قصّة قصيرة
*زوج فقير جدّا.*
حملته سيّارة الإسعاف. جثمت قربه تفرك يده حينا وتتابع حركات الطبيب وهو يراقب دقّات القلب المضطربة.
_هل يمكن نقله إلى مستشفى حكوميّ؟
نفضت الموظفة رأسها وقالت :
_انتم هاتفتم المصحّة الخاصّة فأرسلنا لكم سيّارة إسعاف.
انزوت في ركن تهاتف والدها بصوت منخفض.
بعد حين دخل يدبّ خلف عصا خشبيّة وبيده ظرف وضعه أمام الموظّفة.
جروا به على النّقّالة إلى الطّابق العلويّ حيث الانعاش.
سالت أباها :
_من اين جئت بالمبلغ؟
_تدبرته من جيراني ...المهمّ صحّته ..
قبّلت جبهته بعين دامعة:
_أعرف أنني أثقلت عليك. لكنّني..
بإشارة من يده طلب منها السٌكوت.
لا يريد منها جزاء ولا شكورا. لن يترك ابنته وأطفالها وزوجها الطّيّب للخصاصة. لن يترك أحفاده يعودون إلى المدرسة دون ملابس جديدة. او دون كهرباء.يراجعون عليه دروسهم ليلا. لن يبخل عليهم بمعاشه وان قتّر على نفسه تقتيرا.
مايزال المريض غائبا عن الوعي وقد غطّت صدره الازرار واللصاقات والخراطيم البلاستيكية وقربه آلة تطلق صفّارات انذار موحشة.
اخذت بطاقته من حافظة اوراقه وقرّرت الذهاب الى الشركة التي يعمل بها لتأخذ مرتّبه البسيط بعد أن نزعت بصعوبة الاساور التي ورثتها عن أمّها ومدٌتها لأبيها كي يبيعها لدفع بقيّة مصاريف العلاج.
فتحت باب التاكسي وسارت في الرواق الطويل تسال عن مدير الحسابات.
_مساء الخير
_اهلا سيدتي ...تفضّلي.
_انا زوجة الموظف "عقبة الناجح..."
ابتسم ابتسامة ماكرة ثم. قال :
_موظّف ماذا يا سيدتي ؟ هو مديرنا العامّ . هو متغيٌب منذ البارحة...
_يا سيدي انتم حتما تخلطون في الأسماء ...
ادخلت يدها في حقيبتها اليدوية. اخرجت بطاقته مدتها إلى الموظف دون أن تتكلم. أجابها متعجّبا:
_نعم ..هذا مدير شركتنا العامّ وهو مالك أكثر الاسهم فيها. هو يتقاضى أعلى مرتب "أربعين ألف دينار"
طلبت شربة ماء. بدا لها أن الموظف يسخر منها.
_هو في المصحّة وارسلني لأخذ راتبه الشّهريّ.
مدّ لها دفترا .أمضت على ورق. بيد مرتعشة ثم عبٌأ لها الاربعين ألفا في كيس من الورق المقوّى قائلا :
_من المفروض أن يوضع مرتبه في البنك لكن مادام ارسلك لاستلامه فلك ذلك. بلّغيه سلامنا.
قرصت خدّها.عضت سبابتها. تأمّلت أصابعها المدمّرة جراء التقطيع والغسل والطهي.
وجدت والدها ينتظرها قرب صهره الموظف البسيط الذي بدأ يستفيق .مدّ لها ثمن الاسورة وهو يعدها بتدبر بقية المبلغ.
جرّت والدها خارج القاعة وطلبت منه أن يهاتف البنك على الرقم الذي كتبه مدير الحسابات على الظرف ومعه رقم الحساب البنكيّ بطلب منها كي تضع فيه ما يزيد عن الحاجة .
شهق الوالد والموظّفة تقول له:
_ مرحبا حضرة المدير العام .حسابكم بلغ مليارا ونصف من الدينارات. ...
نظرت إلى المريض وهو يحاول فتح عينيه ليشكرها .بعثرت فوقه حزم الدنانير التي تناثرت على اللحاف وتدحرج بعضها على الأرضية.
اخذت بيد والدها ومضت تهاتف حريفاتها لتعدّ لهنٌ وليمة لمناسبة ما أو اكلات شهية ياكلنها مع أزواجهن الموظفين البسطاء بمقابل بسيط يكفيها ذلّ السّؤال.
حبيبة المحرزي
تونس
_
..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق