الجمعة، 11 سبتمبر 2020

قراءة/ الناقدة أ. سهيلة بن حسين حرم حمّاد- تونس / في قصة (حارس المقبرة)//



 قصة حداثية فاخرة بمواصفات عالمية

استجابت لكل مقومات القصة القصيرة ...شكلا ومضمونا ... استطاع القاص من خلال اللغة، أن يأخذنا في رحلة معه، لنعيش معاناة ذات معذّبة، تحيا بين القبور والأموات، عصفت بها هواجس، فكشف لنا مدى امتلاء الكاتب بالفكرة ومدى نجاحه في رسم البيئة و التّأثيث مع تضمين، بؤرة سرديّة آزرت العنوان، بدت رئيسية، لنكتشف مع تطوّر القصّ، بأنّها كانت مطيّة لبلورة الفكرة الأساسيّة، وقد نجح، في نقل إحساس و معاناة حارس المقبرة، الذي يمثّل شريحة من المطحونين والمنكوبين المقهورين، وقد عايشنا معه رحلته إلى أعماقه، بعد أن بسط لنا بسطة، عن روح المجتمع، وما وصلت إليه سوء الخلق والأخلاق و سايكولوجية المجتمع وسايكولوجية الإنسان المقهور الذي قضت عليه وشاية.... متّكلا على المونولوج و الحوار، وقد خدم كلاهما الفكرة والموضوع والصراع، بشكل مذهل، شدّ القارئء من الألف إلى الياء، بفضل إتقان الحبكة والتّشويق .. وقد جعلنا نصدّقه، ونتعاطف مع البطل، ويطلعنا على ذوات المقهورين من أعوان خاضعين للأوامر، المؤدين لوظيفتهم، ولضحيّة أوقعها سوء حظها فتغير مسار عقارب ساعة زمانها... كما اعتمد القاص التّكثيف والاختزال والتّلاعب بالزمن استرجاعا قفزا ووقفا، إلى جانب التّجوال بين الأمكنة من المقبرة إلى الغرفة إلى مكان التحقيق عبر الإيحاء، وقد لعب كلّ دوره بإتقان ... المشهديّة كانت على درجة عالية من الإتقان بحيث بدا المشهد، كأنّه مشاهد تلفزية، قُطّعت إلى سيناريوهات، رفعت من قيمة القصّة و بوأتها مكانة عالية بحيث بدت صورا حيّة من الواقع....
فيما يتعلّق بالعنوان: حارس المقبرة عنوان محتشد مفعم بالحياة والموت ... معادلة ومفارقة في ذات الوقت... نكتشف في النص فعلا تلك المفارقات التي تكتنز بالحبّ والشرّ، الأمل والخيبة، الصّدق والكذب، الأمانة والخيانة، الإذلال والكبرياء الذل والعزة ، الأخلاق العالية والدناءة ،الخصوبة والإخصاء العبث و العبثية، الجدوى واللّاجدوى من الحياة، الدفىء والبرودة، نهاية حياة وظلمة، ليلة حالكة باردة وبداية نهار جديد وانبلاج صبح ، معلّم علمته الحياة درسا قاسيا... بين ماض مضى وحاضر ماض ومستقبل قادم محكوم عليه بالإعدام ..يقابله بعث وانبعاث من جديد ... كما يأخذني العنوان إلى رواية مذكّرات من بيت الأموات لفيودور دوستويفسكي في سياق الظلم والمعاناة والثورة على النّمطي والسائد لسجناء أشباه الأموات حيث للسّجناء ايضا مقاماتمهم من مقامات عائلاتهم وطبقتهم الإجتماعية ... الخاتمة كانت صادمة وغير متوقّعة كسرت أفق انتظار المتلقي ...ولكنها لم تخرج عن مسار المنطق ... الأسلوب كان سلسا بليغا وبسيطا واضحا خاليا من التعقيد الغير مبرر.تغلب عليه الحركيّة بفضل الجمل الفعليّة والشّاعرية التي تمسّ شغاف القلب فتعتصر الشريان لفرط التألم ...


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق