نذورٌ تنتظرُ الصدمة
قراءة في قصة (نذور) للكاتبة ليلى المرّاني
قراءة : د. وليد جاسم الزبيدي.
المقدمة/
في قراءةٍ لقصة (نذور) للكاتبة العراقية الأستاذة (ليلى عبد الواحد المرّاني) بعد أن
انقطعت طويلا عن النشر في تغريدات نخلة ، استبشرنا خيرا بعودتها للكتابة، وقد خصّت
(مجموعة تغريدات نخلة) بنتاجها الجديد الذي نحتفي به اليوم ونكتبُ عنهُ وفيه، فمرحباً
بالكاتبة الأستاذة (ليلى) وبحرفها.
العنوان/ (نذور).
وجاء
من الفعل الثلاثي، نَ ذَ رَ، والجمعُ: نَذَر، ونذور،( كما جاءَ في المعجم الوسيط)،
النَّذْرُ : ما يقدمه المرءُ لربّه، أَو يوجبه على نفسه من صَدقة أَو عبادَة أَو نحوهما.
والجمع : نُذُورُ.
إذن
العنوان جاءَ في إطار الميثولوجيا، والعادات والتقاليد عند معظم أمم الأرض ،وردت هذه
المفردة بلغات الحضارات الأولى وثقافاتها منذ بدء الخلق، حيثُ هابيل وقابيل، في
أوّل قربانٍ على الأرض، حيثُ تقبّلَ اللهُ قربان (هابيل)، وهناك قرابين بشرية،
وحيوانية، ونباتية على مدارات الحيوات .
وكان
القُربان البشري(سيدنا اسماعيل): ((قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ
أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي
إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ *)) –سورة الصّافات/الآية: 102؛ وكانت قرابين الآلهة في
الحضارات والأقوام قبل الميلاد، كان الانسانُ يقدّمُ النذورَ، والقرابين للآلهة في
المرض والفيضانات والتقلبات الجوية، والأفراح والأحزان . كما قدّم الانسان للمعابد
الحلي والجواهر والأباريق.
ومادامت الكاتبة سليلة (الحضارة السومرية) جينياً،
تناقلت عندها (نذور) ثقافةً لتشخصنَها في قصّتها.
بطل القصة (منتظر)/ وكأن الكاتبةَ هنا
تؤكد انتماءها وارتباطها بالثقافات الأولى والديانات، ففي كل الديانات والمذاهب
الدينية هناك (مخلِّص) أو (منتظر) تنتظره الأمة، أو القوم، ليأخذها نحو الجنان
والخلود.
وهذا عهد الفكر العربي
في الانتظار، لا نسعى الى ما نريد ونطمح بل ننتظر الى يوم يُبعثون. وسنجدُ
هذا الرمز (منتظر) الذي يغيب طويلا، وتتحين العائلة ساعة حضوره ولادةً، ثم حضوراً
بينهم..
(منتظر) هذا الذي جاءَ
بعد انتظار طويل، فقد وُلِدَ بعد أربع بنات، فكان حضوراً لهُ دلالاته في
العائلة، وعند الأب خصوصا، لما تحمله العائلة من أفكار المجتمع الذكوري، وأن الذكر
ليس كالأنثى؟؟!!
النّعاء ( المراثي) : نقول نعى إليهِ فلاناً: أخبرهُ
بوفاته، ونعى : أذاعَ، والنّاعي هو الذي يأتي بخبر الميّت، والناعيات من النساء
هنّ اللواتي يذكرن محاسن الميّت أو الغائب شعرا مغنّى، وتجد هذه الصفة عند
العراقيات واضحة جليا عند العراقيات، تقول بعض المصادر، أن لحضارة السومرية راكزة
في النفس العراقية، وفي النساء العراقيات خصوصا بل مازلنا نستخدم العديد من
الألفاظ السومرية في اللاوعي، ويخبرُنا البعض أن (العمارة) وهي مدينة في جنوب
العراق ، وكانت أرض سومر، جذور كلمة (عمارة) سومرية، أصلها ( أم. آرا)،أي (أم
البكاء) ، فمن هذه البقعة يخرجُ عراقيو سومر ليشاطروا (أنانا) بكاءَها ونحيبها على
(دموزي) لمدة أربعين يوما. ومازال العراقيون يحزنون على الميت أربعين يوما.
إذن مسألة (النواعي) واللطم والنحيب، وما تجودُ به قريحة
المرأة من قراءة الشعر ارتجالاً حزناً، هي مسألة متجذرة من القدم. وهنا تطرحها
(الكاتبةُ) في مشهد (الأم) التي تجيد هذا النوع من المراثي والحزن.
النذور في القصة/ وردت النذور في حالات مختلفة في العائلة :
1/ ِنذْرُ الأم: عندما يولدُ لها (ولد/ ذكر) بعد أربع
بنات، تقول الكاتبة: (لم يبقَ نذرٌ لم تنذرهُ أمّي كي تُرزقَ بذكر يحلمُ بهِ
والدي).
2/ نِذْرُ الأب: (والدي نذرَ إنْ رُزِقَ بذكر أن يصعدَ
بهِ أعلى منارة مسجد في مدينتنا).
3/ نذور الأم كي يُرزقَ ولدُها(منتظر) بطفل.
4/ نذر الأم = (نذرٌ عليّ أن أحنّي شعري وألبسَ ثوباً
أحمرَ وأرقص).
الختام/ تظل قضية النذور مدار عمل العائلة، بل هي المحرّك لكل ما
يدور ، وهي الفلسفة والعقيدة التي بوساطتها تحصل على المراد.
قصةٌ مترابطة، تنقلك من حال الى آخر، دون أن تحس بوهن
هنا أو هناك، بل تستمتع، وتجعلك تفكر وتشاركها بماذا سيحصل بعد ذلك، والذروة في
القصة ختامها، حيث تُظهرُ لنا الكاتبة قابليتها وذكاءها في كسر التوقّع، فبعدما
كانت العائلة كلها وخصوصاً الأم تنتظر بشرى (حمل) أو طفل لإبنها (منتظر) إلا أن
منتظر يصعقهم بخبر غير متوقع يظنه سيسعدهم، هو خبر كما يقول ابنهم (منتظر): (- سأخبركم
بالمفاجأة ونحن نشرب الشاي ( المهيّل ) من يد أمي الغالية.).فتقول لهُ أمّهُ: (- مبارك
حبيبي، إن شاء الله ولد يكون لك أخًا…هتفت أمي وهي تهلهل).. فيكون رد ابنها
(منتظر) وهنا كسر التوقع في الختام :
(- لا يا أمي، حصلت على الهجرة إلى كندا، خلال أسابيع سنسافر).
قصةٌ تستحق القراءة، فيها مدلولات كثيرة بين الأسطورة
والواقع ومشاكل العصر، وأحوال العائلة . شكرا للكاتبة(ليلى المرّاني) وهي تمتِعُنا
بهذه الكتابة والى قادم أفضل.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق