قراءة في قصيدة " هلْ سيرجعْ..؟ "للشاعر العراقي وليد جاسم الزبيدي
بقلم الكاتب/ بولمدايس عبد المالك
بكاء الوطن سمة بارزة في ديوان شعرنا العربي و يندرج هذا الصنف تحت مراثي الأوطان أو بكائيات الوطن ..و لهذه البكائية حدّ أعلى و حدّ أدنى يتراوح بين فقدان الوطن من أرض و راية و سيادة و نشيد كمراثي شعرائنا و هم يبكون مدائن الأندلس و عروسها المفقود وبين الرغبة الشديدة في رؤية الوطن يتعافى من جديد بعد زلازل مدمّرة و حروب طاحنة جرّاء احتلال غاصب أو حروب داخلية حالقة أو خيانات داخلية أو ديكتاتورية حاكم أو أسرة غاصبة ظالمة غير شرعيّة ...و لعلّ قصيدة "هل سيرجع" للشاعر العراقي وليد جاسم الزّبيدي خير مثال للنوع الثاني من بكائيات الوطن ..فالوطن في مخيّلة العربي تتعدّى رقعته الجغرافية التي ولد فيها الشخص و نشأ فيها وأصبح ينتسب إليها ..بل يتعداه إلى كلّ بقعة تضمّ شعوبا عربيّة و إن ناءت و بعدت ..و مصطلح "العربي" يختلف مفهومه عند الدارسين بحسب الموقع الجغرافي فابن خلدون رحمه الله في مقدّمته يقرر مثلا بأن العربي في الشمال الإفريقي تعني المسلم كانتماء و هوية و لا يقتصر مفهومها فقط على القومية العربية ..فالوطن بهذا المفهوم أوسع و أرحب ...و هذا المعنى الكبير قد صرّح أحد الشعراء حينما أنشد :
و حيثما ذُكر اسمُ الله في بلد ،،، عدَدتُ أوطانه من لب أوطاني
اختار الشاعر تفعيلة الرمل لغنائيتها البكائية التّي تتناسب مع موضوع القصيدة و لكونها تشير إلى عدو محدد للخيل العربية ؛و هي إشارة مبطّنة منه إلى ضرورة إعادة مجد الوطن المحطّم إلى سابق عزّه و فخاره .فالخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الخَيْرُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ كما جاء في الحديث الشريف .
لم يلتزم الشاعر بقاقية معيّنة و لا برويّ موحّد وحيد بل راح ينوّع فيهما ليخلق لنفسه مجالات أكبر و أرحب للتّعبير على مدى الآلام النّازفة و التّقرحات المثخنة التي أوجعت قلبه و أدمت روحه و يجعل نفسية القارئ في أريحية كبرى ..و بأسلوب إنشائي يقطّع قصيدته إلى ثلاثة مقاطع رئيسة تلخّصها و تجمعها ثلاثة تساؤلات كبرى :
هل سيرجع ..؟ ؛ كيفَ نرجعْ..؟ ؛ هل سنرجع.. ؟
و الرصد الدقيق للقاموس اللفظي لهذه القصيدة يبرز ملاحظة مهمّة جدا إذ لم يعمد شاعرنا لتوظيف رموز محدّدة بعينها ليتخطّى محدودية وطنه الأصلي العراق إلى باحات وطنه الكبير و أمّته الأكبر..و هذه الالتفاتة تحسب له و توحي بارتباطه الوثيق بهموم وطنه الكبير و بعد نظرته الشمولية الكلّية لمفهوم الوطن عنده .. و حتى لا يتهم بالتعصب الديني و الانتصار لمذهب ما خلت قصيدته أيضا من الرمز الديني .. و اكتفى بركوب متون الشوق و الحنين و العناق و الفراق ... و هي ألفاظ تلتصق أكثر بالحبّ و العشق ..فمحبوبته الأولى و الأخيرة و معشوقته الأبدية إنما هي وطنه الكبير . و تحت ظلال هذه الأبعاد الكاشفة نستهلّ قصيدته الميمونة .
أمام هول الصدمة التي ألمّت بوطنه الكبير و الفاجعة التي أتت على الأخضر و اليابس فيه تغزو الشّكوك و الظنون نفسية الشّاعر لتحاصره و تسيطر عليه سحبا قاتمة سدّت عليه آفاق الرؤية فأصبح اليقين ظنّا و شكّا و أضحت انتصارات الوطن الكبير التليدة مجرّد أوهام و خرافات ..و اندثرت معالم ذلك الوطن الذي طالما تغنّى بصورتها و أجادها و تاريخها ...
أمام ضربات هذا الهمّ الرابض يتردد الشّاعر في إمكانية رجوع وطنه الكبير إلى سابق عهده فنراه يختار كعنوان لقصيدته هذا التّساؤل الصادم " هلْ سيرجعْ..؟ " ..كردة فعل لما تسيطر عليه من توجسات ..
و "هل" حرف استفهام لطلب التَّصديق الإيجابي كما هو معلوم ، ويُجاب عنه بـ نعم أو لا وإذا دخل على المضارع خصَّصهُ للاستقبال فالشاعر يبحث عن إجابة تشفي غليله و تزيل شكوكه و هو إمكانية الاستدراك و الرّجوع إلى حالة العافية و الصحّة التي كان ينعم بها سابقا ...نعم ..لا .. من يملك الإجابة و هو يرى بأمّ عينه وطنه وطنا تنزف جراحه و قد أستباح كلّ من هبّ و دبّ ساحاته و أريقت دماء أبنائه على مرأى من الإنسانية المتآمرة ..نهبن خيراته و ثرواته ..قتل علماءه و هجّرت أدمغة نوابغه ..عنوان حائر يبحث عن إجابة هي أكثر حيرة منه ..أتبع الشاعر العنوان بنقطتين دلالة على تعمّده عدم الإفصاح عمّا يجول في خاطره و ختمه بعلامة استفهام للدلالة على حيرة عقله و عدم اهتدائه إلى جواب شاف ..
المقطع الأول:
هلْ سيرجعْ..؟
ما تكسّرَ أو تَقَطّعْ..؟
بعدما كانَ هشيماً
كلّ موضعْ..
أو تخلّى كلّ مفزعْ..
عن هوانا،
رحلتْ بعضُ قرانا..
وفراقٌ صارَ دمعاً
في ليالٍ سوفَ تُشرعْ..
تساؤلات مشروعة عن وطن مسلوب ينزف ..نفس التّساؤل لكن بتغيير طفيف و تعديل ذكيّ ..عن أيّ وطن يتساءل ..عن إمكانية الجير و الوصل ...جبر انكساراته المتراكمة المتواصلة ..و وصل أرحامه و أهله و مدنه و قراه ..الخطب جسيم و في كلّ شبر منه مفزع و مهرب فلا أمان و لا سلام و لا إصلاح في الأفق ..ليصير الرحيل عنوان قصّة هوانا بدل قصص قيس و ليلى و عمرو و بثينة ، وأضحى فراق القرى و زخات الدموع و الهروب تحت جنح الظلام أبوابنا المشرعة نحو مستقبل مجهول فلا مفزع يهرع له و لا نجاة في الأفق تنشد و ها هي المواضع و الأماكن تضيق وتزداد ضيقا و تنضم إلى ذلك الليل المعتم القسمات..
المقطع الثاني:
كيفَ نرجعْ..؟؟
هلْ سيُبنى ما تحطّمْ..؟
أو يكونُ الجرحُ بلسَمْ..؟
إنّني جئتُ ولا أدري
إليك...؟
أو بأني راحلٌ عمّا لديكْ..؟
والأماني في سباقْ
كطيورِ النورسِ الآتي
تصوير باذخ مؤلم للكفية التي صار إليها وطنه و ما كثرة تشبيهاته البلغية إلا محاولة منه لتقريب صورة وطنه الكبير و غربته ..فالأماني و الأحلام أضحت في سباق مع الزمن و حالها كطيور النورس المهاجرة ..فتارة هنا و تارة عناك و قد لا تعود يوما ...
وشوقٍ للعناقْ
آهِ يابحرَ الفراقْ..
كيفَ أرمي بعضَ حرفي
وأنا بعضٌ لخوفِ..
من سرابْ
وجنونٌ في ظلالٍ
وكفكرٍ في كتابْ
يغيّر الشاعر شكل تساؤله في هذا المقطع موظفا " كيف"و هي اسم مبنيّ على الفتح يستعمل للاستفهام الحقيقيّ أو غير الحقيقيّ للدلالة على تعمّده للإتيان باستفهام تعجبيّ إنكاريّ ..فتعجّبه مشفع بإنكاره كدلالة على ضبابية الرؤيا و شدة إنكاره لما تراه عينه و يلحظه عقله ..
هلْ سيُبنى ما تحطّمْ..؟
أو يكونُ الجرحُ بلسَمْ..؟
إنّني جئتُ ولا أدري
إليك...؟
أو بأني راحلٌ عمّا لديكْ..؟
و كأن زلزالا مدمرا أتى على مدائن وطنه و قراه جاعلا منها رميما تدروه الرّياح ..فعلى امتداد البصر لا ترى العينان إلا الخراب و الدمار .. و هل يستحيل الجرح النّازف بلسما و علاجا لهول ما يراه ..في الحقيقة هو يعجز عن الإجابة لكنّه يرغب و ما وجوده هنا إلا دليل على حبّه لتربة وطنه و أهله لكنه لا يدري أراحل أو آت ..و قد أحسن الشاعر في توظيفه للطباق (البلسم /الجرح؛ راحل/جئت ) وهي نوطات موسيقية تعكس نفسيته من جهة و تبيّن يالشيء و ضده حجم الكارثة التي وقف عليها و يقف...
تصوير باذخ مؤلم للكفية التي صار إليها وطنه و ما كثرة تشبيهاته البلغية إلا محاولة منه لتقريب صورة وطنه الكبير و غربته ..فالأماني و الأحلام أضحت في سباق مع الزمن و حالها كطيور النورس المهاجرة ..فتارة هنا و تارة عناك و قد لا تعود يوما . .كم اشتاقت روحه لعناق الأحباب الذين كانوا يوما هنا ..يتجولون في الربوع ..يتسوقون ..يتسامرون .. و لكنّه يغرق في بحر الفراق و يصير يخاف من بعض حروفه على نفسه من شدة اللاأمن و الخوف و الموت المتربص به ... أصبح فاقد حت للكيفية التي التي يتخلص بها من يعض حروفه التي قد تشي به و تسبب له الموت ..و ما السراب و الجنون و الفكر و الكتاب إلا أدواته الجديدة في مواجهة مصيره المهزوز كمواطن عاشق محب لوطنه و مصير وطنه المكلوم ...
المقطع الثالث:
هلْ سنرجعْ..؟
المقطع الثالث:
هلْ سنرجعْ..؟
لو رجعْنا نحوَ بعضٍ من سنينْ
وبدارٍ من حنينْ
قدْ تصدّعْ..
بعدما كانَ رياضا
نحتمي فيهِ ونمرح
لو بنينا... لو سهرنا
لو وضعنا من قلوبٍ
كلّ خطوٍ
لو رفعنا في دروبٍ
كلّ ظلٍ
ما انتهينــــا..
ويظلّ الشّكُ فينا ما حيينــــا..
هلْ ســـنرجـــعْ..؟؟ هلْ سنرجــــعْ..؟ هلْ ســنرجــعْ..؟
و يأتي التساؤل الثالث الذي يوجهه مباشرة لأفراد مجموع وطنه الكبير .. فما رآه من خراب و تقهقر يشيب له الصغير و يتذكّر سنين ولّت كان الاستدراك فيها ممكنا ..فلو اجتمعوا في دار الحنين و المحبة ما كان شرخ التّصدّع لتزداد شقوقه بهذه الفظاعة و الحجم ...
و قد كان وطننا من قبل رياضا باسقة ..نجدد فيه براءة طفولتنا فنلعب و نمرح كيوسف و إخوته ..و هذا اقتباس قرآنيّ جميل و فارق ...
وليلجأ إلى "لو" حرف امتناع لامتناع و لو لا تبني حطاما و لا ترجع تليدا ...و لكن فرطنا و ما اجتهدنا ...نمنا و ما سهرنا ..و ارتضينا الراحة و الدعة و الكسل ..فما حصادنا إلا نتاج بذرنا و حرثنا ...فكانت عاقبة أفعالنا و تفريطنا النّهاية و خاتمة نومنا ربما السقوط الذي يقف بعدها أبدا لا قدّر الله ...
ثمّ تغلبه الظنون و تحاصره الوساوس فينطلق لسانه من جديد بتقريرات ثلاثة ...
هل سنرجع ؟ هل سنرجع ؟ هل سنرجع ؟ ليؤكد بأنّ حركة التغيير و قرار الرّجوع راجعان إلى كل حر عربي ينتمي إلى هذا الوطن الكبير النازف ..و تعبيره بالجمع فيه دلالة على ضرورة الاجتماع و الوحدة و التكامل في بناء ما انهدم و تكسّر و جبر ما تقطع ...
بولمدايس عبد المالك
الجزائر في 15.01.2021

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق