الخميس، 2 يوليو 2020

الناقدة / زينب الحسيني&&&&




الناقدة زينب الحسيني//
مقدمة :
الصورة السردية الموسعة:
تعد الصورة السردية الموسعة , وسيلة للتعبير الفني والجمالي عن قضايا إنسانية خالدة , مثل الحياة والموت, الحب الكراهية , السلم والحرب , ومن ثم فهي طريقة للتشكيل والتصوير والوصف , موادها البلاغة واللغة , ورؤيتها إنسانية محضة .
الصورة السردية التي قد تحضر في القصة القصيرة, ليست صورة حسية فقط, بل هي صورة تخييلية إبداعية إنسانية ,
تتجاوز الواقع إلى عوالم خارقة محتملة وممكنة .
لكن أهم مافي الصورة, هو طبيعتها اللغوية والفنية والجمالية الخاصة وارتباطها بمتخيلات غنية وثرية , كما أن لها آليات تعبيرية, نثرية وسردية ودرامية تجعل من مبحث الصورة, عالماً منفتحاً وخصباً .
وتحتل الصورة البلاغية مكانة مهمة في الدراسات الأدبية والنقدية , لأن الصورة هي جوهر الأدب وبؤرته الفنية والجمالية .
كما أن الأدب فن تصويري يسخر الصورة, للتبليغ والتوصيل من جهة, والتأثير على المتلقي سلباً أو إيجاباً.
وليس الأدب وحده الذي يستثمر الصورة في التعبير والتشكيل والبناء, بل تشاركه في ذلك مجموعة من الأجناس الأدبية والفنية : كالرواية والقصة القصيرة والققج. . والمسرح والسينما ألخ..
ولم تعد الصورة تحتكم إلى مقاييس البلاغة التقليدية, بل توسعت وتنوعت آلياتها الفنية والجمالية والوصفية ,وكل تخصص يدرس الصورة في ضوء رؤية محددة , يفرضها منطق التخصص المعرفي , وتستوجبه آلياته المنهجية والتحليلية في الفهم والتوصيف والتحليل .
البناء الفني للصورة السردية, يقتضي دراسة الصورة ضمن جنسها النوعي , و ضمن مكوناتها الفنية والبنائية,
كدراسة الحدث والشخصية والفضاء , والوصف والمنظور السردي , ودراسة اللغة والأسلوب .
المرجع:
د جميل حمداوي
مقاربة سيميو _بلاغية للصورة .
قراءة لقصة : إبحار في شاطىء الذكريات . للقاصة الأستاذة ليلى المراني
البناء الفني للنص :
العتبة الأولى / العنوان: إبحار في شاطىء الذكريات . جملة اسمية تبدأ ب "إبحار " ذات تداعيات ثرية تتركنا نتخيل فضاء شاطيء لازوردي , وأمواج بحر تتلاطم أو تتلاقى ما بين جزر ومد.. يعلوه الزبد حيناً , وتتشعب تياراته وتتوالد أحياناً .
.:
الذكريات , عالم عجيب يسكننا , يخزن مواجعنا وأفراحنا , خيباتنا وأسرارنا ومكبوتاتنا في اللاوعي الذي ينطلق من عقاله كلما خلدنا إلى أعماق ذواتنا وعدنا إلى مرابع طفولتنا وشبابنا وأعز ايامنا .
هذه العتبة مصاغة مجازياً , ومفتوحة على التأويل والتخيلات .
عتبة الاستهلال: يتركز فيها التعريف عن زمن القصة , وعن المكان والمناسبة وهي احتفالية بالديوان السادس لشاعر ستيني مشهور, ومحبوب من قبل الفتيات المراهقات .
تبدأ القاصة العالمة بالسرد, بتعريفنا على عريفة الحفل بأنها صبية جميلة مغناج " نثرت نظراتها بغنج على الحاضرين" , أودعت صوتها كل أنوثتها , وبدأت تعرف الجمهور على الشاعر" شاعرنا الكبير, شاعر الحب والرومنسية "
كما أن الشاعر " ألقى نظرة زهو وانتشاء على زوجته " " التي تجاهلته كاتمة غيظها وذكرياتها عن مغامراته ,
نلاحظ تكثيفاً لغوياً في السرد وجمالية في التعبير , فقد عرفنا بشكل موجز أن زوجة الشاعر غاضبة من علاقاته السابقة وتتجاهله وكانها تسخر من ماضيه .
نتابع تسارع الحدث بشغف , لنعرف المزيد, فما أن يعتلي الشاعر خشبة المسرح "بزهو الشباب" حتى "تشرئب أعناق مراهقات صغيرات, تنتظرن همسا ت الحب والاحتراق عشقاً "
هنا يقفز إلى ذهننا تخيل الشاعر الكبير " نزار قباني "
الذي كان معبود الفتيات الصغيرات ومعظم النساء , ولا نغالي لوقلنا أنه كان محبوباً من الرجال , يحفظون أشعاره ويلقونها كلمات معطرة لحبيباتهم ..
نتابع الحدث ,وتعاود عريفة الحفل غنجها وتلذذها بجمالها , ثم تطلب من الشاعر قصائد قديمة , وتلح على أول قصائد نظمها لحبيبته وملهمته الأولى ,
هنا تعود القاصة بنا بلباقة فورية ودون عناء, إلى زمن مضى ما زال مختزناً في ذاكرة الشاعر , الذي
" اكتسى صوته نغمة دافئةجديدة,كزقزقة العصافير, همساته تنساب بدفء عذب يشوبه الألم "
تعبر القاصة هنا بلغة شاعرية دافئة وتوصيف دقيق لحالة الشاعر النفسية , وصوته الذي يشبه "زقزقة العصافير"
يعود ب"ذكرياته" إلى احلى أيام قضاها في الجامعة , عاش خلالها سنوات أربع حبيباً ل"ملهمته الأولى " التي ما زالت زوجته تغار منها ومن كل اللواتي ألهمنه الشعر .
الحدث يستمر تصاعداً ويبلغ ذروة التأزم بقول عريفة الحفل " معنا اليوم ملهمة شاعرنا الأولى , التي قلد جيدها بأجمل قصائد الحب "
عندها يقشعر جسد الشاعر من هول المفاجأة ومن وجه زوجته " الشامتة" " يفغر فاه , ترتجف شفتاه.. " يبحث في وجوه الحاضرين عن " إشراقة وجهها"
وكأن " الذاكرة تعود شابة , لأول لقاء بينه وبين حبيبته الأولى" يوم أصبحا أشهر عاشقين في الجامعة.
يتأزم المشهد , وترتبك الحبيبة " ناهدة" " اكتسى وجهها بشحوب موتى"
تتابع القاصة التوصيف الدرامي بالقول " راحت تسوي خصلات شعرها المتبقية " بعد العلاج الكيمياوي ..بابتسامة
"منهكة, ترتجف فوق شفتيها "
نحس وكاننا نشهد الإحتفالية بأم العين , ونكاد أن نذرف الدمع للحال التي وصلت إليها " ناهدة "
وهنا تاتي القفلة المحزنة المؤثرة " تحشرج صوت الشاعر , التفت يبحث عنها , لم يجد غير ديوانه الأخير , ملقىً على كرسيه الفارغ " وكانت زوجته لا تزال تحدجه بنظرات شامتة ساخرة ..
_ تيمة النص :
النص ذو سمة اجتماعية , تركز على " صيرورة " الوجود الإنساني ومآله من حال إلى حال , إلى حيث لا يتبقى سوى "أسمال ذكريات" تستدعيها المخيِّلة, وتستنطقها , لتسترجع وهج " البدايات " وأحلام الشباب .
القصة مدهشة بكل تفاصيلها , نجحت الكاتبة / الساردة , أن تنقلها لنا ممسرحة بواقعية متخيلة , لغة ثرية الصور والاستعارات
شفيفة الأحاسيس الإنسانية المرهفة ..
وقد وظفت اللغة للدلالة والتعبير عن الحدث و نجحت أيما نجاح ومن خلال الصورة الحركية , بتوصيف الحالة النفسية للشخصيات الرئيسية في القصة وتشويق الحدث وصولاً للذروة , مع تلاعب بالزمن السردي ما بين الحاضر و الماضي صعوداً وهبوطاً .
للنص إسقاطات واقعية وجودية, تضعنا أمام مصيرنا المحتوم , المحكوم بحتمية التحول والصيرورة والفناء ..
حيث لا يتبقى من الوجود المادي للإنسان سوى الأنقاض / الذكريات ..
التي تشي بأنه ذات يوم , كان..
سلمت الأنامل ودام الإبداع غاليتي القاصة المتألقة أ. ليلى المراني .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق