بين البصر والبصيرة يتألق عادل أصغر في رسم معاناة امرأة
قراءة : الفنان التشكيلي: أ. سمير البياتي- العراق.
لقد تعرفنا عن كثب على مسيرة الفنان العراقي عادل أصغر برسومه الجميلة المنبثقة من الواقع العراقي وهو يتجول بنا في أروقة الحياة اليومية.. كانت عيناه كالكاميرا الفوتوغرافية تلتقط لنا الصورة تلو الصورة وكان مخلصا في عمله وهو يسجل كافة التفاصيل وبدقة متناهية، حسب الموضوع المراد إنجازه وكانت روحه الشفافة تطغى على أعماله حيث نرى ونحس ما يرسم من فرح أو حزن. وقد أجاد التلوين بالألوان المائية وتفرد في ذلك، وهي من أصعب التقنيات اللونية لأنها لا تقبل الخطأ. كما أن ضربات فرشاته هي ضربات المعلم، العارف بالتقنية وخصائصها وكان بارعًا جداً، مبدعا إلى حدّ التميز وإثارة الدهشة. و تذكرنا تجربته بتجربة الفنان عبد الأمير علوان الذي احتوت رسومه على جماليات رائعة وكان أسلوبه شفافا وتقنيته المعتمدة عالية وكان يتحدى نفسه بأن يجسد لوحات صغيره، وصغيرة جداً كما سميت بـ (المصغرات)، كان يرسم عوالم كاملة في مساحة لا تتعدى بضع سنتميترات. لقد تميز الفنان عادل وهو يرسم البورتريات لأغلب الشخصيات الفنية والوجوه الإعلامية ومحبيه بطريقة ساحرة وبتقنية متفردة في السيطرة على تطويع الأوراق وتعامله الحذر والشديد بوضع لمساته الملونة الممزوجة بحرفية. وتأتي الألوان بطبقة فوق أخرى بانسيابية رقيقة تكاد تضاهي التلوين الزيتي. وكان يعرض علينا بين الحين والآخر لوحات، ينقلنا فيها من (البصر إلى البصيرة) ويفتح لنا نوافذ تدخل في خلجات الإنسان وعمقه وحياته، وهذا ما قدمه في بعض اللوحات التي يقال عنها مجازًا بـ (السريالية) وهي في الواقع لوحات (رمزية – تعبيرية) لان مفاهيمها قابلة للدراسة والتأويل ولو كانت (سريالية) لضاع عن المتأمل فك شفرتها وتحليلها بكل يسر وإدراك.معاناة امرأة:
لوحة مستطيلة الشكل طوليًا.
تحتوي على ثلاثة عناصر.
فضاء الجو العام ينقسم إلى قسمين- المشهد المتخيل- و الواقع.
في النظرة الاولى ونحن نشاهد اللوحة تخطفنا الرؤية بلمحة سريعة إلى تلك المرأة وذلك المسخ، وطائر البوم. هذه المفردات تدور في عين المشاهد دفعة واحدة وكل مفردة تبرق في العين لتكون الأولى وتحاول أن تسبق التي بجانبها بحيث تجعل المشاهد يصاب بالإرباك والتشويش في الرؤية البصرية.
وبما أن عنوان اللوحة هو (معاناة امرأة) سندخل بقراءة اللوحة من أسفل منتصفها. لنشاهد تلك المرأة الجاثمة على الأرض باستسلام رغم أنها تحاول أن تساعد نفسها بمسك طرف النافذة التي ليس لها قضبان او أبواب. تلك المرأة ترتدي ثوبًا أبيضَ وهو رمز (للطهارة) وهو دلالة على النقاء أو(ثوب الزفاف)، ورغم بروز القليل من العري الجسدي غير المثير، إلا أنها في جلستها مستكينة بجسدها ومنكسة رأسها الى الأسفل بشعرها الأسود الطويل المنسدل على وجهها، وهي دلالة تطبع في ذهن المشاهد معاناة تلك المرأة بالرغم أننا لا نرى تعابير وجهها وقسماته ، كان التعبير واضحا في حركة الجسد وكان بليغا إلى حد التأثر. إن الفنان يعمل على إبراز إيماءة الجسد، وهنا يبدأ عالم المرأة في المكان المتخيل فقد يكون كل ما يحيط بها من رموز ومن بناء عام وما ترمز إليه النافذة وكذلك المسخ، هو في الأصل موجود في بصيرة الفنان تجاه تلك المرأة وما يدور بخلدها من هواجس وكوابيس مزعجة.
المسخ الشيطاني:
الشيطان هو ما نراه بذلك الوجه البشع لذلك المسخ وهو يفتح عينية وفمه ويلهث بفحيح الأفاعي وتلك الاستدارة الملتوية المستمرة ويأخذ شكله شكلا مقربا من وجه (القط) وهي دلالات شيطانية نوعًا ما .. وهو يحاول اختراق ذلك الجدار، أي جدار الذاكرة. يدخل عليها ويرينا مدى فعله وحضوره وهو يتحسس الجدار بمخالبه الطويلة التي يقطر منها سائل اسود وهو رمز الدم المقيت الذي تحول من الأحمر إلى الأسود. إن وجود الشيطان يبعث الخوف والقرف، ذلك ألشيطان المسخ- قد يكون صورة لرجل ما..؟، وقد يكون بشرا بهذه البشاعة لأن العنف لدى البشر قد فاق أفعال ألشياطين فقد رسمه الفنان في أعلى اللوحة ليكون موقع غضب دائم مسيطر في حياة تلك المرأة بصورة عامة أو خاصة وهو يتلذذ بمعاناتها ويتلاعب بهواجسها وأفكارها وهو المسيطر الكلي عليها.
طائر البوم:
ذلك الطائر الذي لصقت به تهمة (الشؤم) في ثقافتنا العربية وموروثنا الشعبي. ورغم أن البعض يصفه بـ (الحكمة) وإذا ذهبنا إلى خيار (الحكمة) التي تنشدها تلك المرأة فهو أولا رمز التخلص من كل الوساوس ومن كل الأجواء وأزقتها المظلمة والابتعاد عن كل الوجوه الكريهة.
النافذة المشرقة:
الذهاب الى تلك النافذة والتنفس بعمق من ذلك الجو الصافي والنقي والنظر إلى حياة أجمل هو رمز للأمل فلا بد أن تعيش حياتها بكل تفاؤل وأمل لتذهب عنها كل تلك الوساوس والأفكار السوداء إلى الجحيم.
هارموني الألوان:
أعطى الفنان الجو "الهارموني" بدرجات الأزرق الغامق مثل الأسود والبنفسجيي والقليل من درجات الرمادي بتجانس وهي تخص (ثلاث أرباع اللوحة)، للذاكرة. أما (الربع الأسفل المتبقي) لمشهد المرأة فكأنها تحت بقعة مشرقة بألوانها وجسدها النظر والأرضية التي تجلس عليها ، تذكرنا بما يقدمه المسرحيون حين يسلطون بقعة ضوء على شخص ما في وسط المسرح.
ملاحظات بسيطة:
جسد المراة: جميل.. غير أنني أعتقد أن الساق المنثنية بانت كأنها مقطوعة أو مبتورة حتى أن الذي يتأملها بعمق يحس أنها عاجزة، كما ان طيات الملابس ليست كثيرة.
المسخ: لم يكن مخيفًا، وهي دلالة على أن حس الفنان لم يجد في نفسه البشاعة الكافية، لأنه نقي جدًا لهذا لم يتمكن من ارعابنا كثيرًا.
طائر البوم: كان شاهدًا بحضوره، بصفته الأولى والثانية ولم يعطه الفنان الاهتمام التام.
على كل، نشد على يد الفنان المتألق الفنان عادل أصغر في بحثه الجميل ورسالته الإنسانية وبصيرته الثاقبة بامتياز وهي تجربة مهمة في خط مسار آخر مصاحب لتمكنه من الرسم الأكاديمي بامتياز وتوظيفه في لوحات كبيرة ومعبرة بشكل أوسع وطرح مواضيع تدور في فلكه ونراها من خلال ما يراه.
سمير مجيد البياتي2-3-

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق