قصة قصيرة
*احترام التناوب*
فتح باب السيارة الخلفيّ دون أن يسكت المحرّك. حملها بين ذراعيه. قبضت على مقدمة سترته السوداء بأصابعها المعروفة المتيبّسة التي بها نبشت التراب وزرعت هذه الزيتونات ورعتها حتى نمت. وأثمرت وصارت "يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور"
طرق الباب بمقدمة حذائه البرٌاق وهي تزداد تكوّرا وتغلٌقا به وقلبها يرجف خوف السقوط.
لا أحد يفتح .
أعاد الطرق بعد أن كوًمها على حجر تحت الزيتونة الوارفة التي تحاذي الدار وفمه يرطن بكلمات لم تصل سمعها الثقيل.
أستلّ الهاتف. من جيبه. ضغط ضغطا متتاليا بعصبية "هاتف مخاطبكم مغلق"
تفقّد السّاعة السوداء في يده. الهاتف يتخبط في جيبه . السكرتيرة تذكره بالاجتماع مع وزيرة الشؤون الاجتماعية. سيقترح عليها ضرورة إنشاء مآوي للعجّز في كلّ مدينة كي لا تتعطّل أعمال الموظفين ومصالحهم.
صفق باب السّيّارة بعنف بعد أن جذب منه صرة ادباشها وكيس أدويتها. اسرع إليها قائلا بصوت مرتفع وهو ينحني عليها:
_لا تقلقي.لابدّ أنّ سالم وزوجته والأطفال نيام ..ساتّصل به وانا في الطريق...
زمجرت السّيّارة متباعدة بسرعة قصوى وهو يتمتم ويصفع المقود بيده في تشنج لماذا لا تحترم المواعيد أيا اخي. اليوم تنتهي مهمتي. اليوم بداية اسبوعك. هكذا اتفقا ووعدنا والدنا وهو يحتضر .من وعد وفى ....)
قبل المغرب عاد سالم مع أبنائه من رحلة إلى البحر وعلى وجوههم علامات السعادة والارتياح وهم يعاينون سمرة بشرتهم ووجوههم التي لفحتها الشمس هناك على الرمال الذهبية. انزلوا أمتعتهم. فتحوا الباب وجروا إلى الداخل مقهقهين .
تسرب رنين الهاتف من بين ضحكاتهم وضجيجهم :
_سالم . لماذا لا تجيب على الهاتف .كيف حال امي ؟
_اين هي؟
أجابه مصعوقا:
_لقد وضعتها تحت الزيتونة الكبيرة ...
جرى سالم إلى الزيتونة فلم يعثر الا على صرة الأدباش وكيس الأدوية وكومة عليها ملابس ممزقة ملطخة بالدماء وكلاب مسعورة تتباعد شبعانة.
حبيبة محرزي
تونس

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق