الجمعة، 26 أغسطس 2022

حنين الظلال والذاكرة / الأديبة : نفيسة التريكي / سوسة- تونس****



 حنين الظلال والذاكرة

تملؤني الحديقة بانفاسها فاخضر ّ واتوق الى الاعلى فارى ظلال روحي تحضنها السماء فازرقّ
اذكر تلك التي حملت عطرها في قلبي عمرا فاستخزم واحمل باقة خزاماي نفح البستان، الوان عيني جواهر تتلالا في كياني المعتّق بما رسخ من الماضي...اهديها للرّاحلين من دمي ذاكرة جدّي الذي لا اعرفه روح امي ..روح ابي.. روح مؤرخنا الكبير حسن حسني عبد الوهاب وهو من علّمني لم خزامى سمّيت خزامى و كيف تبدا حكايتها من رحم الارض ، من دودة القز حتى خيوط الحرير حتى سفن التبادل التجارية بين سوسة والاسكندريّة.
بساتيننا التي عمّرها الاجداد لمّا كانت جامعة للنّخيل الباسق والتين القسم القراني والزيتون المبارك واشجار الرّمان والتّوت والخرّوب والقوارص و الحنّاء و احواض الملوخيا والنّعناع
وكم كانت مزيّنة حسب روايات الاعزاء بالقرنفل الاحمر والوردي والابيض و الفائح الملموس لمسا باللون البرتقالي
خزامى بساتيننا القديمة التي تاكلت بالعمران...التي خلّفت عطورها والوانها وحكاياتها في روحي
خزامى بروايات الوالدة والوالد ومن عاشر عصرهما...حكايا اماسي الشعر الملحون التي كان يقيمها جدي محمود لاشهر الشعراء. ونهم عبادة ومن اقواهم في لون" الكشخي"الراحل رحمه الله عمر عبادة
..خزامى الطوا ويس التي كانت تخرج فرادى وجماعات وتتجلى متبخترة بالوانها الزاهية ..
خزامى الخيل والليل والجمال ...وافجار الديكة و...خزامى السرو العطروالورد العربي والارنج الذي يقتطف زهرا للتقطيرلراحة الاعصاب المتشنجة الغضبى
..خزامى
اصوات الدّلاء ترمي بحملها في الجوابي والجوابي في السواقي والسواقي في النبات والخضر والاشجار....
اه خزامى يا حنين الحكايات والذكريات....
خزامى قبيل الغروب صيفا في رمضان لمّا كنت ارى ابي يفترش سجاده للصلاة ثم يجمعه ويفترش زربية قبالة الزياتين في الباب الشرقي للدار او الدار الخزامية التي ورثها عن ابيه خزامى أه من الحنين اه والقران تخرج حروفه مؤمنة من حنجرة ابي و هو يتلو ما تيسّر من كتاب المسلمين الكريم حتى مدفع الافطار ..
خزامى وذاك الكليب الوفي سعد كلب ابي المفضل
سعد كان هو ايضا يسمع تلاوة ابي فكان لما راه يفترش زربيته القيروانية الصوفية ويضع مخدتيه لللاتكاء ظهره على الحائط يتخذ مباشرة مكانه بجانبه كطفل متكئا على جنبه يسمع ما يتلوه في راحة ودعة وكانه كلب سورة اهل الكهف لا ينهض الا بعد اغلاق ابي مصحفه
خزامى...أه كم من حنين لهاتيك الاصياف العبقة بالروائح والالوان وكم من حنين لصدري القمرين باب وامي او ....كم من حنين لما اناديه يا بتفخيم صوت الياءالجامعة بين حرف الندأ يا وتصغير كلمة ام منسوبة الي ياقرب النداء مهما كان بعد المسافة هو قرب القلب وايغال الحنين في الذاكرة
يا بابا...
خزامى يا خزامى
امتلكيني بحنيني السنين
بابا وكلبه سعد واهاته مع ام كلثوم وعبدالوهاب وعشقه للقران وتلاواته الحنونة
أه بابا يا بابا...زرني ولو فيي الحلم فكم اشتقت لكل تفاصيلك حتى مع سعد لما كان ينسج معك حكاية وفاء
نعم كان سعد جميل الوفاء رقيق الطباع عميق النظرات
فاذا قام بابا وسقط منه منديله يلحق به ويرميه امامه...فنضحك نحن وينظر بابا الينا ويقول اما سمعتم بوفاء الكلاب هذا كلبي الوفي.....وتلم حكايات سعد مع الزربية للافطار على ماىدة العاىلة ثم...بعدالعشاء وقهوته وسيجارتهيخرج ابي ويذهب للتراويح ويعود باحثا عن نهج البرة او ولد الهدى او حديث الروح في صوت ثوما او واذا الشمس كورت في صوت الشيخ عبد الباسط عبد الصمد فنهتز ويهتز غبطة ونشوة بالابداع والبلاغة ...أه خزامى يا خزامى يا ذاك الحنينما ابعدك ما اقربك......
خزامى اه يا ذاك الصوت الشجي الناطق المدغدغ ثنايا روحي
لما كان ابي في الشرفة في اوقات راحته يغني الجندول للشاعر علي محمود طه ولعبد الوهاب ويدندن القيثارة ودعاء الشرق وولد الهدى لام كلثوم
....وخزامى
يا خزامى
حكاية لن تنتهي من خلايي
خزامى يا خزامى
امتلكيني بحنيني وحنينك
نفيسة التريكي
سوسة ...تونس
23/8/2022
الظلال تعبر بذكرياتها.......للمتابعة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق