"أسلوب الإستفهام ودلالاته اللغوية"
قراءة نقدية في قصيدة " هل سيرجع"
للدكتور وليد جاسم الزبيدي
بقلم/ حسن محمد العمراني
اللغة ترجمان الفكر، وأحد جناحي تشكيل المضامين الشعرية وصياغتها وجدانياً وبلاغياً وجمالياً، بجانب الجناح الٱخر وهو الصورة المبتكرة. وشاعرنا الدكتور وليد الزبيدي في قصيدته " هل سيرجع؟" يراهن علي هذين العنصرين، فهو شاعر قدير يعرف كيف يتحكم في أدواته الفنية ويجيد توظيفها. وأسلوب الإستفهام يعتبر من القوالب اللغوية التي قد يصب فيها الكاتب أفكاره، فتتنوع معانيه وأدواته ودلالاته. وشاعرنا يستهل قصيدته " هل سيرجع؟" بذات السؤال الذي اتخذه عنواناً للقصيدة ذاتها؛ بل لم يقتصر الأمر علي ذلك؛ إذ تعددت أشكال هذا الأسلوب الإنشائي فأصبح التيمة الإستهلالية التي تتواتر عبر سطور القصيدة من حين لٱخر. وقد يتبادر للذهن من الناحية الشكلية أن الشاعر يعيد نفسه، فيتبني أسلوباً واحداً قد يحمل القارئ علي الحيرة والفتور. لكن المتأمل للقصيدة يلاحظ أن مستويات الدلالة تتفاوت وتتنوع ما بين أداة إستفهامية وأخري. فسؤاله الأول" هل سيرجع/ ما تكسر أو تقطع؟" سؤال مطلق يعكس حالة الإحباط والحيرة والإرتباك الذي يعيشها الشاعر ولذا يحتمل ردوداً متعددة. و هو أسلوب طلبي ينطوي علي التمني وكأنه الشاعر يقول لنا ( ليت ما تكسر ينجبر وما تقطع يعود موصولاً من جديد). ثم يعاود السؤال بصيغة المجموع قائلا: " كيف نرجع؟" حتي لو تحققت نية الرجوع، وكأن الهم الفردي صار جمعياً، وهنا يحاول الشاعر إشراك الٱخرين في معاناته. ويسألهم علي أي حال سيكون الرجوع في وسط هذا الدمار والحطام الذي يسود البقاع ويفزِّع النفوس. ثم يخاطبنا بأسلوب الالتفات، معتمداً على الإنزياح والانتقال من المخاطب إلي التعبير عن الغائب أو المتكلم، ومن الجمع إلى المفرد، أو من زمن الماضي إلى الحاضر، وذلك لجذب المتلقي فنراه يقول: " إنني جئت ولا أدري إليكِ.../ أم بأني راحلٌ عما لديكِ.."، وكأنه يخاطب روحه الشاعرة المهاجرة المغتربة في لحظات المكاشفة. وهنا يضع الشاعر رحله، محاولاً التقاط أنفاسه المثقلة بالأماني المحمومة وهو يلقي حروف كلماته " لطيور النورس الٱتي" علها تصغي لشكواه. ثم يتنقل بنا الشاعر من خلال أساليبه الإستفهامية إلي منعطف ٱخر في ذاكرته الٱنية، فيخاطبنا بلغة الشاعر الكلاسيكي الذي يبكي علي أطلاله القديمة قائلاً: " هل سنرجع؟/ وبدارٍ من حنين قد تصدع" ثم يستحضر صورة الشك في كل ما يدور بخاطره ويعلنها صراحة في ختام قصيدته فيقول" ويظل الشك فينا ما حيينا" ، وكأن هذا النوع من الشك ما هو إلا الحلقة المفرغة التي تبعث الأمل علي السعي في سبيل الوصول للغاية. والسؤال المفتوح ما هو إلا استحضار للتجربة التي تلح علي الشاعر وتستكتبه ما بين الفَيْنَة والأخري، مما يذكي وهج الإبداع وشرارة التجديد.
هو حقاً نص له خصوصيته الشعرية وطزاجتة الإبداعية.
---------------
النص
هلْ سيرجعْ..؟
د. وليد جاسم الزبيدي/ العراق.
هلْ سيرجعْ..؟
ما تكسّرَ أو تَقَطّعْ..؟
بعدما كانَ هشيماً
كلّ موضعْ..
أو تخلّى كلّ مفزعْ..
عن هوانا،
رحلتْ بعضُ قرانا ..
وفراقٌ صارَ دمعاً
في ليالٍ سوفَ تُشرعْ..
كيفَ نرجعْ..؟؟
هلْ سيُبنى ما تحطّمْ..؟
أو يكونُ الجرحُ بلسَمْ..؟
إنّني جئتُ ولا أدري
إليك...؟
أو بأني راحلٌ عمّا لديكْ..؟
والأماني في سباقْ
كطيورِ النورسِ الآتي
وشوقٍ للعناقْ
آهِ يابحرَ الفراقْ..
كيفَ أرمي بعضَ حرفي
وأنا بعضٌ لخوفِ..
من سرابْ
وجنونٌ في ظلالٍ
وكفكرٍ في كتابْ
هلْ سنرجعْ..؟
لو رجعْنا نحوَ بعضٍ من سنينْ
وبدارٍ من حنينْ
قدْ تصدّعْ..
بعدما كانَ رياضا
نحتمي فيهِ ونمرح
لو بنينا... لو سهرنا
لو وضعنا من قلوبٍ
كلّ خطوٍ
لو رفعنا في دروبٍ
كلّ ظلٍ
ما انتهينــــا..
ويظلّ الشّكُ فينا ما حيينــــا..
هلْ ســـنرجـــعْ..؟؟ هلْ سنرجــــعْ..؟ هلْ ســنرجــعْ..؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق