المطار:
المطارُ مكتظّ ، و الحركة على أشدها ، أيادٍ مُلوّحة وداعا ، و أحضان مفتوحة لفرحة لقاء ، في العيون دموع ، و في القلوب أمانٍ ، حقائب تُجرّ مختلفة الألوان و الأشكال و الأحجام ، طوابير طويلة ، نساء ، رجال ، أطفال... و أصوات رقيقة تعلن عن قدوم طائرة و إقلاع أخرى ...
- آن الأوان أمّي الحبيبة ، أستودعك الّله ... لا تنسيْ أخذ دوائك في موعده .
اِحتضنته مُودّعة و كأنها تودّع كلّ الأفراح معه :
- في أمان اللّه يا ولدي ، صحبتك السّلامة ، كم كنت أتمنى أن تظلّ في وطنك فتكون قريبا منّي بعد وفاة والدك
- ضمّها إليه في حزن :
- لقد حسمت أمري و اتّخذت قراري ، لن أعيش في وطن يحتقر أبناءه ، هناك سأجِدُ كلّ التّقدير ، هناك تشعر أنّك إنسان ...
- أعلمُ ذلك يا بُنيّ ، لقد فات الأوان الآن ، و لكن من يدري ؟ فقد تتغيّر الأحوال ، و نستعيد هذا الوطن السّليب...
عجّل الخطى حين سمع صوتا يُعلن عن قرب إقلاع طائرته، لوّحَتْ له بيد مرتعشة و رُوح تنوح ، تابعتْه بنظرات واهية ، غاب وسط الزّحام...
تهالكتْ على كرسيّ هناك
" ماذا دهاك يا امرأة لطالما كنتِ قويّة، هل ستضعفين الان ؟؟ لا وقت للحزن ، لا وقت للمشاعر عليك أن تعودي قبل أن يخيّم الظلام ، فالطّريق غير آمنة " تماسكتْ ، ثمّ نضهتْ مُتّجهة الى المحطّة.
صعدتِ الحافلةَ و مازال صوته يُلِحّ في إقناعها :
- لن أترككِ وحيدةً أمّي
- لا عليكَ يابنيّ لقد تعودتُ على هذا الوضع الجديد .
- لا لن اترككِ هنا أبدا ... ها قد اُحلتِ على شرف المهنة ، لذا سأحضرُ كلّ ما يلزم من أوراق للحصول على رخصة الاقامة و هكذا تعيشين معي .
نظرتْ إليه بعتاب قائلة :
- آسفة حبيبي ، أنت تعرف أنّه لايمكن أن أغادرَ بيتي ، هذا المكان عزيز عليّ ، إنّه كلّ حياتي ، لقد بنياه انا و أبوك بعرق الجبين ، لقد كان حلمَ العمر ، فيه قضينا أجمل الأوقات...فيه حلمنا بمستقبل باهر لك ... وها قد كبرتَ و تخرّجت...
أريد أن أموت هنا ... في هذه الأرض الطّيبة ...
وصلت منزلها ، بدت الغرف حزينة ، باردة ، نظرتْ إلى الزّوايا و الأركان ، صمت قاتل يلفّ المكان ، تسمّرتْ هناك و قد أطلقت العنان لبحر من الدّموع قاومتها طيلة الطّريق ...
بعد ذلك شعرت بارتياح ، أخذت حمّاما ساخنا ، و بعد صلاة العشاء أحسّتْ برغبة في احتساء قليل من الشّاي ، لا بأس ... يبدو أنّه لا نوم هذه اللّيلة .
دخلت المطبخ ، وضعت الابريق على الموقد ، و اتّجهت إلى غرفتها ، نظرت الى صورة زوجها المعلّقة في إطار ، بدا لها مبتسما...
- اِبتسم يا حبيبي ... يالك من خائن ، لقد تركتني بعد أن وعدتَ بأن تظلّ معي إلى آخر العمر لكنّك أخلفتَ وعدك ، لم تسمع توسّلاتي بان تبقى معي ، كنت مستعدّة ان أعطيك كلّ غال و نفيس ، لكنّك لم تسمعني ... و طاوعتَ الموت ... و استسلمتَ... ما رأيك لو أخونك أنا أيضا ؟؟؟ ماذا تقول لو أقبل عرض ذلك الموظّف المتقاعد الذي عبّر عن رغبته في الارتباط بي ... يومها خفتُ عليه ... تخيلته جثّة هامدة بين يديْ ابني لو تجرأ و طلب يدي منه ... لو كنتَ مكاني و متُّ أنا قبلك هل تفعلها ؟؟ هل تتزوّج كما يفعل جلّ الرّجال ؟؟ تكلّم ... هل تفعلها...؟
ظلّ صامتا ، مبتسما ، التفتتْ إلى ركن آخر من الغرفة فرأت حقيبة قديمة وضعت فيها رسائله إليها عندما كانا خطيبيْن ... يا الله لقد حافظتْ عليها ، أكثر من أربعين سنة و الرّسائل في مأمن من التّلف ... أخرجت بعضها ... ضمّتها إلى صدرها ، فتحت إحداها و بدأت تقرأ سطورها ... ضحكت من أعماقها ، فتحت أخرى فتنهّدتْ و بكتْ ... و بين الضّحك و البكاء اشتمّت راحة غريبة ، قفزتْ من مكانها مُتّجهةً نحو المطبخ ...
كان الدّخان قد حجب الرّؤية ...
و كانت تشتهي كأس شاي يؤنسها .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق