الأربعاء، 1 يوليو 2020

الناقدة سهيلة بنت حسين حرم حماد#&&&&




لمحة عن رواية رائعة استرعت انتباهي ولا زالت تسكنني رغم مرور أكثر من سنة عن مطالعتها
..........................
الكتاب الذي أنوّه به اليوم هو :🌹🌳"حانة أراذليا"
هي رواية لللأديب سعيد عثمان صاحب الباقة الرّوائية المتميّزة الرّحله، وسوق الصّفافير، و الكردان، والتلّه الحرام، و أعمال أخرى بصدد الإنجاز ... و قد تميّز هذا الأديب في كتاباته بالغوص في عوالم مختلفة معتمدا على التّنويع و على قدرته على الخيال و التّخييل عبر مخيال أدبي يذكّرني شخصيّا بالأديب أحمد خالد توفيق من حيث تلك الطّاقة الإبداعيّة و القدرة على توليد الفكرة والإبهار و إحداث الصّدمة والإدهاش و التّفرّد و التّميّز و الحداثة في الطّرح من خلال اختيار مواضيعه و أزمنتها و أمكنتها، و كذلك الغوص في صبر اختلاجات شخوصها و الصّراعات النّفسيّة التي تمرّ بها الذّوات خلال كينونتها لقيس مدى نسبيّة درجة القبول و الرّضى، و مدى قدرتها على الاختيار، أو الاستسلام إلى القدر و المقدّر، إمّا قهرا أو طوعا، و على التّناقضات التي يعيشها، و العلاقة القائمة بين الأفراد المحكومين بمبدإ السّلطة والتّسلّط و مصادرة الفكر والدّيانة والاستبداد، و مدى الإحساس بالقهر و الظّلم و درجة الخوف التي تؤسّس لثورة و تغيير فكري، قائم على مبدإ الوعي ...و التّمييز بين الرّغبة و الرّهبة و القبول و القمع و الرّضوخ والاختيار و التّفويض و الرّضى الدّائم و لحظة الحسم للقيام بثورة على الثّقافة السّائدة النّمطيّة المحنّطة الجاهزة في قوالب جاهزة، للتّعبير بحقّ و أن يكون الإنسان فعلا فاعلا، مالكا لزمام اختياراته، و مسؤولا جديرا بالإحترام يتحمّل نتائج فكره و سلوكاته، و ألّا يعيش ازدواجيّة بين الظّاهر و الباطن، حتّى لا تعمّق و تزيد من اغترابه و تغرّبه، في موطنه و سكنه، و حتّى لا يحترق بنار بركان الغضب، الذي قد ينفجّر قبل استكمال نضج الفكرة، في أيّ لحظة من الصّيرورة، فيستغلّ الصيّادون في الماء العكر، ثورته ليركبوها، على حساب ثورته، كثورة ربيع و ياسمين، تشيط و تحترق، فتتجرّد من محتواها في خريف مستعجل، قافزة على الزّمن فتشيخ و تتبدّد قبل أوانها فتذهب زبدا .. و قد يقودها أحد روّادها، و قادتها، فيكون امتداد ا للغطرسة عاكسا بذاك مبدإ تبعيّة المظلوم للظّالم في الفكر و الممارسة لانجذابه بمبدإ التّماهي بالمعذِّب لإثبات أنّه هو الآخر قادر، على التّسلّط على الأضعف حين يُمنح الفرصة، ليقتصّ من الظّلم الذي وقع عليه، في حقبة تاريخيّة ما، لإشباع نرجسيّته و الصّاديّة التي تسكنه، مسلّطا على النّواة و الحلقة الأضعف، الظّلم ذاته ، بمجرّد أن منح الشّرعيّة فأدى نفس الدّور كدوران مروحة الطّاحونة يؤدّي نفس الفعل كأسلافه، متناسيا سبب ثورته التي كان من أجلها يناضل، و وعوده التي قطعها عند قيادته لحملته الانتخابية، قبل فوزه بالشّرعيّة، بأنّه سيقطع مع الظّلم، فإذا به يظلم عندما أُتيحت له الفرصة التّاريخية للزّعامة الحقيقية لإثبات مدى جدارته واستحقاقه القيادة و الزغامة ... فإذا به يعيد كرّة الظّلم ذاته و أكثر متصالحا مع عدوّه و الشّيطان و السجّان و الجلّاد ضدّ بني جنسه، و قومه، و بني عمومته، و كلّ من آمن به و كانوا مثله، و في صفّه، فيصفّي بعضهم حتى ينقص من منافسيه في الزّعامة و لإضعاف معارضيه، متّبعا نفس السّياسات، ذاكرا متذكّرا شيءا واحدا ألا و هو كيف يحافظ على بقائه سيّدا أبد الدّهر و على مقعد وثير يسعد به حتى الرّمق الأخير من حياته...
و تتنزّل "حانة أراذليا" ضمن هذا الإطار الفنّي الإبداعي، فقد اخترق بنا زمنا غير الزّمان و مكانا غير المكان في الهنا و الهناك. زمن ومكان أخذنا إليهما عبر ثقب زوم مخيّلته الإبداعيّة، حتى تأخذ الرّواية بعدا شموليا لنحضر و نشاهد واقعا تجريبيّا مخبراتيّا أثّثه صاحبه فأحسن تأثيث ركحه البيئي و وفّر له كلّ المستلزمات التّقنية والفنّية والفكريّة والإضاءة فكانت المشهديّة على قدر عال من الجودة، أدى إلى انسجام الربط والترابط في الإخراج بين المقاطع بين المضمر والمخفي المتتشظي وإدماج المتلقي كما استقدم أفضل الشّخوص فتقمّصوا أدوارهم باقتدار، و مثّلوا مجتمع بيئة مغايرة عن الواقع. استحدثها الكاتب من مخيّلته، تحكمها "الأخويّة"
شرذمة من البشريّة هتكت
الأعراف و لم تعترف بالأصول تنحي الدّين، و تلغي الإلاه، الذي أخرج الشّيطان من الجنّة لأجله و وانقلب على كلّ مقدّس فتعيش حالة من الذعر و التّوهان والاغتراب في بلدة اختار لها إسم أراذليا إسما يعكس فساد مجتمع و مدى انغماسه في عالم الرّذيلة لعصر ما بعد الحداثة و وهم مابعدها ...
و ليزيد من إيهامنا بصدق واقعه المتخيّل، نراه يستغلّ اللّغة أحسن استغلال داخل الرّواية، ومن خلال فضائها الموازي، فيبرع في بلوغ بلاغتها و فصاحتها في التّعبير، و كذلك الإيحاء بالإحالة، واعتصار نبيذ عصارتها لإيصال القارئ إلى المتعة و التّحليق في فضائها بالاستئناس بلذّتها و شاعريّتها و وقعها و إيقاعها و خاصّيتها و دقّتها و أهميّتها، راسما عبرها عنوان روايته المركّب "حانة أراذليا" الواقع ناعتا و منعوتا كأيقونة دلاليّة، ككرة الثّلج، كمرآة، كظلّ عاكس، للتّعبير عن حقيقة مجتمع، فجاء مكتنز الصّورة، فيّاض المعنى، مشحون الدّلالة، و المدلول، ليثبت مطاطيّة اللّغة وتفتّحها على عالم إثارة خيال المتلقّي ... و كأنّه يؤكّد من خلال اختياره مدى أهميّة اللّغة بالنّسبة للمجتمعات، و كيف أنّه من خلالها، يمكن للباحثين - كصنف متخصّص من القرّاء من خلالها - التّعرف على ثقافة مجتمع من خلال تطوّرها، و باعتبار أنّ هذه الأخيرة كائن متطوّر في صيرورتها، تتأثّر خلال حياتها ، بثقافة شعب وجمتمع و بسياسته في فترة زمانيّة ما . كما تعكس ازدهاره أو انكساره، أو انهياره من خلال المفردات المستعملة، المنطوقة والمكتوبة،إذ هي تسجيل تاريخي لطفرة صعود أو نزول بامتياز، لأمم و ممالك، و شعوب. .لتكون ظلّ ظلّ مجتمعات، في فكر كاتب، أراد أن يمرّر فكرته إلى القرّاء، لتحيى حيوات أخرى، في عقول أخرى، بغرض التّماهي و التّباهي بزرع نطفة وعي قادحة في ذهن المتلقّي بغية الإدراك ، تبحث في مفهوم الفلسفة و مدى ارتباطها بالجنون والتّغيير والسّلطة والتّسلّط، للوقوف والتّأمّل في حال البشر عندما يلغون الدّين و يضعونه جانبا ويطلسون الإلاه.. و تنصّب" الأخويّة" -كما هو الشّأن لروايتنا هذه- إلاها بديلا للإلاه فرعونا من جديد، يسترجع زمن الطّغيان قبل ظهور الأديان، بعد طوفان و نسيان عهد، بعد نجاة من غرق كان محقّقا لولا السّفينة الشّهيرة ..المذكورة في قصص القرآن، فإذا بالإنسان يصير الأوّل و الآخر ،زورا وبهتانا وتزويرا لما جاء في سورة الحديد .. بعد أن كان مفوّضا من الواحد الأحد،
فيفسد الزّرع و النّسل ويعيث فسادا فيتيه ويظلّ طريقه ويستبدّ ويشتدّّ توهانه فتختلط عليه السّبل وتشتعل نيران الفتنة وتزداد الأنانيّة ويصير الشّيطان صاحبا و خلًا نديما، ودليلا، فيثمل العقل ويُضيّع بوصلته وسداده الفصل، و تمييزه للحقّ و الباطل و الشرّ و الخير فيحتدم الصّراع على البقاء من أجل الاستلاء على الخيرات و الاستبداد و مزيد الطّغيان لكسب الحرام واستغلال البشر، فيحترق بجحيم العبثيّة و تتأزّم الأوضاع ويشتدّ النّفاق والجرم والإجرام في حقّ النّفس والإنسان ، وبانتهاء زمن النبوّءة و النّبوءات يبقى العالم ينتظر مخلّصا مصلحا اجتماعيّا، ولكن قبل ذلك لا بدّ أن يسبقه فيلسوف للتّحليل والبحث في الظّواهر للفهم و لإعادة التّرتيب. و لئن اتّصف الفلاسفة بالحكمة إلّا أنّ بعضهم استحقّ الإعدام في عصره لاقتران ما جاءوا به بالجنون، ولنعتهم بتخريب العقول، غير أنّهم ضمنوا الخلود بعقولهم، عبر ما استطاع أن يفلت من الحرق من المتون، التي حفظت فكرهم إلى اليوم ...
وقد عرّف هيڨل الفلسفة على أنّها ابنة الأزمات :
أي أنّ الفيلسوف يسبق مصلحي الاجتماع لدورهم الاستباقي في التّحليل و البحث في الظّواهر.
ويبقى السّؤال المطروح هل العالم ينتظر عبقريا يخلصه أم مجنونا يحكمه ؟؟؟
فمن خلال العنوان نستطيع أن نتنبّّأ بأنّ محتوى الرّواية و الفضاء الذي تدور فيه هي حانة في بلدة "أراذليا"ا تنذر بلغم و ببركان و بصراع بين متناقضات وإمكانيّة انهيار، و انهيار قيمة وقيم وأخلاق وتسيّب و انحلال و تحلّل مادة و تفسّخ أخرى، و مزاولة ممنوع و محرم حرام، وانتظار قادم طوفان وأمل حلم سكران لماجن مجنون وطموح بنسيان واقع، و باستجلاب آخر كواقع الرّواية يؤثّثه البطل عبر الحلم ..
إنّ مستويات دوائر السّرد المختلفة تبرز قوة الصّراع واللّاتوازن النّفسي الذي يعكس حالة التّذبذب التي بات عليها الإنسان بعد الحداثة و وهم ما بعدها بعد أن فقد كلّ الثّوابت الأخلاقيّة وفرّط في دينه و أنكر وجود من خلقه الذي أخرج الشّيطان من دائرة رحمته لأجله لأنّه رفض السّجود له .... فصوّر لنا عالما مجنونا يروي قصّة مجنون لقيط يثأر من واقعه و حاكمه و من أبيه يصاحب الشّيطان متخذا إياه رفيقا يريد أن يستدلّ به فيوجّه إليه عدّة أسئلة حيرته تكشف مدى حدّة الثّورة والغليان في داخله، والسّعي إلى البحث في المصير و العبث و حقيقة سرّ الوجود في غياب العقاب و الجزاء، و ما الغاية من الوجود و ما يقوم به الإنسان طيلة حياته و مدى انعكاسه على مدى صيرورة كيانه؟ ماهي العبرة و الخلاصة؟ و كيف الخلاص من عذاب فقد الرّاحة النّفسيّة؟ الذي تسبّب فيه هذا الخواء الرّوحي. هل الإنسان مخيّر؟ أم مسيّر؟ هل يملك كلّ زمام أموره؟ منذ لحظة النّشوء و القدوم إلى غاية الأفول و المغادرة؟ إلى أين المسير و من أفضل الشّيطان أم الإنسان و هل هناك حياة بعد الموت؟ ...
صراع و فراغ نتيجة عدم توازن بين المادة المجسّدة في الجسد و الشّيء و الرّوح !
مجنون كان دليله كتابه الأثير!..
يقع ترشيحه ليحكم البلدة ...
يقارب بين حالة الرّضى التي توصل إليها عبر تنامي وعيه وإدراكه بعد المقاربة بينه و بين الأسوياء المحيطين به و خاصّة مع طبيبه و الممرّضة اللّذان يشرفان على علاجه ...فيحسب نفسه أفضل ...
هذا المجنون جعله قائدا و ربّان سفينته باحثا في الكينونة كفيلسوف يرغب في فهم الظّواهر المرتبطة بالغيبيّات، و الماورائيّات، وهو أيضا رمز لجنون بعض الحكّام الذين حكموا العالم و كانوا فعلا مجانين أمثال هتلر و غيره من ملوك العالم في الشّرق و الغرب و بطل الأسطورة شهريار ...
كما حرص على تعريته لفضح الإنسان في هذا العصر ليضعه أمام مرآة الحقيقة ليلبسه كل قارئء لباسا يليق بمقام الفكرة التي توصله إلى مرفإ النّهاية؟
إنّ انكار هذه البلدة لوجود إلاه
جعلها تحيد و تعيش في الدّنس و الدّعارة و فرض حكّامها الأخويين الخائنين الخاوين، قوانين جائرة على أهل البلدة ...
وصل بهم الأمر إلى حدّ معاقبة من يتوجّه بالنّظر إلى السّماء بالحرق لأنّ ذلك يوقعه في جريمة مخالفة لقوانين الأخوية أذ توحي بمناجاة الفرد لإلاه في السّماء ...كما ترفض قوانينهم أن يوارى الميّت الثّرى...
و قد اضطُهد في البلدة و حُرق كلّ من اشتبه بإيمانه.
ملاحظة: الدّيانة المحاربة في الرّواية البوذيّة وقع اختيارها لتكون مرآة يعكس عليها مفهوم الدّين و الإلاه...
رواية تطرح أسئلة وجوديّة في العبث و القضاء و القدر و الاختيار تسبر أغوار النّفس البشريّة وتعيد النّظر في عدّة قضايا و مفاهيم عبر ديموقراطيّة الأصوات مدمجا القارئ في لعبته عبر تفاعل بين الرّاوي والقارئ والأثر و من خلال ديمقراطيّة أصوات بؤر سرديّة لعبت دورا في تنامي الصّراع لبلوغ الهدف و القصد من الرّواية ...
هدف استشرافي ينذر بقادم مفزع
يحذّر منه بقوّة و يحرض على و وجوب التّصدّي له بالتّأمّل والعمل على التّغيير قبل فوات الأوان من أجل إيجاد واقع آخر يجعل من المرأة شريكا فاعلا بيدها القدرة على تغيير المصير إذا وضعت في المكان الصّحيح..
رواية غرائبيّة عجائبيّة تنتمي إلى تيار الوعي مشوّقة، تبرز حذق الكاتب و قوّة تمكّنه من آليات الكتابة و من سعة اطلاع على المدارس الفلسفيّة الغربية والشّرقية والهنديّة و الدّيانات رواية في أتت ما يقارب 500 صفحة لا تشعر بالملل وأنت تطالعها اعتمد صاحبها طريقة الفلاش باك والتّسريع والقفز و التّوقف لسبر النّفس و الغور في أعماقها رواية تدعوا إلى التأمّل وتبرز معاناة الذّات البشريّة عبر ديمقراطية الأصوات والميتاسرد في رحلة شيّقة...حقيقة بالإطّلاع للاستمتاع برواية من الطّراز الرّفيع....
سهيلة بن حسين حرم حماد
سوسة 10/06/2020

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق