم بما
أضفاه لها من أوصاف انعكس من خلال حواره، فقوله (أنا شرقٌ وتاريخٌ وأسرارٌ... الخ)
أرى في مدلولاته تلك الحمولات الميتافيزيقية لاكتناه الشخصيات الأسطورية، ومرجع
ذلك التوظيف أنّ الشاعر بما وجده من حراك جماهيريٍّ غاضب فضلاً عن عفويتها في
التعبير عن مطالبها بصمود وتحدٍّ لإرهاب السلطة في محاولتهم لقمع تلك التظاهرات،
ينمّ عن استلهامهم تلك الروح المعنوية التي تركتها فيهم نقوش جواد سليم على نصب
الحرية، ذلك المكان المعبّر برمزيته عن كل معاني الصمود والتحدّي للظلم والتوق
للحرية والفداء للوطن..
أما نص (ندى تشرين) للشاعر ذياب شاهين، فقد اقترب من السمة الخطابية، تلك
السمة التي فرضها الشارع بشعبوية ذائقته، على أنّي أجد العبارة الأولى منه (إلى
أبطال ثورة تشرين) ليست من النص وإنما هي عتبة إهداء لأبطال تشرين، أولئك الواقفين
بصمود في ساحات التظاهر، وتفلح مثل هذه اللغة المباشرة في وصولها إلى أبسط
المستويات من المتلقين، وهنا يُسجّل للشعر حضوره وتفاعليته بين الباث الذي آمن
برسالة الشعر الإصلاحية وعلى كون تلك اللغة يجب أنْ تكون مفهومة وقادرة على دغدغة
مشاعر المتلقّين بوصفهم المستهدفين من ذلك الخطاب، فقوله منها[6]:
آهٍ يا شباب العصف / يا زلزال آلامٍ رسمتوه [كذا وردت]/ على صدر الثرى
والويل/ لون الروح كالإعصار/ أراق المدّ في الأبصار/ إنّ البحر في خوفٍ على شطّيه
والأنهار/ رشّت رملها الغافي على الغرقى/ صوت الريح/ ذلك الهادر الجبّار/ يغوي في
الثرى الأحلام / يسقي في جنى الأرحام.. الخ
ثم يختمه بقوله: (أهلاً يا ندى الأقمار / أهلاً يا سنا البشرى)
دليلٌ على طغيان تلك السمة التي تعبّر عن الوضوح المنسجم وتسارع إيقاع
الأحداث في الشارع العراقي، ووضوح المطالب، فضلاً عن انتماء النسبة الكبيرة من
أولئك المتظاهرين للطبقات المسحوقة التي يتيسّر لها فهم مثل هذا الخطاب الشعري، والاندكاك
بمضامينه بما يدفع إلى إلهاب الروح الوطنية لدى تلك المجاميع البشرية.
أما نص (وصية) للشاعر كامل الدليمي، ففيه التفاتة إلى ما تزامن والحدث
التشريني، ألا وهو الحدث اللبناني من خروج الشعب في مظاهرات عارمة ضدّ المحاصصة
والتحزّب في تشكيل الحكومة، ولعلّ الحالة اللبنانية أقرب إلى الحالة العراقية من
حيث تشابه الظلم والمحاصصات بين أحزاب السلطة. ما جعل الشاعر يخاطب ثورة لبنان[7]:
قولوا لعيون الثورة في لبنان/ إنّ عراق الجرح غدا ينهضُ بصدورٍ فارعةٍ
فارهةٍ تتلمسُ وجع الأوطان/ تشلّ النبض الصاعد.. مختنقًا والوجع القابع بصدور...
الصبيان/ فغدًا سلمٌ وسلام / تتبدّدُ عند الفجر الأوهام/ وغدًا يهربُ ضبّ الصحراء
وكلبُ الماء.. وجلف العربان
وفيه تظهر تلك النزعة التفاؤلية التي من شأنها إعلاء مناسيب العزيمة لدى
المتظاهرين بوصفهم وقود الثورة والأمل المعقود بسارية العراق، فالهمّ العربيُّ
واحد، والسلام ينتظر من يُزيح عنه ركام الجهل والظلم والتخلف، والغد المشرق بإرادة
الشعوب لا بدّ له من يسعى إلى تقريبه. وعنده تتبدّد أوهام الخوف من السلطة بقدرتها
على إبقاء الحال كما هو، فإرادة الشعوب أقوى من تلك الأوهام التي بثّها أولئك
الخانعون الراضون بما آل إليه الحال المؤسف للبلدان العربية.
ومن النصوص التي أجد فيها ابتعادًا عن المباشرة والتوغّل في الإيماء
الدلالي، ما أستجليه من نص (رصاص طبّي) لأحمد ضياء.. يقول في ضمنه[8]:
حاولنا أنْ نورّط الأسماءَ بأجسادنا/ ففككنا الحياةَ على شكل منائر ملتحمة
اللحى/ وبذرنا الدماء المتسوّلة لحياةٍ متغيّرة / رغمَ أنّا مؤمنون بمومئة الحزن
على قارعةٍ فضلى/ كان يركع دائمًا المصاب/ إلا أنّ الرصاص غير الرصاص الآن/ يفرّ
معانق الأبدان/ ليشكو للضحية سوء الإدارة في اقتناص من تتدلى له الحياة/ بانتظار
الرغيف الكريم / الحلم المحقق/ الوحش البرّي، المتساير معك في هاوية الجحيم/ صه،
الأفكارُ أفذاذ الوجوم وأنت قابعٌ في رحم الشوارع/ تحكّ المياه المعطّلة في صدغك/
جالسٌ في عينك/ يوزّع النهايات/ الموت الطبّي المعقم بروائح الوطنية/ وبنثار
المنفوخين بسارياتٍ ميكانيكية/ والأكثر بفحص النار المعتصرة بطيّات الضوضاء/ در
حيثُ أنتَ/ لأنّ عجلات السلاطين موقد احتجاب السائرين في كفّك.
ومن يقرأ هذا النص، يجد أن ثمّة تبعثرًا دلاليا مقصودًا ارتكبه الشاعر،
بمقتضى الظرف الذي يعيشه العراقيون من فوضى عمّت مرافق الحياة، وتفشي العشوائية في
أكثر المظاهر التي يعيشها المواطن، ما أودى بالنص أنْ ينعكس فيه ذلك النسق،
معبّرًا عن سخريته المرّة بالواقع، ومن استهزائه بالموت، فالرصاص الطائش يفرّ من
البنادق ليعانق الأبدان، وكأنه يجد فيها ضالّته المنشودة..؟ هذه الغرائبية تدعو
إلى إعادة قراءة النص مرة بعد أخرى، فضلاً عن استعارات أخرى مُربكة للفهم مثل
"الموت الطبي" "النار المعتصرة بطيات الضوضاء"، وغيرها من
تراكيب تضع المتلقي في دوّامة من الأسئلة التي تستبطن فهمًا أكثر لما يريده الباث
وراء تلك الاستعارات، وبانتقال الشاعر من السرد بضمائر الخطاب الجمعي إلى خطاب
المفرد، يختصر المشهد بجعله منطويًا على تلك الذات كونها المحرّك الأساس لديمومة
الرفض عند المجتمع، فليس المجتمع إلا من مجموع أفراده.
وتلتقي نصوص كثيرة بهذه النزعة الفنية غير الآبهة بما تتطلبه المرحلة من
تقشير الخطاب الشعري من لحاء الرمزية على الرغم من جمالياته التي لا ينكرها أحد،
لكنها – بحسب رأيي- قد لا تنسجم والغاية التي انطلقت تسعى إليها، من إفهام تلك
الجموع بموقف الشاعر الملتزم أنّه معبّرٌ عن صوتها المدوّي في الساحات، ومنسجمٌ
وتوجّهاتها الصريحة بعيدًا عن المواربة ولغة المجاز التي أتقنها أرباب السلطة في
خطاباتهم الرنّانة.. ولا يعني ذلك أنّي أُنكرُ ما فيها من التفاتات ذكيّة، تعبّر
عن التحام الشاعر بالمشهد الوطني الماثل في مخيّلته، وما يؤكّد ذلك، قول الشاعرة
أمل عايد البابلي[9]:
يقولُ ذلك الثقبُ/ رغم اتّساعه / إنّ الأشياء صغيرةٌ أمام الوطن/ رصاصةٌ
واحدة / تكفي لشقّ رأسه / لكن ثماني رصاصات تلقّاها / بصدرٍ رحب / وهو يبتسم / في
الوقت الذي كان الخياط يتكلم / كانت الماكنة تخيط ما تمزّق / من رداء الوطن / وهم
ينظرون من ثقب إبرة / مذ رأيت وجوههم مبتسمة ولونها واحد / صدّقت كلام أمي / حينما
قالت: / لا تنافق في حبّ سمرتها/ كي لا تكن [كذ[10]ا]
مثل سياسيّ [كذا[11]]
الصدفة.
يقتنص النص – على قصره- المشهد العابر، فيجعله بؤرةً ويؤسّس عليه الفكرة
التي يروم إيصالها إلى الآخرين بتفاهة الحياة التي يعيشها الناس ما لم يتركوا فيها
للآخرين ذكرى تمنحهم مزيدًا من الخلود، فالرصاصةُ على الرغم من فاعليتها المميتة
في الجسد، لكنها لن تميت الفعل الذي يتركه الجسد، مُضفية إلى أولئك المضحّين دلالة
الشجاعة بابتسامتهم وهو يتلقّون الرصاص، في دلالةٍ تبرهن على وثوقهم بما يقدمون
عليه من فعل، في المقابل تجد الخائفين لا ينظرون إلا من ثقب إبرة، جاعلة تلك
الثنائية متسيّدةً في صناعة المفارقة في نسيجها النصّي. ولم تكتفِ بذلك، بل وظّفت
دلالة الخبر – الذي تقصّه عن أمّها- لتضفي على مشهدها النصّي دلالة الحنان والدفء،
فالوطن والأم كلاهما دلالتان لمدلولٍ واحد لا يخرج عن الانتماء الذي يستأهل
التضحية من أولئك الفتيان في سوح التظاهر.
تقف نصوصٌ أُخر لشعراء بابليين، بعضها يتحدّث بلغة الأنا وكأنّه لا يجد
فيما حوله من يستحق الحوار معه، فالخراب الذي خلّفه الطغاة أحال كل شيءٍ من حوله
إلى رماد ذكريات، ما جعل الشاعر ينادي وكأنه في جزيرةٍ منقطعة عن كل ما حوله، وهذا
ما يمكن أنْ نستحضره في قراءة نص (التوحّد والانقلاب) لعلي أبو بكر[12]:
يا لخراب عالمنا المعزول عن مدن المسرّات منذ الرياء الأول وأنا أفكر
بالانقلاب/ انقلابٌ يتيح لي فرصة التبوّل على تجاعيد الأعراف وتصحّر العقول
والدساتير الرعوية الموبوءة برهاب الدية وحماقات السنن المسلحة بمافيات الأحزاب
الخدّج/ اليوم لا أحد يحتويني غير ثورةٍ أطاعنُ فيها كرّيات الخوف المجلجل برهاب
الكهنةِ وافتراء القوانين/ ثورةٌ أجتثُّ فيها نفايات الضمائر الميتة وغسل وجه
البلاد/ ثورةٌ أقتلُ فيها السكوت وبعض صبرنا العاطل وبيوض الخجل المتناثر على جسد
طيبتنا العذراء.. الخ
وعلى
هذه الشاكلة، يسير أبو بكر في نصه بلغةٍ أستطيع وصفها بالمجلجلة وكأنه يرمي حممًا
على رؤوس الخونة من ساسة البلاد، تجعله يُمعن في استعراض كل ما في جعبة مخزونه
اللساني من ألفاظ تعرية الآخر بأسوء الأوصاف. وفي الوقت نفسه تكشف أنّ الشاعر لم
يجد غير تلك الثورة عزاءً ينتشله من وهدة الخوف من مجهولٍ ينتظره وينتظر الأجيال
القادمة، وليس أمامه سوى لغته التي تعبّر
عن هويته الوجودية في هذا العالم. كاسرًا إهاب صمته في تلك الفورة النفسية عبر ذلك
الخطاب المنتفض تلبيةً لنداء الثورة.
وبالضدّ من تلك النبرة أجد نص (من وحي الشارع) للشاعر
عباس السلامي، حيث تجد النَفَس الهادئ، عبر تلك المقاطع القصيرة التي كوّنت خريطة
النص، فاعلةً في إثراء الدلالة على نار الحكمة الهادئة، ومن ذلك قوله[13]:
(1)
كثيرةٌ هي الحرائقُ التي عبرناها/ لكن رمادها / ظلّ – يا
للأسى- عالقًا في الخطى /
(2)
سأل السكينُ / ماذا تُخبّئين تحت بريقك ؟/ فغصّت بالدم
(3) على امتداد الدروب التي سلكناها / كانت الشراكُ تلهو
بنا/ وكثيرًا ما كانت الخطى تتخبّطُ / وتسألُ في السرّ/ هل من بوصلةٍ تولدُ من رحم
الحجر؟
(4)
لا جدوى/ من أنْ نسألَ: / لِمَ تهفو الفوهات بوحشية/ إلى
جسد الأعزل/ وهو أعزلُ / أعزلُ ؟
(5)
الطعنةُ تفتحُ ثقبًا للموتِ / الدمُ يُؤرشفُ تلك الطعنة/
القبرُ يؤرّخُ.../ آهٍ / الطاعنُ من
(6)
فُوّهاتٌ كثيرةٌ كلُّها / باتّجاه الأعزلِ / وهي تعي/
أنّ رصاصةً واحدةً تكفي!
يُلاحظ القارئ المتأمّل في هذا النص انطفاء الحماسة الثورية لدى الشاعر،
مستبدلاً إياها بتلك الروح الحكيمة التي تقف متأمّلةً الحدث من بعيد ومستشرفةً ما
سيأتي على أعقاب الحدث التشريني، من انتصارٍ يلوح في الأفق وإنْ علت أفواه البنادق
أصوات المنتفضين، لكن الأمر لن يتوقّف عبر تلك اللحظة الراهنة، بل سيكون القبر
أوّل الشاهدين على لعنة التاريخ، فالطاعن هو الشهيد والشاهد على إرادة الشعب
وإيمانها بالحرية، وليس ما يملكه الطغاة من سلاح يمارسون عبره إسكات معارضيهم، ليس
إلا دليلاً يبرهن على إفلاسهم بالرد وفي الوقت نفسه يكشف عن روحهم العداونية التي
لا تؤمن إلا بالقمع سبيلاً يحمي كيانها الخاوي ولو بعد حين.
أما الشعر العمودي، فسنقف عند بعض
تلك القصائد، وبالتحديد ما يستوقفنا ليس المضمون الوطني فحسب، وهذا ما لا يخلو منه
نصٌّ من هذه المجموعة، فضلاً من أنه لا يمكن أنْ نغطّي كل النصوص، لكن ما يهمّنا
هنا الوقوف عند بعض الموضوعات التي تشكّل – بحسب رأيي- بدلالتها أهمية نوعية عبر
تسليط الضوء عليها، ومن ذلك ما وجدته في قصيدة (طوفان) للشاعر عبد الحسين الجنابي[14]:
|
وقد لبسوا لبوس الدين كذبًا |
|
نفاقًا واسترقّوا الناس خسفا |
|
ألا تبًّا وسحقًا للأُلى قد |
|
رأوا في الدين تسويفًا وعسفا |
|
هو الإسلامُ مدرسةٌ، ونهجٌ |
|
يقومُ على الهُدى صفًّا، فصفّا |
|
بلا جورٍ يسودُ الناسَ عدلاً لالا |
|
فتحسبُهم سواسيةً، ونصفا |
|
وهذا النشءُ في وطني جهادٌ |
|
وإيمانٌ، وما تلفيه خلفا |
|
وهذي السوحُ شاهدةٌ، وسفرٌ |
|
لسانٌ ناطقٌ بالعهدِ أوفى |
|
فقد جاد الشهيدُ بما تسامى |
|
لسوحِ الله إيمانًا، وكفّا |
وفي هذا المقطع من القصيدة، يسلّط الشاعر الضوء فيه على ما كانت عليه أحزاب
السلطة من توظيف سلبي للدين، إذ ما انفكّت تلك الأحزاب تلوك بشعارات الدين والمذهب
لتستميل أتباعها أو لتتاجر بتلك الرموز لينطلي خطابها على البُسطاء من الناس؛
لتستوسق لها المناصب العليا في الدولة، وتنهمر عليها خيرات الوطن من دون حسيبٍ أو
رقيب. والشاعر بخطابه الناقد إنما يكشف ورقة التوت التي تستّر بها أولئك ببيان أنّ
المنتفضين فهموا الدين حقيقةً عملية تمثّلت برفضهم الظلم والفساد الذي ترتكبه
الحكومة، ومن يتساقط من أولئك المنتفضين ليس إلا شهيدًا مجاهدًا يضحّي بروحه
إيمانًا منه بأنّ الله سيُضاعف أجرهم بما بذلوه من دماء ويبارك لهم في مواقفهم
المشرّفة ضدّ الظلم وتحقيقًا لمعاني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وفي
نص (نهضة تشرين) للشاعر حسين عوفي، تجد أنّ الشاعر تُحرّكه النوازع الوطنية
الخالصة، وذلك في قوله[15]:
|
وِسعَ الوجودِ صداكَ اليومَ تُسمِعُهُ |
|
وحيًا وفي ساحة التحريرِ مطلعهُ |
|
أقمتَ للحقِّ بالثوارِ ملحمةً |
|
لذي العراقةِ رُمتَ الآنَ تُرجِعُهُ |
|
لا طائفية بعد اليومِ تنفثُها |
|
عقاربٌ في هزيع البؤسِ تلسعُهُ |
|
شعبٌ أراد حياةً فاسمعوهُ وعُوا |
|
لم يخلُ من عاشقِ الزوراءِ منزعُهُ |
|
عشرٌ وستٌّ مضتْ والظلمُ يُرهقهُ |
|
حتى يكاد لجلد الصبرِ ينزعُهُ |
وبعدها يقول في انتقاد لاذع للأحزاب المتأسلمة:
|
بألف حزبٍ وحزبٍ لا رجاءَ به |
|
إلا الشقاق بكل الغلِّ تزرعُهُ |
|
إنّ الحسين براءٌ منكُمُ علنًا |
|
لو عادَ حيًّا فأنتم من يُضيِّعُهُ |
|
يا محنة الوطن المفجوع في زمرٍ |
|
بها ابتُلينا وكلٌّ راحَ يفجعُهُ |
وهو خطابٌ وطنيٌّ صريح يُحرّض على أولئك المفسدين من
المتسلطين على الشعب بشعاراتهم الدينية، ويؤكد بلغة الواثق ابتعاد أمثل هؤلاء
الطغمة المفسدة عن أبسط مبادئ الحسين ع الذي يعدّ رمزًا للإصلاح والتضحية والكرامة
وكل قيم الخير والعدل.
ونُسجّل هنا ملاحظة على ما استوقفنا قبل قليل من أبيات،
فضلاً عما درجناه قبل قليل من شعر الأستاذ عوفي أنّه وسابقه – وحتى من لم نقف عند
شعرهما في هذه الدراسة المختصرة[16]-
لم يُعنيا باستيلاد الصور وخلق الدهشة في إنجاز (فجوة/ مسافة توتّر) بين النص
والمتلقي من تطوير لأدواته الفنية عبر التعويل على عنصر التخييل في رصد صور مركّبة
لم يسبق إلى توظيفها شعريًا، وهو أمرٌ قد لا نجدهُ أيضًا في النصوص النثرية التي تختزل
الحدث التشريني بلغة سرديّة وتوظيف لليومي من المشاهد لا غير، وهو أمرٌ ليس
بالهيّن، إذ يصفه الناقد الدكتور علي عباس علوان، بتحقيق الفنان ((تلك المعادلة
الصعبة: التعامل مع حركات التجديد والاستحداثات الوافدة عبر إحساسه العميق بواقعه
ثم بموروثه الفني واللغوي من جهة، ومن خلال شعوره الدائم بالتغيير والتجدد والتحرر
من إسار القديم، كلما بدا ذلك القديم قيدًا على منابع الإبداع والخلق في أعماقه))[17]،
وهو أمرٌ يُمكن غضّ النظر عنه آنيًا حين نأخذ بوجهة النظر التي ترى بوجوب أن
يتحمّل الفنان والأديب مسؤوليته في التزامه قضايا شعبه، ولعل هذه الشعبوية تمنح
لمثل هذه النصوص والقصائد قيمتها الآنيّة في جعلها أناشيد يفهمها المتلقي ذي
المرجعيات الثقافية المتواضعة، التي تُتيح له التفاعل مع هذه القصائد وتلكم النصوص
النثرية، وهذا ما يؤكّد السمة التعبوية للنص الشعري الملتزم بصفة عامة، ولعل مقولة
(لكل مقام مقال) بالإمكان أنْ نطبّقها في هذا السياق الزمني، على الرغم من أنّه
يبقى في كل الأحوال خيارًا للأديب يرى بحسب قناعاته جدوى توظيفه من عدمه، بدليل
أنّي أجد فيما رصدناه سابقًا وما سأقف عليه لاحقًا ما يُخالف هذه الرؤية التي
أستجليها عبر ذلك المسح القرائيّ في ظواهر تلك النصوص والقصائد، فشاعرٌ يقول في
ضمن القصائد في هذه المجموعة[18]:
|
عطشى البهائم للشطآنِ ما وردتْ |
|
في إثرها غُرفةٌ لم تُبقِ أو بللا |
|
عاشوا ملوكًا بأبراجٍ مشيّدةٍ |
|
والشعبُ ذا لم يجد خبزًا ولا بصلا |
|
مرَّ الشقيُّ وبوقُ الكبرِ موكبُهُ |
|
من قبحِ فعلهِ كلبُ الدار قد جفلا |
|
هذي الديارُ مضتْ بالمجدِ ظافرةً |
|
ما حالها اليوم من بؤسٍ غدت طللا |
|
ما قام عهدٌ كريهٌ أنت ناكرهُ |
|
حتى يئنَّ له في القبر من رحلا |
لا أجده
ينتمي إلى لغة شعر من سبقه من شعراء العراق في القرن العشرين، فليس فيها ما يُترجم
انتماء الشاعر إلى عصرهِ غير تلك المضامين العابرة التي يمكن التقاطها في شعر
العصر العباسي والعصور المتأخّرة، ففيها من المجّانية في التعبير ومحاكاة الأقدمين
ما يوحي باستسهال هذا النمط من البناء، الذي غادره شعراء كبارٌ في وقتهم مثل
الرصافي والزهاوي، فضلاً عن جعل المُخاطب المهجوّ في سياقٍ شخصي لا يمتّ إلى
منظومة السلطة بكاملها، وهذا ما نفهمه من سياق البيت الثالث (مرّ الشقيُّ... الخ)
وكأنّه يُذكّرنا ببيت أبي نواس الشهير: "عاج الشقيُّ على ربعٍ يُسائلهُ...
الخ" أما البيت الذي سبقه، فهو يوحي للقارئ أنّ نهضة أولئك المتظاهرين إنما
لأنّهم لم يجدوا خبزًا ولا بصلاً، في حين لا تجد في الواقع إنسانًا في العراق يموت
ولا يجد كسرة خبز أو رأس بصل، والحقيقة أنّ أكثر من خرجوا في تلك المظاهرات إنما
أرادوا أنْ يحقّقوا ما هو أفضل لهم في العيش أسوةً بالبلدان العربية التي لديها
أقل من خيرات العراق إنتاجًا..
وأرى أنّه
لم يخلُ بعض تلك القصائد من معانٍ سامية يفتخرُ بها المجتمع العراقي بوصفه جزءًا
من منظومة أخلاقية عريقة استمدّتْ إرثها القيمي من سالف الجدود، وهذه المعاني
نستجليها عبر قراءتنا لقصيدة (هنا العراق) للشاعر ناهض الخياط التي ننتقي منها[19]:
|
هنا نحنُ فاسمع أيها الكونُ صوتنا |
|
بأنّا كرامٌ لن تهانَ ديارُنا |
|
شببنا على عزٍّ بأرضٍ عزيزةٍ |
|
وقد رضعتهُ في المهودِ صغارُنا |
|
وكانت لنا الأيامُ خيرُ شواهدٍ |
|
على ما سمتْ للعزِّ فيه فعالُنا |
إلى آخر الأبيات، التي لا تخرج عن المنحى القديم في
استعمال الألفاظ التراثية في سياق بناء قصيدة الفخر، إلا أنها على الرغم من ذلك،
فهي ترفع بمضمونها من قيمة أولئك المنتفضين وعدّهم شجعانًا أبوا أنْ يعيشوا حياتهم
أسارى بلا فعلٍ يمثّل رفضهم للظلم والطغيان. ولم ينس أولئك الشباب المنتفضين في
أبياته، فيجسّد بطولتهم في قوله[20]:
|
شبابًا أتوها مُتلعين صدورهم |
|
كما يُتلِعُ الآفاقَ فيه صباحُنا |
|
فأنّى يولّي الداعشيّون وجههم |
|
يروها وقد دارت عليهم شبابُنا |
|
هنا نحنُ أبناء العراق ومن له |
|
حسابٌ مع الأيام فليأتِ ها هنا |
|
لنقلع جفنيه ونفري صماخه |
|
ليشهد ما أضحى إليه مآلُنا |
وفيها يتّضح الروح الانتقامية من أولئك المفسدين الذين
يمثّلون الوجه الآخر لداعش، بما تركوه من فساد وسرقات أحالت البلد إلى رميم، ما
جعل الشاعر يستلذّ بالتوعّد لهم ومن ثمّ الانتقام من كل الذين تسببوا بتلك
الفواجع.
ويقف
الشاعر الدكتور وليد جاسم الزبيدي، موقفًا مغايرًا لمن سبقه، بمنظوره الرومانسي
الذي افتتح به قصيدته (موعد في تظاهرة) فالتظاهرة لديه ليست إلا موسمًا للحب
وتبادل النظرات الحالمة بمستقبلٍ زاهٍ مع الحبيبة، سواءً أكانت تلك الحبيبة
حقيقيةً، أم متخيّلةً يمكن أنْ نُحيل مقصوده فيها إلى الوطن، بوصفه الحبيبة والأم
الرؤوم، فيقول فيها[21]:
|
سيكونُ موعدُنا غدًا بتظاهرة |
|
وسألتقيكِ مع القصيدةِ شاعرة |
|
نأتي مع الشعر الجميل نئزّهُ |
|
ونشيدِ عشقٍ في ليالٍ ساحرة |
|
ما تلبسين هو الجمال بعينه |
|
ما تحملين بكل نفسٍ عامرة |
|
كَتِفًا لكتفٍ والجموعُ تشدُّنا |
|
ونضوعُ طيبًا في جموعٍ هادرة |
|
قولي: لك الحبُّ، الوفاءُ، وعِفّتي |
|
قولي فبعضُ القولِ شمسٌ سافرة |
|
هاتي يدًا كي ما أشدُّ بها يدي |
|
فالخوفُ ولّى من عهودٍ غابرة |
فهو في هذه الأبيات، يخرج من السياق
المتعارف عليه في الشعر الوطني من انشغال الشاعر باستعراض المفردات ذات الحقل
الدلالي السياسي مثل (الوطن، الحكومة، السياسة، المناصب، المحاصصات، الأحزاب،
الميليشيات، المؤامرات.. الخ) ويستعيض عنه بمفردات تُحيل إلى حقلٍ دلاليٍّ ينتمي
إلى الرومانسية وأجوائها الحالمة من حبّ وغرام وموعد وأناقة وغيرها من مفردات تبعث
على الطمأنينة والانشراح، وكأنّ الشاعر وجد في المظاهرات العارمة حياةً لم يجدها
من قبل، فالغرام ليس إلا تعبيرًا عن ارتياح الذات إلى ما تجدهُ في الآخر (الأنثى)
لتحقّقَ كينونتها بوصالها، وليس ذلك التحقق بمنأى عن الظرف الحافّ به، وحين يخرج
الناس في مظاهرات العفوية المطالبة بالإصلاح وإبعاد المفسدين عنهم سيتحقّق ذلك
الوصال النقيّ بتهيئة الأجواء السليمة لكل معاني الخير والبذل والعطاء، الأمر الذي
يجعل أجواء المظاهرات تذكارًا جميلاً يجسّد معاناته ومعاناة أولئك المنتفضين لأجل
حياة كريمة يسعى لتحقيقها على أرض الواقع أولئك المنتفضون، وذلك في قوله[22]:
|
لم أنسَ قمعًا والهراوات التي |
|
جالت علينا كالنسورِ الكاسرة |
|
حتى الرصاص بكى لصرخة ثائرٍ |
|
عُرسٌ أتى الشبّانُ لا لمظاهرة |
|
زفّوا إلى الوطن الجريح حياتهم |
|
فالحبُّ أقوى من أكفٍّ غادرة |
فالقمعُ
وضرب الهراوات ليس إلا تذكارًا لتلك المواقف التي جمعته وحبيبته، فكانت على شدّة
ما تركته عليه من آلام تذكارًا بها، ولم يكتف بذلك الانشداد حتى يجعل الرصاص
بقسوته المفرطة يبكي ألمًا على أولئك الشباب الذين وجدوا في تلك المظاهرات حلاوةً
وأنسًا وكأنهم في حفلة عرسٍ تجعلهم يتهادون الضحكات فيما بينهم وتسمح لهم بالمزاح،
في حين كانوا في الحقيقة يتقدمون قرابين تلو قرابين فداءً لما يتوسّمون إليه من
مستقبلٍ زاهٍ يحتضن وطنهم ممّا صار إليه من بؤسٍ وخراب..
وفي لغةٍ
أكثر شعريةً من سابقتها، أجد في قصيدة (أباطرة الأنهار) للشاعر الدكتور أحمد
الخيال، ما يُضاهي المشهد الراهن بتلك اللوحة التي رسمها لمشهد الانتفاضة
التشرينية وأبطالها من أبناء العراق، بقوله في المقطوعةِ الأولى منها[23]:
سلهم عن الفجرِ
ها هم فتيةُ الفجرِ
يُبادلون رصاصَ الليلِ بالنحرِ
ويجمعون شذا البارودِ أغنيةً
رشُّوا مواويلها في ساحة النصرِ
لم يُصلبوا...
شُبِّهتْ أجسادُهم وطنًا حُرًّا
يُضيءُ على الألواحِ للحُرِّ
ها هم أباطرةُ الأنهارِ
مُذ وُلِدوا...
حنّوا النهاراتِ بالأنوارِ والفكرِ
فطلّقوا قصبَ النايات
واقتربوا من العراق ظِلالاً للهوى العُذري
فقد ابتدأ النص بإنشاء الطلب المتحقِّق في صيغة فعل
الأمر المُسند إلى ضمير الجماعة الغائب، والمعلوم أنّ صيغة الأمر دالٌ ظاهرُها على
الوجوب، فأيُّ وجوبٍ هذا الذي دفع الشاعر متلقّيه لأن يتعرّف عليه..؟ وهنا يكتسبُ
النصُّ قيمته بخلق تلك الدهشة التي تلازم المتلقّي لحين يتمّ إزاحة الستار عن
أولئك الذين خصّهم الشاعر بذلك الوصف.. فهم فتيةٌ لا ينتمون إلى مكونٍ طائفي أو
إثني أو قبلي أو أي انتماءٍ أرضي، بل هم فتية الفجر، الذي يُحيل إلى انقضاء الليل
المعبّر عن جبروته على الأنام بذلك السواد الرهيب الذي يُلقيه عليهم كل يوم، وحين
يكون الفجرُ بدلالته المُشرقة إيضاحًا وجلاءً لكل ريب، فلا بدّ أنْ يتّصف المنتمون
إليه بكل ما يجذبهم إلى عالم النور والإشراق، من فناءٍ في الحبّ، وذوبانٍ يجلو
ذواتهم في سبيل أنْ تنال أعلى مقامات الوصال، فالرصاصُ ليس إلا هدايًا يجدون فيها
خلاصهم من هذا السجن الكبير، فيُبادلونه نحورهم، ولا يكتفون بذلك، بل يعمدون إلى
إضفاء عوالم من السحر المغيّبة عن كل من لم يخترق حجُب ذلك العالم الذي يحلّقون في
أجوائه، فيصنعون أغانيهم ممّا تبقى لديهم من بارود ليرشّوا ذلك العطر في ساحات
الاعتصام، ويأتي الشاعر ليضعهم في مكانهم الأبهى، حين ينفي عنهم خبر الصلب –
بإحالاته التناصية مع القرآن حاكيًا حال المسيح عليه السلام- ليجد أنّنا واهمون
فيما نشاهده من صلبٍ لأجسادهم، فهم عند بارئهم يُرزقون، وما نشاهده ليس إلا الوطن
الحر يُصلب نيابةً عنهم وكرامةً لهم ولمواقفهم الشجاعة. ويأتي في البيت ليعرّف
بمقامهم السامي، ويزيل العجب عن قارئه بأنّهم "أباطرة الأنهار" لما
جسّدوه من دلالات لا نجدها إلا في الأنهار العظيمة من قوة وتحدٍ وإصرار وإنماء
وإحياء وخصوبة وغيرها من الدلالات الباعثة على استشرافٍ غدٍ عراقيٍّ سعيد يتحقق
على يد هؤلاء الفتية.
ثم لم تغب عن الشاعر وهو ينشغل بحبك المضمون العالي
لخطابه الشعري، أنْ يطرّزه بأفانين من المجازات المكثّفة، وفيها من الجدّة ما يبعث
على إدهاش المتلقّي وجعله سابحًا في غمرةٍ من التأويلات بحسب ما تُحيل مرجعياته
الثقافية، فالنهارات لدى الشاعر تُخضب بالحنّاء من قبل الثوار، والقصبُ الذي تُصنع
منه النايات يُطلّق لأجل أنهم لم يروا غير هيامهم بهذا الوطن نديمًا يعادلُ
همومهم.
بهذه
الجولة يُمكن لنا أنْ نلملم شتات تلك المرايا المتناثرة في هذه المجموعة المعبّرة
عن مضامين وطنية خالصة وإنْ اختلف أصحابها في طريقة التناول والعرض، لكنهم لم
يختلفوا في مقصودهم الكبير، ألا وهو العراق بحدثه التشريني المعبّر عن انتفاضة
صادقة وصحوة شعبية خالصة من أدران التحزّب والانتماءات اللاوطنية، وليس للمتابع
إلا أنْ ينحني لكل حرفٍ سكبه الأديب في هذه المجموعة أو غيرها وكان يصبو إلى هدفٍ
سامٍ من شأنه أنْ يعيد صياغة الهوية العراقية بعد أنْ حاول أرباب السياسة أنْ يذيبوا
عناصرها الإنسانية ويمسخوها إلى مكوّن آخر لا يمتّ إلى حضارة هذا البلد العريق
بتاريخه ومستقبله المشرق بتلك الإرادة الوطنية الصادقة التي يطمح كل عراقي شريف
إلى تحقيقها.
المصادر:
- طبقات فحول الشعراء، محمد بن سلّام الجمحي (ت: 232هـ)،
تحقيق: محمود محمد شاكر، دار المدني – جدة، د.ت.
- مرايا وطن – نصوص وقصائد بابلية لانتفاضة تشرين، دار
الفرات، بابل، 2019م.
[1] طبقات فحول
الشعراء: 1/ 46 .
[2] مرايا وطن: 21 .
[3] مرايا وطن: 25 .
[4] ينظر: نفسه: 28 – 32 .
[5] مرايا وطن: 36 .
[6] مرايا وطن: 50 .
[7] مرايا وطن: 63 .
[8] نفسه: 66 .
[9] مرايا وطن: 93 .
[10] الصواب: تكون.
[11] الصواب: سياسيّي.
[12] مرايا وطن: 53 .
[13] مرايا وطن: 55 – 56 .
[14] مرايا وطن: 127 – 128 .
[15] مرايا وطن: 134 .
[16] ينظر على سبيل المثال: نص
(أريد حقي) لعدنان الجزائري، ونص (لماذا تورق الجراح) لمحمد خليل مراد، ونص (في
انتظار البلاد) لمحمد عبد المحسن شعابث، ونص (الله أكبر) لفوزي الطائي وغيرهم..
[17] تطور الشعر العربي الحديث في العراق – اتجاهات
الرؤيا وجمالات النسيج: 348 .
[18] مرايا وطن: 159 .
[19] نفسه: 161 .
[20] مرايا وطن: 163 .
[21] نفسه: 166 .
[22] نفسه: 167 .
[23] نفسه: 151 .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق