قراءة نقدية لقصة ومضة - حيلة - للقاص يحيى القيسي/ بقلم: رائد الحسْن
___________________________________________
حيلة
اِفتقدَ الذهب؛ عابَ بريقه.
________________________________________
العنوان : حيلة ، مفرد حِيَل ، وهي تعني الذكاء بخبثٍ والمهارة في تدبّر الأمور بدهاءٍ وخديعةٍ ومُكرٍ.
الشطر الأول: اِفتقدَ الذهب، افتقد يفتقد افتقادًا، افتقد الشيء أي أضاعه و خسره.
بطل ومضتنا خسر الذهب، والذهب معدن ثمين، يقتنيه - غالبًا - الأغنياء، يُستخدَم للزينة ولإكمال المظهر العام - خاصة عند النساءِ - وبالرغم مِن انه حاجة كمالية، لكن له قيمته، ومَن يمتلكه يعني هو مُتمكّن ماديًا واشتراه بعد الاكتفاءِ مِن الحاجات الأساسية.
هو خسر الذهب ، هل كان معه فخسره ، أو أصلًا ما اقتناه؟
هل هو أضاعه أو خرج من حيازته بسبب بيعه للاستفادة من ثمنه ، لحاجةٍ ما
أو ضاعت عليه فرصة الوصول لامتلاكه؟
المهم بالنتيجة هو ما عاد يملكه وغير موجود عنده.
الشطر الثاني: عابَ بريقه، عابَ الشيء أي انتقص منه واستقبحه.
بريق، والفعل برقَ، أي تلألأ ولمع، وهي من الصفات الجميلة والمزايا الحميدة لمعدن الذهب، فكلما كثر لمعانه وتوهجه، ازداد جماله وأمتع ناظريه؛ لكن صاحبنا أراد الانتقاص من بريق الذهب؛ فعابه.
وهذا ديدن الناس الذين يتّخِذون مِن الحيلة منهاجًا وأسلوبًا دائمًا في حياتهم.
فيتّخذون مِن فعل الحيلةِ، الوسيلة لإيصالهم إلى غاياتهم، وهي حاضرة - أقصد الحيلة - في نجاحاتهم المشبوهة وفي إخفاقاتهم المتوقعة، فعندما لا يصلون إلى منالهم يقبّحون الجميل، ويقلبون الحقائق ويخدعون البسطاء من الناس مِن خلال التزييف والتضليل والكذب.
فكرة الومضة:
هناك الكثير من الناس نموا وعاشوا وتعوّدوا على حياة المراوغة والخداع والمكر للوصول إلى غايتهم ، فيجانبون الحق والمنطق ويغيّرون الحقائق من أجل إضفاء صفة الأحقية والصحة على أفعالهم وأقوالهم ومواقفهم ، كما في بطل ومضتنا الذي نقرأ - ما بين أحرف وكلمات النص - بأنه سعى بكل ما أوتي مِن قوة لامتلاك الذهب ، لكن حينما فشل في امتلاكه - تحت أي سبب كان - نراه يلتفّ على الحقيقة ويقلّل مِن شأن خسارته - بحيلته وخبثه المعهود - من خلال تسقيط قيمة الذهب ومكانته ، بحيث يعيب على صفة جمالية مهمة له وهو اللمعان فينتقص من بريقه الأخّاذ.
وهنا ينطبق المثل الشعبي عليهِ والذي يقول: اللي ما يطول العنب حامض عنه يقول، أي الذي لا يتمكن من الوصول إلى العنب يقول عنه بان طعمه حامض، فيداري فشله ويبرر إخفاقه بمبرراتٍ واهية ضعيفة لا تنطلي سوى على البسطاء.
وفكرة ومضتنا ممكن تعميمها على محتالين كثيرين - في حياتنا ، وفي شتّى مجالات ومناحي الحياة - يسقّطون فيها ويقللون مِن قدر ومكانة ومنزلة أمورًا ذات قيمة كبيرة، وما الذهب - هنا - إلّا رمزًا استخدمه كاتبنا المبدع الأستاذ يحيى القيسي ، يسقّط فيه المحتالون ، عندما يصعب عليهم الوصول إليها.
الومضة جميلة جدًا، من حيث الفكرة والبناء والصياغة والمعنى؛ فنرى العنوان - حيلة - يفترش بجناحيه على شطري الومضة، فالحيلة حاضرة فيهما، و نرى وجود التوازن العددي في كلمات الشطرين وهذا - برأيي المتواضع - يجمّل النص أكثر، والشطر الثاني أتى مباغتًا للشطر الأول، عكس المتوقع وهو انه - من البديهي- انه بعد الخسارة والفقدان يكون الحزن والأسف والندم ، لكن ولأن بطل ومضتنا هو مُحتال، فكان رد فعله - بعد فعل الافتقاد والخسارة - هو التقليل من شأن الذهب ومكانته ، من خلال إطلاق كلمات ومعاني الانتقاص عليه.
____________________________________________
رائد الحسْن / العراق

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق